آن كروجر *
يُعد النمو المتسارع لتدفقات رأس المال الدولية، والذي هو في الأغلب شكل من أشكال الديون، أحد النجاحات الإنمائية العظيمة للخمسين سنة الماضية، وله دور محوري واضح في عمل الاقتصادات النامية اليوم.
لكن القروض الأجنبية في المقابل هي سلاح ذو حدين، فحين تستخدم بحكمة، ينتج عنها عوائد عالية، ونمو معزز للناتج المحلي الإجمالي، ورفاهية محسنة داخل البلدان المقترضة، لكن إذا تراكمت تلك القروض وازدادت أعباء مدفوعات الفائدة عليها، من دون زيادة متناسبة في القدرة على السداد، فالعواقب قد لا تكون وخيمة فحسب؛ بل كارثية أيضاً.
وخلال جائحة كورونا على سبيل المثال، واجهت العديد من البلدان زيادة كبيرة في متطلباتها المالية، مدفوعة بارتفاع نفقات الصحة العامة، وانخفاض الإيرادات؛ بسبب تراجع النشاط الاقتصادي. واقتربت البلدان المثقلة بالديون من حافة العجز عن السداد، وحتى تلك التي كانت تتمتع بتمويل عام مستدام سابقاً شهدت ارتفاعاً خطراً في أعباء ديونها.
وبينما اتخذت حكومات عديدة خطوات جادة لخفض مستويات ديونها المرتفعة، وأدخلت حزماً من الإصلاحات لتجنب الأزمات المحتملة، أثقلت تكاليف خدمة الديون المرتفعة كاهل بعض البلدان إلى الحد الذي يجعل التعديلات الحقيقية غير مجدية سياسياً ولا اقتصادياً.
وفي ظل هذه الظروف، يبيع الدائنون المتشككون من القطاع الخاص السندات السيادية لهذه البلدان بأسعار مخفضة، ويرفضون تقديم المزيد من قروض الائتمان. وبمجرد أن يحدث هذا وتتخلف الحكومات عن الوفاء بالتزاماتها، تجد نفسها محرومة من أسواق رأس المال، وتدخل في أزمة اقتصادية مستمرة إلى أن تتمكن من إعادة هيكلة ديونها، وتنفيذ إصلاحات في السياسات الأوسع، ومن ثم استعادة الثقة في جدارتها الائتمانية.
وأيضاً، عندما تفشل شركة خاصة في الوفاء بمديونيتها، تحدد إجراءات الإفلاس حجم الالتزامات الواجب تخفيضها، مع تخصيص الأصول المتبقية للشركة. لكن في المقابل، لا توجد آلية قانونية معترف بها عالمياً لإعادة هيكلة الديون السيادية. وعلى هذا فإن أي حل يتوقف على اتفاق طوعي بين الحكومات المدينة ودائنيها.
وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، عندما وجدت العشرات من الاقتصادات المنخفضة والمتوسطة الدخل نفسها تتجه نحو التخلف عن السداد، كانت هناك دعوات متزايدة للإعفاء من الديون. فعلى سبيل المثال، اقترح الرئيس الكيني ويليام روتو مؤخراً منح البلدان الإفريقية «فترة سماح» مدتها عشر سنوات على أقساط الفائدة. وفي حديثه في قمة المناخ الإفريقية الأخيرة، اقترح روتو أن تعيد البلدان النامية توجيه الأموال المخصصة لخدمة الديون نحو الاستثمارات في قطاع الطاقة المتجددة. ولكن هذا الاقتراح وغيره من المقترحات المتعلقة بالإعفاء الشامل من الديون أو تأجيل سدادها لا يلقى حتى اليوم أذاناً صاغية، ناهيك عن أن ديون بعض البلدان غير مستدامة بطبيعتها. وحتى لو تم إعفاء هذه الحكومات من ديونها فجأة، فإنها سوف تفتقر إلى الموارد اللازمة لتمويل المبادرات البيئية الكبرى. علاوة على ذلك، في ظل غياب خطة إعادة هيكلة متفق عليها وإمكانية الوصول إلى موارد إضافية، فإن سلسلة التوريد الأساسية اللازمة لعمليات الإنتاج والاستهلاك ستكون مقيدة بشدة، ما يحد من استغلال القدرات الكامنة بالشكل الأمثل، والسير في نهاية المطاف نحو ركود اقتصادي.
