الانفعالات العاطفية وتأثيرها الخفي في الصحة

07:39 صباحا
قراءة 5 دقائق
إعداد: خنساء الزبير
نستخدم في أحاديثنا اليومية بعض العبارات التي تصف مجازاً مدى ما نشعر به من ضيق أو غضب أو حزن أو سعادة، فنقول «أشعر بالاختناق» أو«دمي يغلي» أو «ضاقت بي الدنيا» أو «سأطير من الفرح»، وعلى ما يبدو أن تلك التعبيرات المجازية لها دليل فعلي، فقد تبين من الدراسات التي بحثت في مجال تأثر الجسم بالعواطف، وفي مجال علاقة القلب بالدماغ، أن المشاعر والأحداث العاطفية التي يتعرض لها الشخص لا تؤثر فقط في حالته النفسية بل تؤثر كذلك في الجسد سلباً أو إيجاباً بحسب تلك المشاعر، وبطريق مباشر.
مشاعر الإحباط: تؤثر مشاعر الاكتئاب والتشاؤم في الجسم بعدة طرق، حيث ارتبط تدني المزاج بتراجع معدلات «السيروتونين» و«الدوبامين»، وهما من الناقلات العصبية بالدماغ المسؤولة عن السعادة والشعور الجيد (هرمونات السعادة)؛ فالسيروتونين يلعب دوراً مهماً في تنظيم الإحساس بالألم، وربما يكون ذلك هو السبب وراء إحساس كثير من مرضى الاكتئاب بالآلام والأوجاع.
البكاء: يحاول بعض الأشخاص السيطرة على دموعهم ومنع نزولها عند تعرضهم لمواقف تذرف فيها الدموع ربما كدليل على قوة التماسك أو نحو ذلك، ولكن يبدو أن ذلك أمر يضر بالصحة بناء على ما وجدته الدراسة التي قام بها أحد المتخصصين في الكيمياء الحيوية د.ويليام فري، الذي قام بمقارنة بين دموع النساء اللاتي بكين نتيجة عاطفة معينة، وبين دموع النساء اللاتي بكين عند تقطيعهن للبصل، ووجد أن الدموع الناتجة عن العاطفة تحتوي على معدلات عالية من الهرمونات والناقلات العصبية المرتبطة بالتوتر، ويتضح من ذلك أن ذرف الدموع يخلص الجسم من المواد الكيميائية الناتجة عن التوتر، وبالمقابل فإن منع نزول الدموع يجعل الشخص عرضة للقلق، ولضعف جهاز المناعة، وتشوش الذاكرة، وعسر الهضم.
الغيرة: يقول أحد الباحثين إن مشاعر الغيرة خليط من الخوف والتوتر والغضب، وجميعها حالات تجعل الجسم متحفزاً، وعندما يكون الشخص في حالة دائمة من الشعور بالغيرة فهو يكون عرضة لارتفاع ضغط الدم وتسارع ضربات القلب وارتفاع معدلات الأدرنالين(هرمون الغدة الكظرية)، وضعف جهاز المناعة، والقلق.
التسامح: وجدت دراسة نشرت نتائجها بمجلة «الصحة النفسية»، أن الشخص يتعرض في كثير من الأحيان إلى ارتفاع ضغط الدم ليس فقط بسبب الغضب تجاه شخص معين ولكن بسبب تذكره لذلك الشخص وموقفه منه، ففي كل مرة يتذكر فيها ذلك الموقف وذلك الشخص يرتفع ضغط الدم لديه، لذلك تنصح الدراسة الشخص الذي لديه نزاع مع شخص آخر بأن يشغل نفسه بأشياء أخرى حتى لا ينغمر في تلك الحالة طوال الوقت مما يهدد سلامة صحته.
القناعة: تعزز المناعة، وتخفض ضغط الدم، وتسرع من عملية الشفاء لدى المرضى، فعندما قام الباحث رولين مكرتي من معهد «هارت ماث»، بدراسة العلاقة بين المشاعر الإنسانية والصحة الجسدية، وجد أن مشاعر القناعة والرضا تحفز الجسم على إفراز «أوكسيتوسين» وهو مادة يفرزها القلب عند ذلك الشعور وتعمل على وقف التوتر من خلال جعل الجهاز العصبي في حالة من الاسترخاء، كما تتحسن عملية الأكسجة (وصول الأكسجين بكفاءة) إلى داخل الأنسجة بصورة ملحوظة مما يساعد على الشفاء، ولوحظ كذلك أن الشعور بالقناعة والرضا يرتبط بكثير من الأنشطة الكهربية الهرمونية حول كل من القلب والدماغ، وهي الحالة التي يكونان فيها في أفضل كفاءة وظيفية.
