صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
آندي موخيرجي
كاتب عمود في «بلومبيرج»
أحدث مقالات آندي موخيرجي
3 يناير 2021
رأسمالية عصر الرقميات

آندي موخيرجي *

تعرضت الاقتصادات العالمية على مر العصور لهزات عنيفة بدءاً من انهيار أسعار الأسهم والفائدة الصفرية، مروراً بالأوبئة والكوارث، وقد لا تكون هذه المرة مختلفة، وسوف تدفع الحكومات إلى تقاسم جزء من الكعكة مع شعوبها، وإعادة تشكيل النظام الرأسمالي، من خلال تخصيص حصة من المنتج الأساسي «البيانات»، في صفقة عدوانية مجحفة.

 ومن المنتظر أن تصبح أرباح البيانات العالمية ناتجاً محلياً مختلفاً تماماً عن الناتج المحلي الإجمالي. فالحجج التي تتذرع بها شركات التقنية حول محاصصة أرباح البيانات مع المستخدمين تبدو منطقية. وقد يصبح لدينا دخل أساسي عالمي أفضل –مفهوم ثوري للدخل ربما آن أوانه- خاص بعالم ما بعد «كوفيد-19».

 فقد أظهرت تجربة فنلندية تمت دراستها على نطاق واسع أن الإعانة المقدمة من الدولة يمكن أن تحسن رفاهية المواطنين. ومع ذلك، فإن مجموعة صغيرة فقط من البلدان المتقدمة سيكون لديها فرصة للاستمرار في منح دعم حقيقي، بشرط موافقة دافعي الضرائب. لكن معظم الدول النامية ستتردد في تنفيذ مثل هذه السياسة؛ بسبب تكاليفها المرتفعة، ما يعني تفاقم الفجوة بين الشمال والجنوب.

 هذا هو المجال الذي يمكن لنسبة 63% من سكان العالم المشتركين بالإنترنت، الاستفادة ممّا يجنيه عمالقة التقنية في العالم، والتي بلغت عائداتها مجتمعة 1.3 تريليون دولار العام الماضي. لكن الشركات لا تزال تتفنن في تهريب أموالها إلى الملاذات الضريبية الآمنة.

 وتعترض كاتريبنا بستور، أستاذة القانون في جامعة كاليفورنيا، في بحث حول تقاسم الأرباح، على منح المستخدمين حفنة منها كل حسب كم بياناته الأولية. هذه البيانات على قلتها هي التي تمنح عمالقة التقنية القدرة على تحليل مليارات البيانات، وتستخلص رؤى حول سلوكنا، وتشارك تلك المعلومات الاستخباراتية لتحقيق الربح مع مزودي السلع والخدمات، الذين يستخدمون المعرفة بعد ذلك للتأثير على اختياراتنا كمستهلكين وتحقيق مكاسب أخرى.

 وبدلاً من أن نكون شركاء في سوق حرة، فإن لعبة القوة هذه تجعلنا ضحايا مرتين؛ إذ لا يمكن لأي قانون خصوصية أو لوائح مكافحة الاحتكار تحسين وضعنا التفاوضي. نحن بحاجة إلى ملكية جزئية ليس للبيانات، ولكن لقواعد البيانات. بعبارة أخرى، إذا كانت التكنولوجيا قد جعلت مصيرنا «محكوماً بالبيانات»، فيجب أن يكون لدينا حقوق في صندوق إيداع البيانات.

وينبغي أن يركز الجدل على فضح كذبة شائعة. فبصماتنا المعلوماتية ليست نفطاً أو أي شيء يشبه سلعة أو أصلًا عادياً. بالإضافة إلى طلب الحماية من القرصنة، لم تعتمد صناعة التكنولوجيا على الحماية القانونية لتأكيد حقوق الملكية الخاصة بها. لقد استحوذت على البيانات بكل بساطة وكأنها «شيء غير موجود»، أو حيوانات برية، و حققت أرباحاً فلكية. لقد حان الوقت لإنهاء الغموض حول الملكية، وإعطاء البيانات صفة الملكية العمومية، أو ملكية المجتمع.

 لكن المؤكد حتى هذه اللحظة أن حكومات العالم لم تفكر في هذا الأمر حتى الآن. والتغيير الذي طرأ على سطوة شركات التكنولوجيا الكبرى يثير القلق. وسوف يتغير شعور الناس بالملكية في المجتمع إذا حاولت السلطات السياسية حل ما يراه عالم الاجتماع كريستيان فوكس في جامعة وستمنستر «عداءً ماركسياً بين المشاع الرقمي والسلعة الرقمية».

