صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
أسماء الجناحي
كاتبة
أحدث مقالات أسماء الجناحي
26 مايو 2026
حين يصبح الاختيار الإنجاز الحقيقي

لم يعد الإنسان اليوم يعاني قلة الفرص، بل كثرتها، فكلما اتسعت الحياة، ازدادت الخيارات، ومعها ازدادت الحيرة أيضاً، فأصبح الإنسان قادراً على الوصول إلى أشياء كثيرة، لكنه يقضي جزءاً كبيراً من عمره محاولاً الموازنة بين ما يريد، وما يحتاج، وما يتوقعه منه العالم من حوله، بين النجاح والحياة، بين الطموح والاستقرار، وبين ما يريده حقاً وما يشعر أحياناً أن المجتمع ينتظر منه أن يكونه.

ربما كانت المرأة أكثر من عاش هذا التحول، فالمرأة لم تكن تبحث يوماً عن العمل كوظيفة فقط، بقدر ما كانت تبحث عن مساحة، مساحة للتعلّم، والتجربة، وإثبات الذات، ولأن تكون شريكاً حقيقياً في صناعة الحياة، ولهذا خاضت رحلة طويلة حتى وصلت إلى حضور مؤثر في مختلف القطاعات، وإلى مشاركة حقيقية في القرار وتأثير تجاوز حدود الوظيفة إلى المجتمع بأكمله.

لكن السؤال اليوم لم يعد هل تعمل المرأة؟ بل أصبح سؤالاً أكثر عمقاً وصدقاً: كيف تريد المرأة أن تعيش حياتها؟ وهنا يبدأ التحول الحقيقي، فالنجاح لم يعد طريقاً واحداً يسير فيه الجميع بالخطوات نفسها، ولم تعد قيمة الإنسان مرتبطة فقط بحجم الإنجاز المهني أو ازدحام جدول حياته، فهناك من تجد ذاتها في العمل والطموح والإنجاز، وهناك من ترى أن مرحلة معينة من حياتها تستحق أن تمنح فيها وقتاً أكبر لأسرتها أو لأبنائها أو لوالديها، وهناك من تحاول أن تصنع توازنها الخاص بين العالمين.

ولا يبدو أن المجتمع اليوم يعود إلى الوراء، بقدر ما يعود إلى شيء من التوازن الطبيعي، إلى فهم أعمق لمعنى الحياة، وإلى إدراك أن الإنسان لا يعيش بالإنجاز المهني وحده، وأن بناء أسرة متماسكة لا يقل أهمية عن بناء المؤسسات والمشاريع.

ولعل هذا ما تعكسه اليوم مبادرات ومفاهيم تعيد تسليط الضوء على قيمة التربية وصناعة الإنسان، مثل اعتماد هيئة تنمية المجتمع في دبي لمسمى «صانعة أجيال» بدلاً من «ربة منزل»، وهي تسمية تختصر معنى عظيماً، فبناء الإنسان كان دائماً من أعمق الأدوار أثراً في استقرار المجتمعات واستدامة تطورها.

كما أصبح من اللافت أيضاً أن كثيرين يعيدون تعريف النجاح بطريقة مختلفة، فهناك من يفضّل وقتاً هادئاً مع أسرته على سباق مهني لا ينتهي، ومن يختار جودة الحياة واستقرارهم النفسي على صورة النجاح التقليدية التي تربط قيمة الإنسان فقط بالإنجاز المهني والانشغال الدائم.

ولهذا تحديداً يأتي إعلان دولة الإمارات عام 2026 «عام الأسرة» تحت شعار «نماء وانتماء»، كتعبير عن مرحلة أكثر نضجاً في فهم التنمية وجودة الحياة، فالتنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بحجم الإنجازات الاقتصادية والمهنية، بل أيضاً بقدرتنا على الحفاظ على الجذور التي نستند إليها.

وعندما نتحدث عن الأسرة، فنحن لا نتحدث فقط عن الزواج أو الإنجاب، بل عن معنى أوسع بكثير، عن أخ يسأل عن أخته، أو ابنة تمنح والديها وقتاً واهتماماً، أو عائلة تحاول أن تبقى قريبة من بعضها رغم سرعة الحياة.

ومن المهم أيضاً ألّا يُنظر إلى «عام الأسرة» باعتباره عبئاً إضافياً على جهات العمل أو ملفاً مرتبطاً فقط بالتشريعات والسياسات المرنة، فمهما تعددت المبادرات، تبقى المسؤولية الحقيقية مسؤولية أفراد قبل أن تكون مسؤولية مؤسسات، لأن المسألة في جوهرها تتعلق بالاختيار، بكيف يدير الإنسان وقته، وكيف يرتب أولوياته، وكيف يمنح عائلته حضوراً حقيقياً لا مجرد بقايا وقت وطاقة، فلا يمكن لأي سياسة أن تعوّض غياب الوعي الفردي.

وربما يكون أهم ما نحتاج أن ندركه اليوم هو الاستعداد الحقيقي للاستغناء، الاستغناء عن بعض الكماليات، وعن اللهاث المستمر خلف أنماط الحياة التي تفرضها المقارنات ومنصات التواصل الاجتماعي، وعن فكرة أن النجاح يجب أن يبدو دائماً صاخباً ومبهراً، فليست كل حياة هادئة حياة ناقصة، وليست كل عودة إلى البيت تراجعاً.

