إشارات لغوية رمضانية

05:18 صباحا
قراءة دقيقتين
عبد اللطيف الزبيدي

هل رمضان دائماً رمضان؟ المعنى اللغوي غير المعنى الاصطلاحي. بهذا قضت شهور السنة القمرية المتحوّلة، التي ليست كشهور السنة الشمسية الثابتة. معجم «الصحاح» للجوهري يُلقي الضوء: «يقال: إنهم لمّا نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة، سمّوها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رَمَضِ الحرّ فسُمّي بذلك». سامح الله منهجيّة قدمائنا، قال «إنهم» ولم يقل لنا من هم، بسيطة «معليش»، لكنه قال «عن اللغة القديمة» ولم يقل لنا ما هي، ولا متى حدث ذلك ولو تقريباً؟
القواميس مُجمعة على أن رمضان مشتق من الرّمَض والرمضاء، شدة الحرّ وحرارة وقع الشمس على الرمل والحجارة، ما يجعل الصورة اللغوية متناقضة مع طبيعة الجوّ إذا وقع الشهر في الشتاء. كبير معجميّينا ابن منظور في «لسان العرب»، يُدخلنا في الدعابة حين يقول: «شهر رمضان مأخوذ من رمَضَ الصائم يرمَض إذا حرّ جوفه من شدة العطش». يوهمنا بأن المفهوم الدينيّ لرمضان سابق على نشأة اللغة أصلاً. هذا تحميل دلاليّ باطل، حتى لو وضعنا في الحسبان أن جزيرة العرب عرفت أشكالاً من الصوم قبل الإسلام. هذا ثابت. أمّا جعل ذلك تخريجة لغويّة فالقصة تصبح فكاهة معجميّة.
ذلك التأويل اللغويّ لا يستطيع بأيّ وجه من الوجوه صرف الذهن عن المعنى المادّي في الأصل الذي نشأ مع نشأة العربية، وهو شدة حرارة الشمس وأثرها في البيئة. بل إننا نجد تجذيراً دلالياً أعمق وأشمل في معجم «مقاييس اللغة» لابن فارس، يقول: «الراء والميم والضاد أصل يدل على حدّة في شيء من حرّ وغيره»، ويذكر: «سكّين رميض وكلّ حادّ رميض»، يستوي في ذلك الحرّ والسيف.
الروعة أن عدم تقيّد المعنى الاصطلاحي في رمضان بالمفهوم اللغويّ رحمة بالصائمين، فالسنة القمريّة تخفيف معاناة، لأن شهر الصيام لو كان ثابتاً في السنة الشمسية لكان عناء متكرراً مدى الدهر، في شهر أغسطس/آب كل عام بلا تكييف. منوعات الجوّ عبر الفصول نعمة، من القميص إلى المعطف. يبقى أن القوة الإيحائية في «ر م ض» لها أبعاد روحية ترويضية، رياضة النفس، فحتى حين يوافق الشهر الفضيل الشتاء، تمثل أمام ناظري الصائم مشاهد حمل أمانة المعاناة العبادية، التي هي المقصد والغاية، أي تقوية عضلات الروح للنهوض بالأعباء المادية والمعنوية، ومنها الصوم الذي هو في الأصل الإمساك والترك والركود (صوم الريح)، والامتناع عن الكلام، فالصوم الصمت أيضاً.
لزوم ما يلزم: النتيجة الإفطارية: بعد صوم قرن عن التقدم، نسأله تعالى إفطاراً شهياً على مائدة تنمية شاملة.

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"