ثلاثة مسارات متوازية ميزت التطورات الليبية خلال الأيام القليلة الماضية، أولها استمرار التحركات العسكرية لإتمام سيطرة الثوار على كل الأراضي والمدن الليبية . وثانيها السعي إلى استيفاء مقومات إدارة الدولة وتسيير حياة الليبيين . أما المسار الثالث فيتعلق بترتيبات البيت الداخلي للثوار . وكشف العمل في تلك المسارات الثلاثة عن هواجس وتحديات ذات أولوية خاصة، فرضت نفسها على الساحة الليبية . تتمثل في هيمنة ونفوذ القوى الإسلامية، وانتشار السلاح، واستمرار هروب القذافي . وتحتل تلك المسائل اهتماماً متزايداً من جانب المجلس الوطني الانتقالي الليبي، كونها تؤثر فعلياً في سلاسة وسلامة المرحلة الانتقالية، وكذلك من جانب الأطراف الخارجية المعنية باستقرار الأوضاع في ليبيا ومحيطها .
اقترب الثوار الليبيون بشدة من إحكام السيطرة على كل من سرت وبني وليد، وهما المنطقتان اللتان تتمركز فيهما قوات تابعة لكتائب القذافي الأمنية، بعضها موجود هناك من قبل، وبعضها الآخر جاء هارباً من مناطق أخرى خضعت لسيطرة الثوار . وبدا واضحاً حرص المجلس الوطني الانتقالي الليبي على أن يكون دخول سرت وبني وليد بشكل سلمي ومن دون إراقة دماء ليبية جديدة، وذلك بتأجيل قرار الهجوم العسكري على سرت وبني وليد أكثر من مرة، انتظاراً لما ستسفر عنه المفاوضات مع وجهاء وشيوخ القبائل . إلا أن بعض الخلايا النائمة التابعة للثوار داخل بني وليد حاولت استكشاف حدود قوة كتائب القذافي في المدينة، فدخلت معها في مناوشات واشتباكات تمهيداً لهجوم قوات الثوار المرابطة خارج المدينة . وجاء رد فعل قوات القذافي من داخل المدينة ليؤكد أنها ليست في وارد الاستسلام لقوات الثوار من دون قتال . الأمر الذي دفع القوات المرابطة خارج المدينة إلى العودة إلى مشارفها بعد أن كانت بدأت هجومها فعلياً، انتظاراً لعمليات تمشيط وإجهاض تقوم بها قوات الناتو عبر قصف مواقع قوات القذافي داخل المدينة .
وفي سرت بدأت قوات الثوار الاقتراب تدريجياً من المدينة وتقوم بعمليات استطلاع سرية بوساطة عناصر تتسلل داخل المدينة من الخارج، إضافة إلى بعض العناصر الموالية للثوار من المقيمين داخلها . والواضح أن استراتيجية الثوار بالتعامل السياسي مع سرت وبني وليد لم تنجح في إقناع مقاتلي القذافي في المدينتين بالتخلي عن السلاح وتسليمهما إلى الثوار . لذا لجأ الثوار إلى التهديد باستخدام القوة، أوربما استخدامها فعلياً، لإنهاء حالة الجمود العسكري في منطقتي سرت وبني وليد .
مشاكل تبحث عن حل
في المسار الثاني، يبذل المجلس الوطني الانتقالي جهوداً حثيثة، داخلية وخارجية، لإيجاد موارد كافية لتسيير الحياة داخل ليبيا، ويشمل ذلك الموارد الاقتصادية والبشرية بصفة خاصة . حيث أعلن المجلس الوطني الانتقالي أنه سيتم استئناف إنتاج وتصدير النفط الليبي مجدداً خلال أسابيع قليلة، وذلك في محاول لتأمين موارد مالية للإنفاق على متطلبات الحياة . وتتسم هذه الخطوة بأهمية كبيرة بعد أن عجز المجلس عن تسديد أثمان الواردات من المواد الغذائية والسلع الأساسية ما أدى إلى أزمة في بنغازي ومناطق أخرى، فضلاً عن النقص الشديد في السيولة المالية المطلوبة لسداد رواتب العاملين في الحكومة والمؤسسات العامة . ورغم أن دولاً كثيرة قررت الإفراج عن ملايين الدولارات من الأرصدة الليبية التي سبق تجميدها، إلا أن التنفيذ الفعلي لذلك الإجراء يستغرق وقتاً، إضافة إلى أن شقاً مهماً من تلك الأرصدة سيخصص لتسديد فاتورة ما تلقاه الثوار من مساعدات خلال الحرب ضد القذافي، سواء في التسليح أو التدريب أو القروض والمساعدات المدنية التي قدمتها بعض الدول للمجلس لإدارة شؤون