سخريات المصطلحات

03:04 صباحا
قراءة دقيقتين

عبد اللطيف الزبيدي
هذا مبحث جادّ، ولكنه مفعم بالدعابة الفكريّة. السؤال: هل للمصطلحات أثر في المفهوم والتلقي؟ أخطر من ذلك: هل يصبح التلقي بمرور الزمان موجّهاً للقيم الجماليّة والإبداعيّة؟ تنظير ثقيل، ولكن الأمثلة ستضفي عليه سلاسة وجزالة. سيعرض القلم باقة من الحماقات الطريفة التي ارتكبها القدامى والمعاصرون من اللغويين والعروضيين.
في شأن اللغة اقترف العلماء القدامى هنات، جاء الجدد «وزوّدوها حبّتين»، وفي أمر العروض حافظ أهل عصرنا على المهازل نفسها، إلى أن أتى أصحاب شعر الحداثة فحكموا على عمود الشعر بما فعله العثمانيون بمعارضيهم: «الكيس والبحر».
أهل المغنى لم يأتوا بجديد عندما اخترعوا لنا فرية «الموسيقى الصامتة»، يعنون الموسيقى بلا كلام. التسمية مجاز رديء. وبالرغم من أن المصطلح ولد في حقبة كان فيها مؤلفون موسيقيون من الطراز الرفيع، فلم نر شيئاً من ذلك. لكن المأساة تنوّعت، صار لنا كلام من دون موسيقى (الراب العربي)، أو لا كلام ولا موسيقى. اللغويّون سبقوا إلى هذه الاستعارة السيئة. كان القدامى يتحدثون عن «الحروف الساكنة الصحيحة» مقابل «حروف العلة واللين»: الألف والواو والياء، فجاء المعاصرون ورسّخوا تسميتها: الصوامت مقابل الصوائت. الحروف كلّها مخارج أصوات، فهل يجوز أن تسمّى أكثريتها حروفاً صامتة؟ حماقة اصطلاحية. وظيفة أهل الاختصاص العثور على البديل السليم الصائب. منطقياً كل الحروف صوائت ما دام لها صوت. إذا كانت صامتة، فكيف تكلم بها البشر منذ أقدم العصور؟
مصطلحات العروض معرض كاريكاتور. جلّ مفرداتها المتعلقة بفروع الزحاف يجعل الطالب، إذا فوجئ بمعانيها في اللغة، يخلع نعليه ويفرّ من الدرس؛ لظنه أنه في تدريب «داعشيّ»: الوقص، قصر العنق، وقَص عنقه أي كسرها ودقّها. الخزل، كسر في الظهر. الصلم، قطع الأذن والأنف. الخرم، قطع في الأنف دون الجدع وفي الأذن. الحذذ: القطع المستأصل وخفة اليد في السرقة. الكسف، منه الكسوف وقطع العرقوب وسوء الحال. على الأستاذ تقديم السكاكين والسواطير لتقطيع الشعر.
بهذه المشاهد القصّابية نريد أن نضع الطلاب على عتبة الشعر، ونفتح لهم آفاق تذوّق الإيقاع الموسيقيّ في ميراثنا الثقافي، ونهيّئهم للإبداع. الأنكى هو أن العروضيين التقليديين يجهلون أن الإيقاع من الموسيقى وإليها، فالزحاف ليس زحافاً بل هو إيقاع آخر ليس زاحفاً ولا كسيحاً. مثل فاعلاتن وفَعِلاتن، ومستفعلن ومفتعلن. إيقاعات مختلفة موسيقيّاً، وأهل التقليد واهمون.
لزوم ما يلزم: النتيجة النفسية: ألا تؤثر التسميات التلقينيّة في تلقّي الذهن تلك المفاهيم، وتوجيه القيم الجماليّة تالياً؟
[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"