تاريخياً، تعد مفاوضات إعادة هيكلة الديون عملية مخصصة وذات نفس طويل. وبهذا الصدد، يتعاون صندوق النقد الدولي مع الحكومات المدينة لتقييم التغييرات الضرورية في السياسات المحلية وتعديلات الديون. ومن جهة أخرى، يتعين على الدائنين السياديين، ومن خلال «نادي باريس»؛ وهو مجموعة من الدول الدائنة الكبرى، أن يتشاوروا مع مقرضي القطاع الخاص ويتخذوا القرار بشأن استراتيجية إعادة الهيكلة المناسبة.
ولكن مشهد الديون اليوم يطرح تحديات أعظم. ومن أجل التوصل إلى اتفاق إعادة الهيكلة، يجب أن يخضع جميع المقرضين لنفس الشروط العادلة، وإلا فإن بعضهم سوف ينعم بالسداد الكامل في حين يتحمل آخرون عبء عمليات الشطب الكبيرة، ومن المؤكد أنهم لن يوافقوا على ذلك.
وهنا لا بد من ذكر الصين كدائن رئيسي على مدى العقدين الماضيين، والتي رفضت الانضمام إلى نادي باريس. وبدلاً من ذلك، تصر الحكومة الصينية على أن يتم سداد مديونياتها بالكامل من دون أي شطب، ما يفاقم الصعوبات التي تواجهها البلدان النامية في خدمة ديونها، ويؤخر عمليات إعادة الهيكلة. ونتيجة لذلك، تحملت دول مثل سريلانكا وزامبيا تأخيرات غير ضرورية في حل أزمات ديونها، على الرغم من التوصل إلى اتفاقيات مع صندوق النقد الدولي بشأن الإصلاحات السياسية الأساسية.
تؤكد الاضطرابات الاقتصادية المستمرة في العالم النامي على الحاجة الملحة إلى إنشاء إطار جديد لإعادة هيكلة الديون. وتشير تقديرات البنك الدولي مؤخراً إلى أن 60% أو أكثر من البلدان المنخفضة الدخل مثقلة بالديون ومعرضة بشدة لخطر العجز عن سدادها.
بالتالي، إذا فشلت هذه البلدان في الوفاء بالتزاماتها، ولم يتم تبسيط عملية إعادة الهيكلة أو تسريعها، فسوف يحجم الدائنون الدوليون عن تمويل بلدان أخرى، وهو ما قد يفاقم أزمة الديون العالمية. وسيكون لمثل هذا السيناريو عواقب مدمرة على الاقتصادات المنخفضة والمتوسطة.
* كبيرة الاقتصاديين السابقة بالبنك الدولي ونائب العضو المنتدب سابقاً في صندوق النقد، وأستاذة الاقتصاد الدولي في كلية الدراسات المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز
آن كروغر*
قدم قانون «الرقائق الإلكترونية والعلوم 2022» الأمريكي إعانات كبيرة للاستثمارات في مرافق تصنيع أشباه الموصلات المحلية، وذلك على اعتبار أن الرقائق ضرورية لاقتصاد الولايات المتحدة والأمن القومي على حد سواء. لكن بينما لا يجادل أحد في أهمية هذه الرقائق (التي تُستخدم في كل شيء تقريباً من صواريخ كروز إلى الثلاجات)، هناك تساؤلات جدية حول ما إذا كان دعم مثل هذه الاستثمارات هو الطريقة المُثلى لتأمين إمدادات موثوقة.
في الواقع، من المحتمل أن تتدهور القدرة التنافسية للولايات المتحدة في صناعة الرقائق بشكل أكبر بسبب القانون. ففي كثير من الأحيان، تسهم مثل هذه التدخلات الحكومية في دعم الخاسرين والمنتجين غير الأكفاء، ما يؤدي إلى الاحتكار وتوجيه القوة السوقية، كما يتم ردع الشركات الجديدة (غير المدعومة) من الانخراط. علاوة على ذلك، في حالة الرقائق، تراجعت الصناعة مع تسريح العمال، وإلغاء أو تأجيل خطط التوسع، وعلامات أخرى على التباطؤ.