 وهناك سؤالان مهمان. أولاً، كيف ستمرر الشركات الأرباح التي تجنيها إلى منتجي البيانات كل حسب نسبة مشاركته فيها؟ ثانياً، هل ستوافق الصين على مثل هذه الخطة، أم أن تقاسم الأرباح هذا سينتهي به الأمر إلى أن يصبح عائقاً دائماً للتكنولوجيا الغربية فقط؟

 قد لا يمكن الفصل بين الإجابتين. يكفي تأمل إلغاء الطرح العام الأولي لشركة «آنت» الصينية العملاقة هذا العام؛ لمعرفة نية بكين للجم السطوة المتزايدة لأمراء البيانات. لكن هذه ليست نهاية المطاف. وفي النهاية، سوف تصدر جميع البنوك المركزية الكبرى عملات رقمية موزعة على نطاق واسع، لتحاكي تجربة الصين التي طرحت اليوان الرقمي.

 ولا بد أن تختفي الهوية النقدية للأمم خلال هذا العقد. لذلك، علينا أن ننتظر تدفق حصتنا من أرباح مستودعات البيانات إلى محافظ العملات الرقمية الرسمية على هواتفنا المحمولة. وفي عملية إنفاقها، سوف نقدم خدمة رصيد بيانات أكبر للبنوك المركزية.

بعد متاعب عام 2020، صرنا نتوق إلى لقاح وإلى عام 2021 أكثر راحة. لكن هل يمكننا كمنتجين ومستهلكين وأفراد، التخلص تماماً من ذكريات الوباء ومخلفاته؟ وحتى لو أردنا أن ننسى، هل ستسمح لنا الحكومات بإسقاط حراسنا؟ إن ظهور تتبع الاتصال أثناء الوباء قد قدّم لنا فكرة واضحة كيف أن هواتفنا الذكية يمكن أن تحافظ على سلامتنا - بالتجسس علينا.

 من الواضح أن التضحية بالمزيد من حريتنا لصالح المراقبة الأبدية من قبل الدولة يمكن أن تصبح صفقة مع الشيطان الذي نعرفه أكثر كلما كبرنا. ولا بد أن نقبل بالصفقة حتى مع الشيطان، ولكن فقط إذا أعطتنا التكنولوجيا حصة حقيقية في رأسمالية القرن الحادي والعشرين.

* كاتب في «بلومبيرج»

26 ديسمبر 2020
من أجل أن تتقاعد غنياً.. لا تترك الكثير لأطفالك

آندي موخيرجي *

تماماً مثل كتب تطوير الذات، الغرض من استطلاعات «كفاية المعاشات التقاعدية» هو جعلنا نشعر بالسوء دوماً تجاه أنفسنا. لم ندخر ما يكفي لأننا قُصّار نظر ونفتقر إلى ضبط النفس. ليس لدينا خطة تقاعد، وقد تأخر الوقت لذلك. كل ذلك يجول في أنفسنا ويطاردنا المزعجون به حتى الممات.

في الجزء الخلفي من أذهاننا، هناك دائماً الشعور بالذنب بأننا يجب أن نترك شيئاً ما، في الواقع ليس شيئاً واحداً، بل الكثير لأطفالنا. ومع ذلك، إذا استثنينا قانون استمرار الحياة الأزلي، ربما لا يجب أن نهتم بإنجاب الأطفال؟

فكر في الأمر، إذا لم تكن عقلانيتنا مقيدة، ولم نكن مشروطين بالاستمتاع بالحاضر، وتمكنا جميعاً من القيام بحسابات الاحتمالات والمكافآت لكل موقف، وخصم المنفعة المستقبلية بشكل صحيح، فهل كنا سنتزوج وننجب الأطفال؟

لكننا نفعل وسنفعل. فلماذا يجب أن يكون أسلوبنا في التعامل مع المال مختلفاً، ولماذا، على سبيل المثال، يجب أن يكون مفاجأة أن 51% من الهنود ليس لديهم خطة تقاعد؟ فالأشخاص الذين لديهم خطط شبيهة لا يقوموا بعمل أفضل كثيراً.

في الولايات المتحدة وقبل «كوفيد-19»، كان رصيد ثلث حسابات المساهمة المحددة البالغ عددها 5 ملايين حساب والتي تقوم «فانجارد» بحفظ سجلاتها لعام 2019 أقل من 10 آلاف دولار. وكان متوسط رصيد الحساب أقل من 26 ألف دولار.

ارتفع متوسط العمر المتوقع في العالم بمقدار خمس سنوات بين عامي 2010 و2015، وهي أسرع زيادة منذ الستينات. وقد يؤدي تعزيز الاستثمار في الرعاية الصحية بعد الوباء إلى جعلنا جميعاً نعيش أطول في المتوسط.

