صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
أحمد بن ركاض العامري
رئيس هيئة الشارقة للكتاب
أحدث مقالات أحمد بن ركاض العامري
30 أبريل 2024
النشر في رعاية الحكماء

النشر مسيرة حياة، تبدأ بالطفولة وتستمر جيلاً بعد جيل، يرافق الإنسان في تطوره الفكري والثقافي وحياته المهنية والاجتماعية، ويشاركه تحولاته العاطفية والذهنية ويوفر له الإجابات لكل سؤال قد يعترض طريقه أو يستفز مخيلته وعقله. والنشر أيضاً مسيرة أمم، يرافق الشعوب من أجل البناء والتنمية والتقدّم والرفاه، ويتيح لها أدوات القوة والاستقرار وعناصر الثقة والإيمان، كما أنه صناعة حيويّة مركبة للمعرفة، ولهذا يحظى باهتمام الحكماء، فنرى صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، يوفر للناشرين وصنّاع المعرفة أسباب التطور والاستدامة كافة.

بالتزامن مع موعد الدورة الخامسة عشرة من مهرجان الشارقة القرائي للطفل الذي يحظى برعاية صاحب السمو حاكم الشارقة، وقرينته سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، رئيسة المجلس الأعلى لشؤون الأسرة، تبرز أهمية تسليط الضوء على العلاقة بين قطاع نشر حيوي فاعل من ناحية، وجاذبية هذا القطاع لمختلف الأجيال، وبشكل خاص الأطفال.

وعند الحديث عن المسيرة، نستذكر هنا بداية دخول الشيخة بدور بنت سلطان القاسمي، رئيسة مجلس إدارة هيئة الشارقة للكتاب لقطاع النشر، التي كانت بهدف جعل المحتوى العربي أكثر جاذبيةً أمام الأطفال، لتواصل مهمتها بعد ذلك نحو تطوير قطاع النشر بشكل عام في الساحات الإماراتية، والعربية، والعالمية، وتقود جهوداً نوعيّة لرعاية الناشرين وتجاوز تحدياتهم كان أحدثها إطلاق صندوق الشارقة لاستدامة النشر (انشر).

إن إدراكنا في هيئة الشارقة للكتاب لأهمية قطاع النشر يحدد العوامل التي على أساسها نبني خططنا وبرامجنا، ونوجه مسارنا نحو دعم هذا القطاع، فنحن نؤكد في كل مناسبة أن قطاع النشر ليس ممارسة هامشية حالمة معزولة عن الواقع، بل التحام فكري ومعرفي مع هذا الواقع بهدف تعزيز عناصره الإيجابية والنهوض به خدمةً للكل الاجتماعي بدون استثناء. ونحرص أيضاً على توضيح حقيقة أن المطلوب من العاملين في قطاع النشر ليس النجاة في أوقات التحديات الكبرى فحسب، بل التجديد الشامل في المنهج والتفكير والخطط والأدوات مع الاستمرار بالإخلاص لمبادئ النشر.

ومبدأ التجديد والاستدامة في قطاع النشر يحتاج إلى الحوار على كل المستويات، بين الأفراد والعاملين في صناعة الكتاب والمعرفة، وبين التجارب والثقافات المختلفة، فليس هناك حل واحد وجاهز لتحديات الناشرين، لذلك نحن بحاجة للتواصل. ولعل خير مساهمة تقدمها هيئة الشارقة للكتاب من أجل استدامة هذا التواصل هي الفعاليات الثقافية التي تجمع صنّاع المعرفة والمثقفين وصنّاع القرار من مختلف دول العالم تحت سقف واحد، مثل معرض الشارقة الدولي للكتاب، ومهرجان الشارقة القرائي للطفل، ومؤتمر الناشرين الدوليين، ومؤتمر الموزعين الدوليين، ومؤتمر المكتبات، ومهرجان الشارقة للرسوم المتحركة، وكل لقاء أو نشاط نقوم به.

إن عملية إنتاج المعرفة جميلة وحالمة في ظاهرها، لكنها مركبة وحساسة جداً في تكوينها وشروط نجاحها، لذلك هي، كما أسلفنا، بحاجة لرعاية الحكماء، وقيادة المخلصين، وبحاجة للحوار وتجديد المفاهيم والأدوات حتى تبقى حيوية وتعكس في سطوعها ملامح كل من ينظر إليها بحثاً عن إجابات من الأطفال والكبار ومن مختلف الفئات والاهتمامات.