وفي ردها على الإعانات الأمريكية الجديدة، أعلنت كوريا الجنوبية مؤخراً عن خطط لدعم استثمار بقيمة 228 مليار دولار من شركة «سامسونغ» التي تعتزم بناء أكبر مجمع لأشباه الموصلات المتقدمة في العالم. وتبنى الاتحاد الأوروبي أيضاً اقتراحاً بتفعيل «قانون الرقائق الأوروبية» بقيمة 43 مليار يورو. وبدأت دول أخرى بطرح أشكال مماثلة من الدعم لصناعاتها الخاصة. ونتيجة لذلك، قد ينتهي الأمر بدافعي الضرائب في الولايات المتحدة إلى تمويل «تخمة رقائق» لا جدوى منها.
وبما أن صناعة أشباه الموصلات اليوم مترابطة عالمياً لدرجة أنه لا يمكن الإنتاج تقريباً بدون آلات ومواد من مصادر دولية متعددة، فتحقيق الاكتفاء الذاتي سيكون مكلفاً للغاية حتى لو كان ممكناً، وهو على الأرجح ليس كذلك.
لطالما كانت الولايات المتحدة رائدة عالمياً في أبحاث وتطوير وتصنيع الرقائق المتقدمة ومعداتها اللازمة، ولسنوات خلت، مثلت أمريكا أكبر حصة في العالم من الإنتاج. ولكن مع مرور الوقت، فقدت حصتها في السوق لصالح شركات في أوروبا وآسيا، حيث تقدر تكاليف الإنتاج بأنها أقل بنسبة 40%. مما دفع «إنتل»، وهي من أوائل الشركات في القطاع، بأن تعلن صراحة عدم قدرتها على المنافسة بدون دعم حقيقي.
ولزيادة الطين بلة، أعلن المنظمون الأمريكيون أيضاً عن معايير قبول قاسية للشركات التي تتقدم بطلب للحصول على الإعانات الحكومية. فمن بين أمور أخرى، يُتوقع من الشركات، أو يتم حثّها على توفير رعاية الأطفال لموظفيها، والامتناع عن إعادة شراء الأسهم، وتقديم توقعات للأرباح المستقبلية حتى تتمكن الحكومة من التخلص من أي هوامش زائدة.
كل هذه الإجراءات غير حكيمة. فمطالبة الشركات بدفع تكاليف رعاية الأطفال للموظفين لا يمكن أن تنجح في خفض تكاليف إنتاج الرقائق، ما يلغي الغرض الحقيقي من الإعانة نفسها. كما أنه ليس من المنطقي تطبيق ذلك على صناعة تتعرض قدرتها التنافسية بالفعل لتحديات كبيرة. فبقدر ما تكون مزايا رعاية الأطفال جذابة للعمال، يمكن للشركات أن توفرها بدلاً من الأجر الأعلى، أو يمكن للكونغرس أن يُشرعها بالقانون لجميع الأسر العاملة، كما هي الحال بالفعل مع الرعاية الصحية.
كما أن شرط الامتناع عن إعادة شراء الأسهم معيب أيضاً ومصدر آخر لعدم الكفاءة. فوفقاً لوزيرة التجارة الأمريكية جينا رايموندو، يحق للمسجلين في قوائم الدعم الحكومي وفقاً لقانون «الرقائق الإلكترونية والعلوم 2022» الحصول على معاملة تفضيلية إذا التزموا بعدم الانخراط في عمليات إعادة الشراء لمدة خمس سنوات.
من الفوائد المجتمعية العظيمة للهيكل المؤسساتي الحديث لإعادة شراء الأسهم أنه يُمكّن المستثمرين من تحويل الأموال من المؤسسات الضعيفة إلى الشركات ذات الآفاق الأفضل. وهكذا أصبحت عمليات إعادة شراء الأسهم آلية يمكن للمستثمرين من خلالها جني مكاسبهم والاستثمار في أعمال أخرى دون تكبد ضرائب مزدوجة. لذا، فإن أي تثبيط لعمليات إعادة الشراء سيحث الشركات على إعادة استثمار أرباحها حتى لو كانت توقعات ذلك غير واعدة. وإذا كان الهدف هو تعزيز القدرة التنافسية الأمريكية، فلا ينبغي أن تكون هناك عقبات إضافية لتخصيص الاستثمارات نحو الأمور ذات المصلحة المشتركة للبلاد.
