الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
جاستن كلاوانز
كاتب
أحدث مقالات جاستن كلاوانز
19 أبريل 2026
«القفازات».. وخطط الصين الخمسية

قبل أكثر من أربعة عقود، حين كنت طالباً جامعياً، أهداني صديق أمريكي قلماً نادراً صُنع في الولايات المتحدة. لم يكن مجرد أداة للكتابة، بل رمزاً لجودة كانت تبدو آنذاك بعيدة المنال، ومهارة صناعية تصعب منافستها.

بعد سنوات طويلة، أعاد إليّ مقطع فيديو تلك الذكرى، لكن مع انقلاب كامل في الأدوار والاتجاهات.

في الفيديو، يروي ميكانيكي أمريكي كيف اشترى أدوات صينية عبر الإنترنت، ليجد داخل الطرد قفازات عمل قطنية بسيطة، أُضيفت كهدية غير متوقعة. استحضرت تلك اللفتة لديه هدايا الطفولة، علكة مرفقة ببطاقات بيسبول، أو زيت إضافي للمحرك في محطات الوقود، أو قطعة دونات مجانية.

في ذلك الوقت، كانت الشركات الأمريكية تهتم حقاً بعلاقاتها مع عملائها. أما اليوم، فقد أصبحت التجارة الأمريكية أكثر دقة... لكنها أيضــاً أكثــر برودة. الخوارزميات تعرف ما تريد، لكنها لم تعد تكترث بك كإنسان.

ثم انتقل الميكانيكي إلى تقييم الأدوات نفسها. لم تكن توقعاته جيدة للمنتج؛ فالسعر المنخفض جعله يظن أن الأدوات قد لا تصمد سوى لاستخدام واحد. لكن المفاجأة كانت في الجودة، التي دفعته للتفكير بأنه قد يستخدمها لسنوات.

بالنسبة لي، عند مشاهدة ذلك الفيديو، لم تكن الرسالة الأساسية التي خطرت ببالي: «يا له من تطور هائل في الصناعة الصينية!». ما لفت انتباهي كان أعمق من ذلك بكثير: «ربما لا يدرك هذا الميكانيكي أن جودة المنتج الذي يحمله في يده ليست صدفة، بل نتيجة قوة هيكلية تعمل في الخلفية، قوةٌ بنتها الصين تدريجياً عبر خططها الخمسية المتعاقبة».

في مارس/آذار الماضي، أقرت الصين الخطوط العريضة لخطة التنمية الخمسية الخامسة عشرة. وقد نشر مركز أبحاث «المجلس الأطلسي» في واشنطن، تحليلاً يحذر صانعي القرار الأمريكيين من صعود الصين في مجالات مثل التكنولوجيا الحيوية، واستمرار زخم الصادرات، وطموحها لأن تصبح أكبر ممول عالمي للبحث والتطوير.

هذه الملاحظات صحيحة، لكنها تظل ناقصة. فما رآه المركز كان مجرد تحركات على رقعة شطرنج استراتيجية، أما ما يمثله هذا الزوج من القفازات فهو العنصر الحاسم في اللعبة.

لا تكمن قوة الصين في البحث العلمي أو توفر المواد الخام فحسب، بل في قدرتها وكفاءتها الإنتاجية أيضاً. والأدوات التي اقتناها الميكانيكي الأمريكي من الصين ليست سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من التحويل الصناعي المتكامل.

صرّح وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بأن الولايات المتحدة ستتحرك «بسرعة فائقة خلال العامين المقبلين» لتقليل اعتمادها على المعادن الأرضية النادرة الصينية.

لا شك في جدية هذا الطموح. لكن ربما لا يدرك الوزير تماماً أن ما ينبغي التحرر منه لم يعد مجرد المعادن. فحين تتحول هذه المعادن إلى أدوات، ثم إلى جودة، ثم إلى ثقة، ثم في نهاية المطاف، إلى قفازات تجعل عاملاً أمريكياً يشعر بأنه موضع تقدير حقيقي، فإن فك الارتباط عند مستوى المواد الخام وحده يصبح غير كافٍ إطلاقاً.