8 نوفمبر 2023
لماذا نراه الأول في العالم؟

أحمد بن ركاض العامري*

ليس من السهل أن يقيس أصحاب المشاريع الثقافية حجم مشاريعهم بأنفسهم، فهذا يشبه تماماً محاولة أب أن يحدد تماماً حجم محبته لأولاده.

هكذا نشعر عندما نتحدث عن معرض الشارقة الدولي للكتاب، هذا المشروع الثقافي الكبير الذي أطلقه ورعاه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، ليكون عنواناً لوجودنا الحضاري، وحاضنةً للثقافة العربية والمثقفين العرب، ومنارةً إنسانية للعلم والمعرفة واجتماع الثقافات والحضارات بمختلف منابتها.

وها نحن اليوم نشهد منجزاً نوعياً مفصلياً في مسيرة مشروعنا الثقافي، حيث تستقطب الشارقة أكثر من نصف العالم عندما تؤكد 109 دول حضورها المعرض. هذا على مستوى المشاركات الرسمية، أما بالنسبة للمشاركات غير الرسمية، فيمكننا القول بكل ثقة إن العالم أجمع حاضر على أرض الشارقة في رحاب الثقافة والمعرفة والحضارة وهذا يعني الكثير وفق معايير قياس المشاريع الثقافية.

إن هذا يعني أولاً أن ثقافات العالم أجمع تعلن التفافها حول مشروع الشارقة الثقافي، تجتمع لتؤكد أن الكتاب ذاكرة التاريخ، ومفتاح المستقبل، ولغة حوار، ونبع العلوم والمعارف، وأداة تنمية وتقدم، وأن في طياته تكمن الحلول للتحديات بكل تجلياتها، ويعني ثانياً أن الشارقة تترجم مقولاتها ومواقفها الخاصة بمستقبل الإنسانية وعوامل استقراره وازدهاره، وتثبت بما حققته من بناء ونهضة ومكانة عالمية وسمعة لا يختلف عليها أن بناء الإنسان بالكتاب والعلم والمعرفة، يبني أوطاناً راسخة ثابتة أمام تقلبات الزمن.

إن هذه المكانة التي حققها المعرض، جاءت تتويجاً لمنجزات راكمها عبر عقود طويلة اتسمت بالعمل والمثابرة والتخطيط، ففي عامي 2021 و 2022، احتل المعرض، المرتبة الأولى عالمياً في بيع وشراء الحقوق، بأكثر من ألف ومئة وأربعين ناشراً ووكيلاً أدبياً، وأكثر من تسعمئة طاولة لبيع الحقوق.. فجاءت مكانته هذه بكل ما تعنيه من ثقة عالمية مطلقة بمهنيته وخططه وآليات إدارته للعلاقات بين ناشري العالم.

لقد جمع المعرض بين عنصرين مهمين جداً لأي مشروع ثقافي وجمع بين ثقة المهنيين العاملين في صناعة الكتاب، وثقة الجمهور المحلي والإقليمي والعالمي. إن قضية الثقافة عندما يتعلق الأمر بالجمهور، هي قضية في غاية الحساسية، تخضع للكثير من المعايير والأذواق والتوجهات والأمزجة المختلفة، لذلك فإن كسب الجماهير هو بمثابة تأكيد أن المعرض أصبح تظاهرة شعبية عربية وعالمية بامتياز.

إذا كنا بحاجة ماسة إلى شيء في هذه المرحلة، فنحن بحاجة إلى هذا الاجتماع الحضاري الإنساني الذي نشهده على أرض الإمارة وفي ساحات معرضها، لتكون رسالتنا للأجيال الحاضرة والقادمة، أن الكتاب من أعظم المنجزات الإنسانية وأن قوتكم ودوركم في تحقيق طموحاتهم وطموحات مجتمعاتكم تكمن بين طياته، فاقرأوا الأدب والشعر والفلسفة والعلم وتاريخ الشعوب، القراءة تبني الذات والشخصية وتحصن الهوية وترفع الأوطان.

* الرئيس التنفيذي لهيئة الشارقة للكتاب

2 نوفمبر 2021
نهر الشارقة العذب

أحمد بن ركاض العامري *

ما بين الأنهار والحضارات علاقة تاريخية وثيقة، فعلى ضفافها بنت الأمم أول مجتمعاتها، ومن مائها العذب، خرجت الزراعة المستدامة ورويت الكائنات وبعثت الحياة في الحقول والسهول، لتظهر التجارة وتبنى المراكب لنقل وتبادل السلع بين المجتمعات، لهذا يطلق على الثقافات والحضارات التي نمت على الضفاف اليانعة، بحضارة الأنهر وثقافة الأنهر، مثل حضارة بلاد ما بين النهرين في العراق، وحضارة النيل في مصر، وحضارة النهر الأصفر في الصين والجانج في الهند.