ومن المحتمل أن يكون لفرض الضرائب على الأرباح «الزائدة» آثار ضارة أيضاً. ففي الصناعات التي تركز على التكنولوجيا، غالباً ما تحتفظ الشركات بمحفظة متنوعة من الاستثمارات المحفوفة بالمخاطر، بعضها ينجح والآخر يفشل أو يعاني. ولمواجهة ضريبة النجاح، ربما تقرر شركات الرقائق إما نقل موقع أبحاثها إلى الخارج أو تقليل حجم مخاطر البحث والتطوير الخاص بها.
سيتعين على الشركات التي تستفيد من الإعانات بالتأكيد تقديم تقارير مكثفة عن عملياتها إلى حكومة الولايات المتحدة، والتي بدورها ستحتاج إلى مراقبة المستفيدين وتحديد من سيقدم القروض أو المنح في المقام الأول. وسيؤدي كلا النشاطين إلى زيادة التكاليف على دافعي الضرائب.
وعليه أرى ضرورة إلغاء كل هذه الأحكام التنظيمية غير الضرورية، وإدخال نظام إنتاج وتداول الرقائق بين الحلفاء كطريقة أفضل بكثير لضمان إمدادات موثوقة، وكذلك تمويل برامج تدريب العاملين في القطاع. وإذا كان الهدف هو تأمين الإمداد بمدخلات مهمة، فإن آخر شيء تحتاج إليه الصناعة هو العبء الإضافي لتكاليف رعاية الأطفال، والقيود المفروضة على المدفوعات للمساهمين، والضرائب المفرطة.
*كبيرة الاقتصاديين السابقة بالبنك الدولي، ونائب العضو المنتدب سابقاً لصندوق النقد الدولي، وأستاذة الأبحاث الاقتصادية في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز (بروجيكت سيندكيت)
آن كروجر*
الحنكة التي أظهرتها الولايات المتحدة أثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها مشهود لها. حيث كانت أمريكا آنذاك القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية البارزة في العالم.
وفي ظل النظام الدولي الجديد، بعد الحرب كان من المقرر أن يتم تمويل إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية من خلال البنك الدولي، كما كان مقرراً أيضاً أن يرتكز نظام التجارة الدولية على سيادة القانون، من خلال الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة، المعروفة اليوم باسم «منظمة التجارة العالمية». وتم تكليف صندوق النقد الدولي بمنصب الضامن للاستقرار المالي العالمي.
وبفضل الأسواق المفتوحة ونظام التجارة العالمي، نجحت الكثير من البلدان في تحسين مستويات معيشة شعوبها بشكل كبير. وفي الوقت نفسه، حققت معظم الاقتصادات المتقدمة تحسينات ملحوظة فيما يتعلق بالصحة ومتوسط العمر المتوقع والتعليم والحد من الفقر.
كل هذه الإنجازات كانت نتيجة «التعددية».
بعد 70 عاماً من السلام النسبي والازدهار المتزايد رفضت إدارة ترامب مبدأ التعددية، وبناءً عليه، انسحبت من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ، وشنت حرباً تجارية على الصين، وفرضت، من جانب واحد، تعريفات عالية على وارداتها، في انتهاك لقواعد منظمة التجارة العالمية. الأمر الذي أدى إلى إضعاف المنظمة أكثر، وإعاقة عمل هيئة تسوية المنازعات التابعة لها، وإدخال تدابير حمائية إضافية على أسس مشكوك فيها تتعلق بالأمن القومي.
قبل عامين، أمل العديد من المراقبين، بل واعتقدوا، أن إدارة الرئيس جو بايدن ستعكس سياسات ترامب الانعزالية والحمائية وتتخذ موقفاً أكثر عولمة. لكن لسوء الحظ، واصلت الإدارة النهج السابق ذاته. ولم يقتصر الأمر فقط على إبقاء معظم التعريفات الجمركية التي فرضها ترامب على الصين سارية المفعول، بل أدخلت الولايات المتحدة سياسة صناعية شاملة لدعم صناعات محلية محددة لتمييزها عن بقية العالم.