بنغازي . وكان شهر رمضان قد شهد أزمة حادة في مختلف مناحي الحياة في ليبيا، سواء في المناطق التي كانت لا تزال خاضعة لسيطرة القذافي، أو تلك التي يسيطر عليها الثوار . الأمر الذي أصبح معه المجلس الوطني الانتقالي أمام وضع حرج اقتصادياً وهيكلياً مقابل التقدم والانتصار الذي تحقق عسكرياً وسياسياً، بسقوط طرابلس وإنهاء فترة حكم القذافي . ولعل هذا الوضع الدقيق كان سبباً أساسياً في تركيز المجتمع الدولي بشكل واسع على الجانب الاقتصادي والإنساني في التعامل مع المجلس الوطني الانتقالي بصفته ممثلاً للشعب الليبي وحاكماً فعلياً لبنغازي ومناطق أخرى، حتى من قبل سقوط القذافي وانهيار نظامه في طرابلس . وهو التوجه الذي أكده وركز عليه اجتماع أصدقاء ليبيا، الذي استضافته العاصمة الفرنسية باريس مطلع الشهر الجاري . حيث كان القرار الرئيس له هو الاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي ممثلاً للشعب الليبي وحاكماً شرعياً لليبيا، وبالتالي يتم الإفراج عن الأرصدة الليبية المجمدة، ودعوة الأمم المتحدة لرفع العقوبات المفروضة على ليبيا الاقتصادية منها خصوصاً . وهو ما أدى فعلياً إلى انفراجة نسبية في الوضع المالي للمجلس .
حكومة . . لا حكومة
على المسار الثالث، بدأ المجلس الوطني الانتقالي في اتخاذ إجراءات لترتيب الأوضاع السياسية والتنظيمية الداخلية لإدارة شؤون البلاد . وتصدرت عملية تشكيل حكومة انتقالية قائمة اهتمامات المجلس في هذا الاتجاه . بيد أن المسألة تبدو ليست محل إجماع أو توافق داخل المجلس حتى الآن، ليس في مبدأ تشكيل الحكومة أو طبيعتها الانتقالية والتوافقية، وإنما في التفاصيل المتعلقة بها، مثل توقيت إعلانها وما إذا كانت ستضم مختلف الأطياف الثورية والفكرية والجهوية في ليبيا . وكان رئيس المكتب التنفيذي في المجلس الوطني الانتقالي الليبي محمود جبريل قد كشف أن مشاورات تجري بالفعل لتشكيل حكومة وحدة وطنية مؤقتة خلال أيام . بينما أعلن مصطفى عبدالجليل رئيس المجلس أن تشكيل الحكومة سيتأجل حتى القبض على القذافي وحسم مصيره، قبل أن يعود جبريل مجدداً الاثنين الماضي ليؤكد أن الحكومة المزمعة ستعلن خلال عشرة أيام . ويعكس هذا التباين في المواقف أن ثمة تبايناً في المواقف والآراء داخل المجلس حول الأسس التي سيتم وفقاً لها تشكيل تلك الحكومة، والاعتبارات التي سيراعيها المجلس وهو بصدد تشكيل أول حكومة بعد القذافي . ويؤكد ذلك ربط مصطفى عبدالجليل تشكيل الحكومة بتحديد مصير القذافي، ما يشير إلى التوجس من ردود فعل بعض المناطق أو القوى أو القبائل الليبية على الحكومة المفترضة، خاصة في ظل استمرار غياب القذافي وغموض نواياه وتربيطاته العسكرية والسياسية مع بعض القوى والقبائل الليبية . بالتالي فإن القضاء عليه أو اعتقاله سيمنح المجلس قوة إضافية ويؤكد شرعيته، ما سيعطي زخماً وثقلاً أكبر للحكومة المنتظرة .
هواجس وأولويات
تكشف التطورات الجارية في تلك المسارات المتوازية أبعاداً جديدة للثورة الليبية، من شأنها التأثير في مستقبل ليبيا بعد القذافي . حيث تفصح تلك المستجدات عن هواجس وتحديات تفرض نفسها على الثورة الليبية في المرحلة الانتقالية الحالية . يتعلق بعضها بالعلاقات والتفاعلات داخل نسيج الثوار الليبيين والكيانات الممثلة لهم سياسياً وعسكرياً . بينما يتعلق بالبعض الآخر بالتصنيف الفكري والسياسي لمكونات الثورة من قوى وتيارات . في حين توجد هواجس أخرى تتصل بالوضع الميداني على الأرض خاصة لجهة القضاء الكامل على نظام القذافي ليس فقط بمؤسسات وسلطته السياسية، لكن أيضاً بتجلياته العسكرية فضلاً عن شخوصه وارتباطاته الداخلية والخارجية .