في إمارة الشارقة نهر عذب سخي، إنه نهر غير تقليدي، يختلف في توصيفه عن تلك الأنهر التي عرفناها في دروس الجغرافيا، وقصدناها زائرين للتمتع بجمالها، لكنه يتطابق تماماً معها في الأثر والأهمية، وفي الدور التنموي والحضاري، وهو معرض الشارقة الدولي للكتاب الذي يعد نهر المعرفة الرئيسي للإمارة، وواحداً من أبرز وأهم ثلاثة معارض كتب على مستوى العالم.

وحتى نكون أكثر دقة في التحليل، لا بد من القول إن نهر الشارقة يتفوق على الأنهار الطبيعية في عمق واستدامة التأثير، فهو لا يروي الحياة فقط، بل يسهم بشكل مباشر في تشكل الهوية الفردية والجماعية ويمنحها أسباب رفعتها وسموها، ويعزز المشترك الفكري والعاطفي الذي على أساسهما تقوم المجتمعات الإنسانية، إلى جانب دوره الآخر المتمثل في إنعاش وبث الحياة في المنظومة الاقتصادية التنموية سواء من خلال تنشيط الحراك الاقتصادي العام، أو تعزيز القيمة المعرفية لرأس المال البشري.

وكما لكل نهر منابع وأصول وأسباب قوة وعوامل استمرارية، فإن نهر معرض الشارقة الدولي للكتاب وأسباب قوته واستمراريته، رؤية ورعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة. إيمان سموه بقوة الثقافة في هندسة الوجدان العميق للأفراد والمجتمعات، منح مشاريعنا الثقافية عامةً، والمعرض بشكل خاص، كل الأسباب للاستمرار ومراكمة المنجزات، حتى أصبحت الشارقة واحدةً من أهم المراكز الثقافية العالمية، وارتبط اسمها بنظريات التنمية المستندة للثقافة والاستثمار في المعارف والمهارات البشرية.

أوجه الشبه بين معرض الشارقة الدولي للكتاب، والأنهار لا تنتهي، وقد تحتاج إلى كتب عدة لتبيانها وتحليلها وتحديد نتائجها، لكن، هناك جانبان أساسيان في هذا التشابه، من الضروري إضافتهما على ما ذكرناه سابقاً في هذه المقالة، وهما الأصالة والتراكمية، فمشروع الشارقة الثقافي الذي بدأ بالمعرض لتتفرع منه جداول عذبة متعددة التخصصات، هو تجربة أصيلة وخاصة جداً بالشارقة، لا تنفصل ولا تبتعد ولو قليلاً عن طموح مجتمع الإمارة وسماته، وعلى الرغم من كونها منفتحة على تجارب العالم وتستفيد منها، إلا أنها في العمق والجوهر تجربة لها فرادتها وشخصيتها المستقلة، نتجت عن تفاعل المجتمع مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تشكلت عبر مسيرة عقودٍ طويلة، وسنظل نفخر بهذه الأصالة في كل مرة نرى تجربة عربية أو عالمية تنمو وتتشكل بتأثير من نموذجنا الخاص.

الجانب الآخر، وهو الفعل التراكمي للمعرض، وهنا علينا التأكيد أن المشاريع الثقافية الكبرى لا تظهر من الفراغ، ونتائجها لا تتحقق بين يوم وليلة، بل تفعل ما يفعله النهر، يبث ماءه للأرض عبر السنين، فتزداد خصباً لتنمو البذور وتصبح أشجاراً، ثم تطرح ثمراً يجذب الناس لترسي قواعد حضارتها على ضفافه.