وبينما كثفت الأزمة في أوكرانيا الحاجة إلى سياسة تعددية شاملة، عززت جهود بايدن لحماية الاقتصاد الأمريكي من المنافسة الأجنبية. ومن الواضح أن هذين الدافعين متعارضان بشكل صارخ. فالولايات المتحدة بحاجة إلى شركائها وحلفائها، وخاصة الأوروبيين، لضمان فاعلية دعمها لأوكرانيا والعقوبات المفروضة على روسيا. ومع ذلك، ومن خلال سعيها لتحقيق الاكتفاء الذاتي الاقتصادي، فإن واشنطن تنأى بنفسها عن صادرات هذه البلدان. من بين أمور أخرى، حصلت إدارة بايدن على موافقة الكونغرس لتمويل مشتريات الإنتاج والاستهلاك لأشباه الموصلات والبطاريات والمركبات الكهربائية وغير ذلك الكثير في الولايات المتحدة. وأصبح بإمكان المستهلكين الأمريكيين الحصول على ائتمان ضريبي بقيمة 7500 دولار لشراء سيارة كهربائية، بشرط أن تكون أمريكية الصنع، كما دعمت الحكومة الفيدرالية جهود إنتاج بطاريات السيارات الكهربائية الجديدة بما يصل إلى 7 مليارات دولار. وبالمثل، خصصت 39 ملياراً أخرى لبناء منشآت جديدة لأشباه الموصلات على الأراضي الأمريكية.
ونظراً لأن هذه الإعانات ستمنح المنتجين هناك ميزة في التكلفة على نظرائهم الأجانب، فإن إدارة بايدن تعيد بذلك إنتاج السياسات الحمائية التي طالما اشتكت منها الولايات المتحدة عندما تبنتها دول أخرى. لذلك، من الطبيعي أن ينظر حلفاء أمريكا وشركاؤها التجاريون على حد سواء إلى هذه التحركات على أنها معادية لمصالحهم الخاصة وقواعد منظمة التجارة العالمية. والمعطيات الحالية تقول إن واشنطن تخاطر بافتعال حرب تجارية جديدة.
بالطبع، يجب ضمان إمدادات بعض المنتجات بشكل معقول، مثلما يجب حجب بعضها الآخر ذي التقنيات الحساسة والأهمية العسكرية عن جغرافيا معينة، لضمان عدم وقوعها في الأيدي الخطأ. ولن يتم ذلك إلا من خلال التنسيق مع الدول الصديقة وفتح قنوات التعددية. صحيح أنه في حالة أشباه الموصلات من المستبعد جداً أن يتمكن أي بلد من تحقيق الاكتفاء الذاتي دون تكبد تكاليف باهظة، لكن في العديد من القضايا الأخرى، بما في ذلك البيئة والصحة العامة، تظل تعددية الأطراف أمراً ضرورياً لتحقيق الأهداف العالمية المشتركة.
لا تزال القواعد المتعددة الأطراف القائمة على مبدأ التجارة الحرة تمثل أفضل نهج لإدارة التدفقات الدولية لمعظم السلع. وحتى عندما تحول مخاوف الأمن القومي الحقيقية دون اتباع نهج عالمي، فإن الأحادية ليست هي الحل. وستكون السياسات التعددية في نهاية المطاف الأكثر نجاحاً والأقل تكلفة، سواء في الحفاظ على الدعم الدبلوماسي من الحلفاء أو في تعزيز الأهداف الاقتصادية للولايات المتحدة.
* كبيرة الاقتصاديين السابقة بالبنك الدولي، ونائب العضو المنتدب سابقاً في صندوق النقد، وأستاذة الأبحاث الاقتصادية في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز
* بروجيكت سيندكيت
آن كروجر*
تُعد صناعة أشباه الموصلات الأمريكية الرائدة عالمياً شهادة على المزايا التي يتمتع بها اقتصاد السوق التنافسي على الاقتصاد الموجّه مثل الصين. لكن الآن وبعد انخراطها في أعمال تفضيل بعض المنتجين على غيرهم، فإن الولايات المتحدة تعمل على إضعاف أداء الصناعة بشكل مزمن.