ثمة منطق يغيب باستمرار عن كثير من المراقبين في الغرب، وهو أن ساحة المعركة الحقيقية في صعود التصنيع الصيني ليست المختبرات ولا الوثائق السياسية، بل التجربة اليومية للمستهلكين حول العالم.

تكمن القوة الحقيقية لخطط الصين الخمسية في قدرتها على التنفيذ، لا مجرد السرديات الكبرى. فهي تُترجم الاستراتيجية الوطنية إلى تعليمات في المصانع، ثم تُترجم ما يخرج من تلك المصانع إلى شيء ملموس يشعر به المستهلكون في أقصى بقاع الأرض. وهذا بالضبط جوهر الميزة التنافسية التي بنتها الصين عبر أربعة عقود من التصنيع المتراكم.

لذلك، حين نتساءل كيف ينبغي للولايات المتحدة أن تقرأ الخطة الخمسية الصينية الجديدة، فالإجابة، ألا تكتفوا فقط بمتابعة التصويت في قاعة الشعب الكبرى، ولا في تفكيك الكلمات المفتاحية في الوثائق الاستراتيجية. انظروا إلى شيء أبسط بكثير، إلى القفازات، واستمعوا إلى ما قاله ذلك الميكانيكي الأمريكي.

ففي تلك الهدايا الصغيرة غير المعلنة، والمخبأة داخل صناديق الشحن القادمة من مصانع الصين التي لا تُحصى، تتجلى القوة التنفيذية الحقيقية لخطط البلاد التنموية، يوماً بعد يوم.

* باحث في معهد «تشونغيانغ» للدراسات المالية، ومحرر في صحيفة «بيبولز ديلي» (غلوبال تايمز)

15 أبريل 2025
تعريفات ترامب.. وسوق العمل

جاستن كلاوانز *

ازدهر سوق العمل بأكثر من المتوقع في مارس، إلا أن بعض المحللين الاقتصاديين قلقون من أن التأثير المتتالي للرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس دونالد ترامب قد يدفع التوظيف إلى الاتجاه المعاكس. وبينما أضاف السوق 228 ألف وظيفة الشهر الماضي - وهو رقم أعلى بكثير من المتوسط الشهري البالغ 158 ألف وظيفة خلال العام الماضي - إلا أن الخبراء الماليين أعربوا عن شكوكهم في استمرار طفرة الوظائف هذه.
ويقول آخرون إنه بينما قد ينهار الاقتصاد بسبب رسوم ترامب على معظم دول العالم، فإن سوق العمل نفسه قد لا يتحمل العبء الأكبر. ومع ذلك، هذا لا يعني بالضرورة أن العمالة لن تشعر ببعض الضيق الاقتصادي.
لقد أبدى سوق العمل الأمريكي صموداً مفاجئاً، حتى في ظل التضخم السريع، وارتفاع أسعار الفائدة، وعدم الاستقرار السياسي. لكن التعريفات الجمركية الأخيرة، حتى ولو عُلّقت 90 يوماً، قد تكون كافية لتحطيم ما كان يقال إنه المصدر الأخير للدعم الاقتصادي في سوق العمل.
وعادةً ما تُحمّل الشركات المستهلك التكلفة الإضافية للرسوم الجمركية، ما يرفع الأسعار على المستهلكين والشركات أنفسهم، الأمر الذي سيدفع أصحاب العمل إلى التراجع عن التوظيف. وإذا استمرت الرسوم الجمركية لفترة طويلة، فقد يضطرون إلى تسريح العمال. وقالت سارة هاوس، الخبيرة الاقتصادية في «ويلز فارغو»، لصحيفة التايمز: «إذا لم يكن الاقتصاد ينمو بنفس السرعة، أو لم يكن ينمو على الإطلاق، فلن تحتاج إلى هذا العدد الكبير من العمال».
وهذا يعطي الاقتصاديين مبرراً للحذر بشأن السوق. وبحسب ستيفاني هيوز من «ماركت بلايس»، قد ينطبق القول المأثور «الأداء السابق ليس ضماناً للنتائج المستقبلية» على تقرير الوظائف هذا. وقد برز هذا الأمر بقوة في صناعة السيارات. فلو ارتفع السعر كثيراً، بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، فمن المرجح أن ينخفض الطلب على هذه السيارات. وهو ما يعني على الأرجح عدداً أقل من العمال لتصنيعها.
وقالت فيرونيكا كلارك، الخبيرة الاقتصادية في «سيتي غروب»: «سوق العمل في وضع سيئ للغاية لتحمل الصدمات الجديدة الناجمة عن تزايد حالة عدم اليقين، وزيادة تكاليف الرسوم الجمركية، وتخفيضات الإنفاق الحكومي والتوظيف، وضعف ثقة الشركات والمستهلكين». علاوة على ذلك، واجه المزيد من الناس «نوبات طويلة من البطالة، على الرغم من أن متوسط مدة البطالة قد انخفض، واستمر ارتفاع عدد شاغلي الوظائف المتعددة، وكذلك عدد الأشخاص الذين فقدوا وظائفهم بشكل دائم».
في المقابل، لم تتأثر جميع القطاعات بنفس القدر، حيث ظل التوظيف مستقراً في بعض القطاعات، بما في ذلك الرعاية الصحية والتكنولوجيا، كما صرحت التنفيذية وسيدة الأعمال ديبرا بوغز. وبأنه بدلاً من فقدان وظائفهم، يتحول بعض كبار القادة الفيدراليين الآن إلى القطاع الخاص. لكن الوضع غير مؤكد وغير مسبوق على الإطلاق.
بدورها، قالت بافيثرا موهان من شركة فاست إن إدارة ترامب «جادلت بأنه على الرغم من أن الرسوم الجمركية قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار، إلا أنها ستساعد أيضاً في تعزيز خلق فرص العمل في الولايات المتحدة، خاصة في قطاع التصنيع».
عند تحليل تأثير الرسوم الجمركية التي فُرضت خلال فترة ولاية ترامب الأولى، وجد بعض الاقتصاديين أن العمالة في قطاع التصنيع ظلت دون تغيير تقريباً، في حين أن الرسوم الجمركية في قطاعات أخرى مثل الزراعة، حفّزت فقدان الوظائف. مع ذلك، لم تكن الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب في ولايته الأولى واسعة الانتشار كما هي عليه الآن.