المشاكل الزوجية: تتعرض الحياة الزوجية إلى بعض الاضطرابات التي تنتج مشاعر تؤثر في نفسية كلا الزوجين وبالتالي في صحتهما، وفي أحيان أخرى يسود الهدوء والاطمئنان؛ لذلك قام العلماء بالبحث في كل فترة من تلك الفترات ومدى تأثيرها في الزوجين من الناحية الجسدية؛ فوجدت دراسة من جامعة أوهايو أن 30 دقيقة من النقاش الحاد بين الزوجين أخّر عملية الشفاء بمقدار يومين على الأقل، وفي حالة النقاش المستمر وجد أن تلك المدة تتضاعف، والطريقة التي تم بها التوصل إلى تلك النتيجة هي وضع جهاز شفط يعمل على إحداث قروح بذراع كل من الزوجين عندما يتحدثان عن نقاط الخلاف بينهما والتي تثير لديهما مشاعر الغضب، وأخذت تلك القروح وقتاً للشفاء يزيد بنسبة 40% عن الوقت الذي شفيت فيه جروح المجموعة التي كانت في حالة من الهدوء، ويعزي الباحثون ذلك إلى ارتفاع معدلات «السيتوكينات» وهي جزيئات ينتجها جهاز المناعة تهيج الالتهابات بالجسم، حيث وجد أن ارتفاعها يرتبط بالتهاب المفاصل، وداء السكري، وأمراض القلب، وأمراض السرطان؛ أما التعامل الجيد بين الزوجين وذكر كل منهما لحسنات الآخر فقد وجد أنه يحسن الصحة ويخفض معدل الكوليسترول، ووجدت دراسة نشرت نتائجها بمجلة «التواصل الإنساني»، أن كل متطوع قام بذكر الخصال الجيدة لشريك حياته لمدة 20 دقيقة على مدى أسبوع، انخفضت لديهم معدلات الكوليسترول خلال 5 أسابيع فقط؛ من ناحية أخرى يطمئن العلماء أن بعض النقاش العابر الذي يطرأ بين الزوجين لا يشكل خطورة على الصحة، فقد وجدت دراسة من جامعة ستانفورد، أن قليلاً من التعرض للحظات التوتر العابر يعزز جهاز المناعة ويزيد من معدلات الجزيئات المحاربة لأمراض السرطان، وهي حالة تستمر لمدة أسابيع بعد التعرض لتلك النوبة من التوتر، وهذا أمر جيد لأن الحياة الزوجية لا تخلو من تلك اللحظات المتوترة.
الضحك: يطول الحديث عن تأثير الضحك في الجسد؛ لأنه يحمل عدة أوجه تختلف باختلاف ذلك التأثير، ففي إحدى الدراسات التي قام فيها علماء من جامعة لوما ليندا بكاليفورنيا بالبحث في مدى تأثير الضحك في الجسم، وجد أنه يؤدي إلى ارتفاع «أندورفين بيتا» - المعزز للمزاج- بنسبة 27%، وهو نوع من الأندورفين تفرزه الغدة النخامية ويعتبر أقوى مانع للإحساس بالألم؛ فيما وجد أن معدل هرمون النمو قد ارتفع بنسبة 87%، وهو الهرمون الذي يساعد على عمليتي النوم والإصلاح الخليوي؛ وفي دراسة منفصلة وجد أن مجرد التوقع للضحك أدى إلى تراجع معدلات هرموني التوتر «الكورتيزول» و«الأدرنالين»، ووجد أطباء القلب من جامعة ماريلاند، أن الضحك يقلل من التعرض إلى النوبات القلبية من خلال كبحه لمشاعر التوتر؛ وعلى النقيض من ذلك حذرت دراسة نشرت نتائجها بالمجلة الأوروبية لأمراض القلب، أن اللحظات السعيدة أيضاً لها آثار سلبية في بعض الأحيان وهي تعريض القلب لحالة تعرف بـ«متلازمة تاكوتسبو» أو متلازمة القلب المتحطم أو المنفطر، وهي ضعف مؤقت ومفاجئ لعضلات القلب يؤدي إلى انتفاخ أسفل البطين الأيسر بالقلب فيما يبقى عنقه ضيقاً في حالة تشبه مصيدة للأخطبوط على الطراز الياباني ومن هنا جاءت التسمية الأولى، وأول حالة تم تعرفها عام 1990، وهي حالة تنتج عن التعرض للاضطراب العاطفي مثل الحزن أو الغضب أو الفرح، يشعر معها الشخص بألم في الصدر وانقطاع التنفس وتؤدي في بعض الأحيان إلى حدوث أزمة قلبية وربما الوفاة، وتم تصنيف إحداها على أنها «متلازمة القلب السعيد»، وهي تعقب تعرض الشخص لموقف فرح وسعادة، وعندما قام الباحثون بإجراء المزيد من البحث عن طريق تحليل بيانات 1750 مريضاً من 9 دول مختلفة، تبين أن 485 منهم تعرضوا لمشاعر عاطفية قوية منها 20 حالة من متلازمة القلب المتحطم نتيجة لحظات سعيدة مثل عيد ميلاد، أو زواج، أو وداع مفاجئ، أو انتصار فريق مفضل في أحد الألعاب، أو مولد حفيد، فيما تعرض لتلك الحالة 465(96%) منهم بعد حدث حزين مثل وفاة شخص عزيز (شريك الحياة - أحد الوالدين - أحد الأبناء)، أو عند حضور مأتم، أو عند التعرض لحادث سيارة، أو القلق بسبب مرض أو بسبب توتر علاقة اجتماعية؛ وشكلت النساء نسبة 95% من مجموع المرضى الذين كان متوسط أعمارهم 65 لمتلازمة القلب المتحطم، و71% لمتلازمة القلب السعيد؛ وتبين بعد مزيد من البحث أن متلازمة القلب السعيد تختلف عن متلازمة القلب المتحطم في أن الانتفاخ يحدث بمنتصف البطين وليس أسفله.
ومن هنا يتبين أن التوسط والاعتدال مطلوبان في الضحك لتجنب الآثار الناتجة عنه فهو تعبير عاطفي جيد ولكنه يحدث تغييرات بالجسم ربما بعضها يكون سيئاً كما تبين من الدراسة الأخيرة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"