الإسلاميون
يأتي الخوف من الإسلاميين على رأس الهواجس المرتبطة بالمرحلة الحالية من الثورة الليبية، وهو هاجس يصيب الأطراف الخارجية بالأساس، بيد أن له مظاهر داخلية أيضاً . خارجياً، هناك خشية واسعة النطاق من سيطرة الإسلاميين على الحكم في ليبيا، وهي خشية قديمة وتسود الأطراف الخارجية المعنية بالأزمة منذ بدايتها، وطالما أبدت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا مخاوفها من بروز الإسلاميين في ليبيا، سواء ممثلين في تنظيمات إسلامية مسلحة مثل تنظيم القاعدة أو الجماعة الإسلامية الليبية، أو في القوى ذات الطابع السياسي مثل جماعة الإخوان المسلمين .
والحاصل أن جماعات إسلامية طالبت المجلس الانتقالي بحصة في الحكومة الجديدة، التي يعكف رئيس المكتب التنفيذي محمود جبريل على تشكيلها . كما برزت التوجهات الإسلامية بوضوح في السلوك السياسي والاجتماعي في عدد من المدن والمناطق الليبية، بما في ذلك العاصمة طرابلس، فقد سيطر الإسلاميون على الإذاعة ووزارة الأوقاف التي تشرف على كل المساجد في طرابلس وخارجها، كما فرضوا سيطرتهم على المنصة الرئيسة في قلب ميدان الشهداء الذي كان يعرف سابقاً باسم الساحة الخضراء . وأصبح كثير من الليبيين في حالة قلق من جراء هذا المد الإسلامي الطاغي على مظاهر الحياة هناك . مع ملاحظة أن القلق السائد ليس من فكرة تصاعد الحس الإسلامي بحد ذاته، وإنما من هيمنة تيار معين خصوصاً الإخوان . ومما يؤكد ذلك أن بعض علماء المسلمين والشيوخ أنفسهم يتحفظون على تلك الهيمنة الإخوانية، ويرفضون احتكار إدارة الأوضاع أو الحديث باسم الدين . وبالفعل عقد عدد من علماء وشيوخ طرابلس اجتماعاً تم خلاله تدشين رابطة علماء طرابلس للوقوف أمام ما اعتبروه سطوة من الإسلاميين ومحاولات للسيطرة على حياة المواطنين في العاصمة الليبية . ولما كان هذا هو موقف رموز إسلامية، فلم يكن مستغرباً أن تصدر مواقف مشابهة من رموز علمانية وليبرالية . مثال ذلك استقالة الصحافي الليبي فتحي بن عيسى من منصبه كمسؤول لشؤون الإعلام والثقافة في المجلس المحلي لطرابلس لرفضه سيطرة وهيمنة الإسلاميين . وتلقى بن عيسى تهديدات بالقتل بسبب مواقفه تلك .
لكن ما ينبغي رصده هنا، أن التوجس من الإسلاميين ونفوذهم في ليبيا الجديدة، ليس وليد اللحظة الراهنة وحسب، كما أنه ليس مقصوراً على القوى الداخلية والمواطنين الليبيين العاديين وحسب، بل هو هاجس خارجي بالأساس، ولا تزال الأطراف الخارجية ترقب طريقة تعامل المجلس الوطني الانتقالي مع الوجود الإسلامي داخله، وكذلك مع النفوذ الإسلامي في القوى الميدانية والجماعات التي تفرض بقوتها القرار في بعض المناطق والمدن الليبية . لذلك فهو تحد أساسي أمام المجلس الوطني الانتقالي في المرحلة القريبة المقبلة، يتجاوز الرغبة في تهدئة الأوضاع داخلياً وتأمين التماسك والوحدة داخل الأطياف الليبية، إذ تمتد أهميته إلى طمأنة الأطراف الخارجية التي بدأت عملياً في التعاطي مع المجلس بصفته سلطة حاكمة، بالتالي عليه مسؤوليات والتزامات على مستوى دولة وليس على مستوى حركة انفصال أو تمرد . الأمر الذي يستلزم تعاملاً حكيماً وواقعياً من جانب المجلس الوطني الانتقالي، بما يوازن بين توازنات القوى الداخلية القائمة فعلياً حالياً، ومقتضيات ومواءمات التعامل الدولي . خصوصاً في مرحلة لا تزال فيها الدولة الليبية تبحث عن مقومات إعادة بنائها وتحتاج إلى حشد كل الموارد واستمرار المواقف المساندة لها، وعدم خسرانها .