* كاتب صحفي في «ذا ويك يو إس»

24 ديسمبر 2023
إنعاش اقتصادي بالصدمة

جاستن كلاوانز*
بعد تنصيبه رسمياً رئيساً لثاني أكبر اقتصاد في أمريكا الجنوبية، انطلق خافيير مايلي، الشعبوي الليبرالي اليميني، إلى النجومية من الغموض النسبي الذي أحاط بالظروف الاقتصادية الصعبة التي تشهدها الأرجنتين. وللتعامل معها، قال الرئيس المنتخب في خطاب التنصيب إنه «لا يوجد بديل عن العلاج بالصدمة».

ويهدف العلاج بالصدمة إلى مكافحة الأزمة الاقتصادية الطويلة الأمد في الأرجنتين، في وقت تتعامل فيه البلاد مع واحد من أعلى معدلات التضخم في العالم، عند 143%، إلى جانب ديون بلغت 43 مليار دولار، وأربعة من كل 10 أرجنتينيين يعانون الفقر.

وفي خطاب النصر، الذي وصفته وكالة «أسوشيتد برس» بأنه «ليس الأكثر رفعة»، عرض مايلي ملخصاً لأجندته المزمع تنفيذها في الأرجنتين، بما في ذلك التخفيضات الكبيرة في الإنفاق الحكومي، في محاولة لكبح جماح التضخم المفرط وما وصفه ب«الرأسمالية الفوضوية».