سيستمر نهر الشارقة العذب في الجريان، لقد حفر مكانته ومجراه عميقاً في وجدان المنطقة وذاكرتها، وأصبح عنواناً للثقافة العربية ورمزاً لقدرتها على الحضور المؤثر في ثقافات العالم، ذلك الحضور الندي الذي يضيف قبل أن يأخذ، ويؤثر قبل أن يتأثر، يصنع الدهشة لدى كل من يشاهده ويتابعه، ويذكّر العالم بتاريخ مفعم بالفخر، كنا فيه سادة العلوم والفنون واللغة والأدب، ويروي حكاية مستقبل يؤسس له الآن، وتروى جذوره بمياه نهر الشارقة العذب.
* رئيس هيئة الشارقة للكتاب

23 أبريل 2021
ماذا نريد من الكتاب؟

أحمد بن ركاض العامري

كثيرة هي النصوص التي بيّنت قيمة الكتاب وأهميته وضرورته للفرد والمجتمع، وكُثر هم الكُتاب الذين توقفوا عند الكتاب بوصفه خازن المعرفة وحاملها والباب الذي ما إن يفتحه المرء حتى يتجاوز الأزمنة والأمكنة، ويطل على ما يهوى من صنوف العلم والمعرفة والأدب، لهذا يبدو من الصعب تقديم إضافة لأهمية الكتاب خاصة ونحن اليوم نحتفي بيومه العالمي.

من هنا يبدو التساؤل عن أهمية الكتاب أمراً محسوماً، لكن الأسئلة التي ينبغي أن نطرحها على أنفسنا أفراداً ومؤسسات هي: ماذا نريد نحن من الكتاب؟ هل نعرف ما نتطلع إليه من وراء الاستثمار في المعرفة، ونضع خططاً ليحقق الكتاب أهدافنا؟ وإلى أي حد يعد أثر الكتاب فاعلاً في مستقبل المجتمعات والبلدان وحتى الإنسانية؟

الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب منا الوعي بحجم المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، ومعنى المستقبل في مسيرة العالم، إذ علينا الاعتراف بأن الخمسين عاماً المقبلة لم تعد تعني المستقبل؛ بل باتت تعد الغد، بالمعنى الزمني القريب للمفردة، وهو ما يتطلب إعداداً مسبقاً وكافياً لجني ثمار هذه السنوات، فمن لم يعد الخطط والاستراتيجيات ويعمل بها، فإنه سيكون خارج سباق الأمم والحضارات.

هنالك قضايا أولوية تواجه البشرية تاريخياً، وبعضها تواجهه البشرية اليوم، ومن الضروري أن نفعّل دور الكتاب في مواجهتها وتجاوزها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، قضايا التغير المناخي، ومستقبل الطاقة، وتحوّل أشكال العلاقات الإنسانية في عصر المادة وتسيّد الآلة.

الكتاب في كل هذه القضايا لاعب مركزي وأساسي فاعل، فالمعاين لمجمل هذه التحديات يجد أن انخفاض مستوى التعليم والوعي أحد الأسباب الرئيسية لظهور هذه الإشكاليات، ويجد أن الاستثمار في صناعة مجتمعات قارئة مؤمنة بالكتاب يعد خطوة كبيرة وجوهرية في تجاوز أي من تلك التحديات، فالتغيير الذي يكبر مع القراء ويرسخ فيهم، يتحوّل مع السنوات إلى ثقافة مجتمع بأكمله، ويتجاوز إطار التعاليم والقوانين ليصبح ممارسة حية عفوية نابعة من الفرد نفسه.

ليكون الأمر أكثر وضوحاً، إن الكتب القادرة على تغيير سلوك آلاف الأفراد في مجتمع ما، تجاه ترشيد استهلاك الطاقة، تعين بلداناً على توفير ملايين الدولارات سنوياً من ميزانيتها، والكتب التي تعزز في قرائها مفاهيم تقدير الذات واحترام الآخر، وتقبل التنوع، قد توقف صراعات محتملة، وكذلك الكتب التي تغرس قيم العطاء والمحبة والإنسانية والكتب التي ترفع طاقة الفرد الإيجابيــة، وتغنــي في روحــه الشغف في العيش والحياة والعمل.

من هنا يمكن القول: إنه مثلما أثبت الكتاب أنه الابتكار الذي منح البشرية صيرورتها، ومعه باتت مسيرة منجزاتها تراكمية، فإنه قادر على أن يضع هذه الصيرورة في مسار واعٍ ومدروس ومخطط له، ينهض بالمجتمعات ويتخطى التحديات التي تواجهنا، بتحويل الأفكار البناءة إلى ممارسة وفعل وهوية شعوب وحضارات، لكن قبل أن يتحقق ذلك: هل نعرف ما نريد من الكتاب؟ وهل نعمل على تحقيقه؟
رئيس هيئة الشارقة للكتاب