لا تتفاجأ إذا كان المتقاعدون في عام 2035 يحتاجون إلى خمس سنوات إضافية أو أكثر من الدخل المستقبلي بسبب طول عمرهم وحده. فمن أين ستأتي هذه الأموال في بيئة منخفضة العائد؟ الجواب الأكثر وضوحاً هو أن خطة التقاعد ستستمر في التأجيل.

في عام 1996، رأى 14% فقط من الأمريكيين أنفسهم يعملون بعد سن ال 65 عاماً. في العام الماضي بلغت هذه النسبة 45%.

قد تكون الاستراتيجية الأخرى نتيجة ثانوية طبيعية لليأس. نادراً ما تكون «البيضة الذهبية» التي وعدت بها صناعة الادخار التقاعدي كافية بعد دفع الرسوم الباهظة لمديري الصناديق. ومع اقتراب نهاية حياتهم العملية، سيشتري المدخرون منتجات أكثر خطورة. أظهر استطلاع أجرته شركة «فيديليتي إنترناشونال» أن 48% من سكان هونج كونج الشباب يخصصون 25% أو أقل من مدخراتهم للأسهم، بينما يستثمر 22% من العمال الأكبر سناً 75% على الأقل من مدخراتهم في أسواق الأسهم.

شارك عالم الاقتصاد الياباني - الأمريكي، تشارلز يوجي هوريوكا، الباحث في «رغبتنا في إثراء ذريتنا مالياً»، في تأليف ورقة بحثية جديدة سلطت الضوء على الفرق بين اليابانيين الذين يريدون ترك إرث لأسباب الإيثار، وأولئك الذين يستخدمونه بشكل استراتيجي لتعزيز نفوذهم بين الأجيال.

ستعمل الفئة الأولى بجهد كبير ولفترة أطول، في حين أن أولئك الذين يريدون أن تتم رعايتهم من قبل أبنائهم في سن الشيخوخة سيعملون بجد أكثر، لكنهم بالمقابل يتقاعدون مبكراً لتحقيق أقصى قدر من الرعاية المنشودة.

لا يريد الآسيويون بطبيعة الحال أن يموتوا وهم يعملون، ولدى العديد من المجتمعات شكل من أشكال شبكات الأمان غير العائلية. فاليابان لديها تأمين عام لرعاية طويلة الأجل. وفي كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة وهونج كونج وماليزيا، يتوقع المتقاعدون أن تلعب الحكومة دوراً في ضمان أمن دخلهم.

ومع ذلك، يعرف الآسيويون أن هذا لا يكفي. فقد أظهرت الأبحاث السابقة لتشارلز يوجي أن اليابانيين والصينيين لديهم دافع وصية قوي.

أما الهنود فلديهم رغبة أشد. لكن بالنظر إلى التركيبة السكانية الشبابية للبلد، والتمويلات المقيدة للدولة وأسواق المعاشات التقاعدية الحالية غير الجيدة، فحتى المساعدات المالية المحدودة لكبار السن قد يتعين شراؤها من الجيل التالي. بالفعل، لم تعد قيم الأسرة الآسيوية قوية كما كانت في السابق.

ربما يكون الهنود استراتيجيين وعمليين بخصوص الوصية. تراهم لا يؤجلون العطاء إلى سنواتهم الأخيرة، يفعلون ذلك الآن. وأحدث مثال هو منصة «وايت هات» التي تعلم البرمجة للأطفال دون سن ال 14 عاماً مقابل نحو 4 آلاف دولار. يعتبر ذلك شكلاً من أشكال الوصية المبكرة.

إن التفاوت الصارخ في الثروة يجعل من المخاطرة توريث أي شيء بقدر أكبر من إرث العائلة في الوصية. كما جادل الاقتصاديان «توماس بيكيتي» و«إيمانويل سايز» بقوة، يجب أن تتراوح ضرائب الميراث من 50% إلى 60%، بل ويجب أن تكون النسبة أعلى للوصايا الأكبر. لذلك فإن الخيار هو إما إنفاق المال على تحسين الذات، أو منحه مبكراً إلى الأبناء.

يمكن للعاملين اليوم استخدام المال وإعادة صقل مهاراتهم للوقوف في وجه الروبوتات والبقاء في العمل لفترة أطول. لكن إنفاق نفس المبلغ على تعليم اثنين من الأبناء المراهقين قد يوفر عوائد أعلى. وربما يكون الاستثمار طويل الأجل الوحيد الذي يتفوق على صندوق مؤشر الأسهم العريض.

هذه هي خطة التقاعد التي يكافح من أجلها الهنود وربما العديد من أبناء الطبقة الوسطى في كل مكان.

* كاتب عمود في «بلومبيرج»