انتشار الأسلحة
هناك وجه آخر لسيطرة القوى الإسلامية وهيمنتها على الأوضاع في بعض المناطق الليبية، وهو الوجه العسكري، أو انتشار السلاح بشكل واسع النطاق في جماعات ومجموعات الثوار الممتدة في مختلف أنحاء المدن الليبية . فضلاً عن انتشار كميات كبيرة من الأسلحة التي وجدت في مخازن الأسلحة التابعة للقذافي، بين أيدي جماعات وأفراد بشكل غير منظم . ويفرض هذا الوضع تحدياً بالغ الخطورة على الوضع الراهن في ليبيا . أولاً لأنه يمنح جماعات متفاوتة العدد والتنظيم قوة مسلحة خارج نطاق سيطرة المجلس الوطني الانتقالي . وثانياً لأن بعض تلك الأسلحة قد يجري استخدامها بين تلك الجماعات وبعضها بعضاً، وثالثاً عمليات تهريب الأسلحة واسعة النطاق التي تجري بالفعل منذ ما قبل انهيار نظام القذافي . وهناك شواهد كثيرة في تلك الاتجاهات، فقد وقعت مواجهة مسلحة في جبل نفوسة غرب ليبيا بين مقاتلين من غريان وككلة، وثوار الأصابعة، راح ضحيتها 12 قتيلاً و16 مصاباً . وذلك بعد كمين تعرض له مقاتلون من غريان وككلة على أيدي ثوار الأصابعة . ورغم أن خلفيات قديمة ربما تفسر هذا الموقف، حيث ينتمي ثوار الأصابعة إلى منطقة تدين بالولاء إلى القذافي، إلا أن الشاهد في الواقعة هو خطورة انتشار الأسلحة خارج نطاق سيطرة وإشراف المجلس الوطني الانتقالي كسلطة مركزية .
كما أعلنت أكثر من جماعة مسلحة من الكتائب التي قاتلت ضد القذافي، أنها لن تسلم أسلحتها، بل إن بعضها الذي وفد على طرابلس من خارجها لخوض المعارك الأخيرة ضد القذافي، رفض العودة مجدداً ومغادرة طرابلس، باعتبار أن لهم نصيباً مستحقاً في توزيع المناصب والمؤسسات ومجمل النظام الجديد في ليبيا الجديدة .
وفي النطاق الخارجي، شهدت الحدود الليبية عمليات واسعة ومتكررة لتهريب أسلحة باتجاه مصر وتونس والسودان والنيجر، ما أثار قلقاً كبيراً لدى هذه الدول وكذلك لدى الدول الكبرى المعنية بالأوضاع الإقليمية في المنطقة، الأمر الذي دفع واشنطن إلى إيفاد مسؤولين للتباحث مع تلك الدول في كيفية الحد من تلك الظاهرة . فضلاً عن تحميلها المجلس الوطني الانتقالي الليبي مسؤولية ضبط الحدود والعمل على منع انتشار الأسلحة وتهريبها .
شبح القذافي
الهاجس الأخير الذي يقلق الليبيين وغيرهم حالياً، هو الغموض المحيط بالقذافي، واستمرار بعض المناطق الليبية خارج نطاق سيطرة الثوار . ليس فقط سرت وبني وليد، لكن أيضاً سبها وبعض المناطق الجنوبية التي تعد خارجة تماماً عن نطاق سلطة الثوار، وحال ثبوت وجود القذافي في أي من تلك المناطق أو استعانته بها لمواجهة الثوار والسلطة الجديدة في ليبيا، فإن الوضع سيصبح معقداً . نظراً للطبيعة القبلية التي تميز تلك المناطق، ولخصوصية علاقة القذافي بشيوخ القبائل هناك، فضلاً عن أن حدود ليبيا مع تشاد والنيجر ومالي تمثل حالياً معبراً مفتوحاً لتمرير كميات من الأسلحة من وإلى منطقة جنوب الصحراء الكبرى . بالتالي يمكن للقذافي خصوصاً في ظل علاقاته المتميزة مع بعض دول إفريقيا الحصول على أسلحة ومقاتلين واستئناف القتال ضد السلطة الجديدة في ليبيا، والاستعانة في ذلك بتأييد داخلي وحماية من بعض القبائل الليبية . من هنا فإن الاهتمام بمصير القذافي وملاحقته يعكس إدراك المجلس الوطني الانتقالي، وكذلك الأطراف الخارجية المعنية بالموقف في ليبيا، لتلك الأبعاد الخطرة لاستمرار اختفاء القذافي ورفضه الاستسلام أو حتى اللجوء إلى دولة أخرى والتخلي عن القتال المسلح . لذا من المفهوم أن تشارك أطراف وقوى كثيرة في ملاحقة القذافي وتتبعه، بهدف اعتقاله وتأمين الوضع الجيد في ليبيا من مخاطر محتملة حال عدم التمكن من توقيفه .