وفي ضوء ذلك، يتساءل الكثير من الأرجنتينيين عن الكيفية التي سيتبعها رئيسهم الجديد في تطبيق «العلاج بالصدمة»، وماذا يعني ذلك بالنسبة لهم. وأشارت «أسوشيتد برس» إلى أن الناس في جميع أنحاء البلاد يشعرون بالقلق أيضاً بشأن أي نسخة من مايلي سوف يرون في قادم الأيام. هل نموذج التطرف الإيجابي ونهاية أنصاف الحلول الذي روج له في حملته الانتخابية، أم الرئيس المنتخب الأكثر اعتدالاً مثلما ظهر في الأسابيع الأخيرة؟

ويسعى مايلي جاهداً لإعادة تشكيل الحكومة الأرجنتينية نفسها وفق نظرته التحررية للعالم، حسبما أفاد جاك نيكاس من صحيفة «نيويورك تايمز». وهذا يتضمن في الغالب تخفيضاً هائلاً في الحجم والنظام المصرفي المركزي عموماً، وإلغاء 10 من أصل 18 وزارة حكومية. وفي هذا الصدد، قالت الحكومة في بيان الاثنين، إن هذا الخفض يمثل ضرورة «لترشيد أعمال الدولة وجعلها أكثر كفاءة».

وقالت صحيفة «نيويورك تايمز» إن الرئيس المنتخب وضع خطة جديدة لإنقاذ الاقتصاد، لكن الجزء المركزي من حملته تلك يتمثل في القضاء على البيزو واستخدام الدولار الأمريكي كعملة وطنية للبلاد. وهنا تجدر الإشارة إلى أن العملة الأمريكية متجذرة وبشكل كبير في اقتصاد الأرجنتين، التي تشعر براحة كبيرة تجاه الدولار، وتستخدمه بالفعل في الكثير من التعاملات، لكن ما يريده مايلي هو إضفاء الطابع الرسمي واتخاذ نهج «الدولرة» أساساً شرعياً لاقتصاد بلاده.

وقال مايلي لداعميه: «إن الطريقة الوحيدة لإنهاء آفة التضخم هي منع السياسيين من الاستمرار في طباعة النقود»، ومن هذا المنطلق فهو يخطط لإغلاق البنك المركزي. ومع ذلك، تشير التقديرات إلى أن الأرجنتين تحتاج إلى ما بين 30 إلى 40 مليار دولار إضافية من العملة الأمريكية للتحول نحو النهج المخطط له رسمياً. ويرى نيكاس أن هذا قد يمثل مشكلة كبيرة لمايلي وخططه، نتيجة لديون الأرجنتين الحالية التي تثقل كاهل حكومته.

وهذه الخطة هي جزء من بعض السياسات المقلقة التي طرحها مايلي، حسبما قال ديفيد ريدل من مجموعة «ريدل للأبحاث». وأشار أيضاً إيليا أوليفيروس روزن، كبير الاقتصاديين للأسواق الناشئة في «ستاندرد آند بورز غلوبال»، لرويترز أنه «قد تكون هناك عواقب غير مقصودة للدولرة، وأنها لن تعالج المشكلة الرئيسية في الأرجنتين، وهي مشكلة مالية كبيرة حقاً».

إن الوعود التي طرحها مايلي في حملته الانتخابية والخطط التي ينوي اتباعها تعني أن العديد من الأرجنتينيين، بما في ذلك الفقراء، سيخضعون لتقشف كبير. وبحسب المحللين، صحيح أن الدولرة قد تساعد في تخفيف عبء التضخم، إلا أنها ستتسبب في صدمات مالية، كما أن إنهاء التعامل بالبيزو سيؤدي بالتأكيد إلى غرق الاقتصاد في بحر من الركود.

وبالنظر إلى تاريخ الأرجنتين الحافل بسوء الإدارة النقدية، فإن خطة مايلي ستكون محاولة جريئة نعم، ولكنها محفوفة بالمخاطر لأنها تنوي التراجع عن إرث عمره عقود من السياسات المالية. ومع ذلك، قد تكون أيضاً الفرصة الأفضل والأخيرة للبلاد للتحرر من دورة السنين السابقة السلبية على حد وصفه.

بطبيعة الحال، لا تزال الشكوك تحوم حول نوع الحكومة التي قد يقودها هذا الاقتصادي المشهور في الأرجنتين، وما الإجراءات التي سيعلن عنها في قادم الأيام؟ حسبما نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية. ويتوقع مؤيدو مايلي أن تكون التغييرات دراماتيكية، وبأن الأرجنتين إما أن تستدير بالكامل أو أنها ستغرق مثل «التايتانيك»، وأن على الشعب التضحية إذا أراد رؤية الضوء في نهاية النفق.

*كاتب مقال في «ذا وييك»