أصبحت الرقائق الإلكترونية، إحدى أهم ابتكارات القرن الماضي، من المدخلات الحاسمة اليوم في الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر الشخصية والتقنيات التعليمية والمركبات والآلات الثقيلة والأدوات الطبية والمعدات العسكرية وغير ذلك الكثير. ومنذ البداية، خضع القطاع لتطورات سريعة، ومنها تقلص في الحجم وزيادةٌ في الأداء.
وفي عام 1965، لاحظ جوردن إي.مور، أحد مؤسسي شركة «إنتل»، أن عدد الترانزستورات الموجودة على شريحة الكمبيوتر يتضاعف كل عام، حتى مع استمرار انخفاض تكاليفها. وما أصبح يُعرف باسم «قانون مور» يبقى صحيحاً تقريباً اليوم، لأن آليات البحث والتطوير تستمر في رفد هذه التكنولوجيا المهمة بمعدل سريع.
أتاحت التطورات التي حققتها الشركات الأمريكية مزيداً من الاستخدامات وتخفيضات أكبر في التكلفة، ما جعل الولايات المتحدة رائدة عالمياً في ابتكار وتطوير الرقائق. وبينما تركز بعض الشركات على البحث والتصميم، تتخصص أخرى في تصنيع أشباه الموصلات، ولا يزال البعض الآخر يفعل كلا الأمرين. في غضون ذلك، وخلال الأشهر الأولى من جائحة فيروس كورونا، تسببت الاضطرابات في سلاسل التوريد العالمية في نقص بأشباه الموصلات، ما أجبر مصانع السيارات وغيرها من القطاعات المختلفة على إبطاء الإنتاج أو إيقافه في بعض الأحيان. ورد صُنّاع السياسات في العديد من الاقتصادات المتقدمة بحزمة تدابير وقائية لزيادة القدرة الإنتاجية المحلية. وفي الولايات المتحدة، مربط الفرس، تُوج هذا العمل بقانون «الرقائق الإلكترونية والعلوم» لعام 2022 الذي أقره الكونجرس ووقعه الرئيس جو بايدن ليصبح نافذاً في التاسع من أغسطس/آب.
يسمح التشريع الجديد للحكومة الفيدرالية بإنفاق 52 مليار دولار لتمويل بناء مصانع جديدة لأشباه الموصلات في الولايات المتحدة. وسيتم تخصيص الأموال وفقاً للمعايير التي حددتها وزارة التجارة، لكن في المقابل، يمنع القانون متلقي الأموال الفيدرالية من زيادة إنتاجهم من الرقائق المتقدمة في الصين للسنوات العشر المقبلة.
ووفقاً لويل هانت من مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة بجامعة جورج تاون الأمريكية، من المتوقع الآن أن تنسق الولايات المتحدة مع البلدان الرئيسية الأخرى المصنعة للرقائق لتجنب المنافسة المحتدمة، ولكن يبقى أن نعرف كيف سيطبق هذا الأمر. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي وكوريا الجنوبية واليابان وسنغافورة والصين يخصصون بالفعل موارد لدعم تصنيع أشباه الموصلات المحلية. حيث ضخت الحكومة الصينية نحو 100 مليار دولار أو أكثر من الإعانات والدعم لصناعة أشباه الموصلات، ما أدى إلى تأسيس حوالي 15700 شركة جديدة ذات صلة في الأشهر الخمسة الأولى من عام 2021.
علاوة على ذلك، وضعت «إنتل»، إحدى أكبر الشركات العالمية المتخصصة في الرقائق ومعالجات الحواسيب، حجر الأساس لأحد مصانعها في ولاية أوهايو، ووعدت بزيادة استثمارها البالغ 20 مليار دولار في الولاية بحدة إذا تلقت دعماً كبيراً بما يكفي لمساعدتها على التنافس مع الموردين الأقل تكلفة في أماكن أخرى.
فكيف ستتنبأ الحكومة باتجاهات الصناعة وتخصص الموارد بشكل فعال؟
تعتبر التسهيلات اللازمة لإنتاج أحدث تقنيات أشباه الموصلات باهظة الثمن بشكل غير عادي، لذلك كانت الصناعة على مدار التاريخ حذرة إلى حد ما بشأن توسيع الإنتاج، وهذا هو السبب في وجود تقلبات واسعة بين النقص والتخمة. والأهم من ذلك، أن بناء مرافق التصنيع الأولية في أوهايو (المعروفة باسم المسابك) يستغرق 4 إلى 5 سنوات، وهو نفس الوقت الذي يستغرقه تطوير الجيل التالي من رقائق الكمبيوتر.
لكن السيئ في الأمر هو ازدياد الأدلة على انخفاض الطلب على الرقائق، حيث تتوقع شركة«Gartner» الاستشارية أن شحنات أجهزة الكمبيوتر العالمية ستنخفض بنسبة 9.5% هذا العام. وعليه اتخذت المزيد من البلدان خطوات استباقية لزيادة السعة، وهي بذلك تمهد الطريق لوفرة مكثفة في السنوات المقبلة. ومع ذلك، ولأنهم وضعوا الاكتفاء الذاتي أولاً، ستكون التكاليف أعلى، وستكون نفقات البحث والتطوير أقل مما كان عليه الحال لو سُمح للأسواق بالعمل دون إعانات.
تخطط «تايوان لصناعة أشباه الموصلات» TSMC، الشركة التايوانية التي تقود العالم في إنتاج الرقائق الأكثر تقدماً، وشركة «سامسونج» الكورية لافتتاح مرافق إنتاج في الولايات المتحدة، ولكن يبقى أن نرى ما إذا كانت وزارة التجارة ستعتبرهما مؤهلتين للحصول على الأموال بموجب قانون الرقائق الجديد. ومهما حدث، فإن أولئك الذين لا يتلقون إعانات استثمارية في الولايات المتحدة والدول الأخرى سيكونون في وضع غير مؤات عند التنافس مع الشركات المدعومة. وهذا من شأنه أن يثبط الداخلين الجدد.
يتعارض قانون الرقائق الإلكترونية والعلوم لعام 2022 مع السياسة الأمريكية السابقة الداعمة لنظام التجارة المفتوح متعدد الأطراف، كما أنه يستنسخ بالضبط نوع السياسة التي تتهم الولايات المتحدة الصين باتباعها. ولا يمكن أن يكون هناك سوق حر تنافسي لأشباه الموصلات بمجرد أن يتم دعم مصانع بعض الشركات بشكل كبير على حساب الأخرى. فالمنافسة هي التي جعلت الاقتصاد الأمريكي منتجاً للغاية، وعززت البحث والتطوير في العديد من المجالات، بما في ذلك أشباه الموصلات.
في حين أن هناك مخاوف مشروعة تتعلق بالأمن القومي بشأن إمدادات أشباه الموصلات المستقبلية، لا يعرف المخططون الحكوميون المصانع التي سيتم بناؤها الآن من أجل إنتاج أنواع الرقائق عالية الجودة التي ستكون مطلوبة بعد بضع سنوات. وبالنسبة للرقائق المنتجة حالياً، سيكون من الأرخص ببساطة الاحتفاظ بمخزون (خاصة بعد أن بدأت تلوح في الأفق تخمة العرض قصيرة الأجل).
صحيح أن اقتصادات السوق التنافسية تؤدي بشكل أفضل بكثير من الاقتصادات الموجهة مركزياً، وهذا ينطبق بشكل خاص على صناعة جديدة نسبياً تطورها التكنولوجي المستقبلي غير مؤكد، لكن من المستغرب أن تختار إدارة بايدن (إلى جانب الأغلبية من الحزبين) الرد على سياسة الصين، غير الفعالة من وجهة نظرهم، بتبني سياسة شبيهة.
*كبيرة الاقتصاديين السابقة بالبنك الدولي، ونائب العضو المنتدب سابقاً في صندوق النقد الدولي، وأستاذة الأبحاث الاقتصادية في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنزعن (بروجيكت سيندكيت)