أحياناً يحتاج الإنسان فقط إلى شجاعة التوقف والاستغناء، وشجاعة الاختيار، وشجاعة أن يعيش حياته بالطريقة التي تشبهه، لا بالطريقة التي يصفق لها العالم، لكن السؤال الأهم يبقى، هل نمتلك فعلاً شجاعة الاختيار والاستغناء؟

[email protected]

3 مايو 2026
وفرة بلا اكتفاء

منذ متى أصبح الاكتفاء أمراً صعباً، مهما كثر ما بأيدينا؟ ومتى بدأنا نخلط بين ما نحتاج إليه، وما نرغب في أن يتحمّله غيرنا عنا؟ أهي طبيعة النفس حين تألف الراحة، أم عادة تتضخّم كلما وجدنا من يلبّي بلا حساب؟

صار الراتب، عند بعضهم، ضيفَ شرف في حياتهم؛ يكتفون بوجوده، ويطلبون من غيرهم دفع الحساب، يحيّونه كل شهر، ثم يضعونه جانباً، لتبدأ قائمة مطالب لا تنتهي: اليوم ملابس، غداً قهوة، وبعده ربما «حياة كاملة بالتقسيط على الجهة»، فكرة تبدو مغرية، لكنها تلغي أبسط حقيقة: أن الراتب وُجد لتدير به حياتك، لا لتنسحب منها.

وهذا ليس طرحاً نظرياً، بل واقع استفزّني ذات يوم، حين سمعت أحدهم يطالب جهة عمله بأن تغطّي قيمة الصورة الشخصية لتجديد بطاقته الوظيفية، ثم واصل مطالباً ببدل ملابس! متناسياً أن الراتب الذي يتقاضاه وُجد لإدارة حياته بكل تفاصيلها، كلٌّ بحسب ما قُسم له من رزق، ولا أتحدث هنا عن وظائف تتطلب زياً موحداً (Uniform)، ولا عن أعمال تفرض طبيعتها بدلات محددة.

في زمنٍ تتوافر فيه الخيرات والنعم، تبقى الوظيفة المستقرة والراتب الثابت من أعظمها، أن يكون للفرد دخلٌ معلوم، فهذا ليس تفصيلاً عابراً، بل أساسٌ للاستقلالية والكرامة، لكن حين يُفقد تقدير هذه النعمة، يتحوّل الراتب من وسيلة حياة، إلى رقم يُنتظر أن يُستكمل ببدلات لا تنتهي. وهنا يبرز معنى لا يقل أهمية وهو: الامتنان.

فالعمل ليس مجرد راتب، بل علاقة تقوم على قدر من الولاء والعطاء، وعلى وعيٍ بقيمة ما بين أيدينا. ومن لا يُحسن تقدير ما لديه، لن يكفيه ما يُضاف إليه.

الراتب مسؤولية، مأكلك، ملبسك، فواتيرك. هذا هو الأصل، أما تحويل كل احتياج إلى “بدل”، فليس تنظيماً للمعيشة، بل تخلٍ عنها؛ هو انتقال صامت من الاعتماد على النفس، إلى الاتكالية.

ولا يعني ذلك التقليل من الحقوق المشروعة أو أهمية المطالبة بها، لكن الفرق كبير بين حق واضح وقائمة مطالب لا تنتهي، وعندنا تمنح لا تقابل بالتقدير والامتنان.

الجهات تُنظّم العمل، وتُقدّر الجهود، وتدعم ضمن أطر واضحة، لكنها لم تُوجد لتدير حياتنا الشخصية.

ومع استمرار بعضهم على هذا النهج، قد لا نستغرب يوماً أن تتحوّل الفكرة إلى قناعة كاملة: أن كل شيء يجب أن يكون على حساب الجهة بل وحتى الحكومة، لكن قبل أن نصل إلى هناك، يبقى السؤال الأصدق: إذا تكفّل غيرك بكل شيء، فماذا بقي لك أنت؟ وما معنى حياتك، إذا رميت بكل مسؤولياتك على غيرك؟ 

[email protected]

19 يناير 2026
ما لا تصنعه الشاشات

في زمن العمل الهجين والعمل عن بُعد، لم يعد السؤال الحقيقي هو أين نعمل؟ بل كيف نفهم العمل نفسه، وكيف نقرأ علاقتنا بالمكان الذي نؤديه فيه. لقد منحتنا المرونة التي نعيشها اليوم مكسباً مهماً، أعادت ترتيب التوازن بين حياتنا المهنية والشخصية، ووسّعت مساحة الاختيار أمام الموظف. غير أن هذه المساحة، على اتساعها، كشفت مفارقة لافتة، بعض ما صار متاحاً للجميع بدأ يفقد قيمته في وعينا اليومي، لا لأنه أقل أهمية، بل لأننا اعتدنا عليه.
لم يعد هناك خلاف حول إمكانية إنجاز العمل من أي مكان، لكن الخلاف الحقيقي يدور حول ما الذي نخسره عندما نغيب عن المكان نفسه. فبين شاشة تؤدي المهمة، ومكان يصنع التجربة مسافة لا تُقاس بالوقت ولا بالإنتاجية فقط، بل بما يتكوّن من معنى وتفاعل وفهم أعمق لما نقوم به ولماذا نقوم به.
لو كان الذهاب إلى المكتب امتيازاً نادراً، أو فرصة لا تتاح إلا لقلة، لتحوّل الحضور إلى رغبة تُنتظر، لا إلى قرار يُجادَل فيه ولكان التواجد هدفاً، لا التزاماً، ولكان الاحتكاك المباشر مع الزملاء والخبراء والقادة، والمشاركة في النقاشات، والجلوس في بيئة عمل حيّة، أموراً يُتاق إليها بدلاً من تأجيلها.
في المكتب، لا ينجز الموظف مهامه فقط، بل يبني فهماً أعمق لثقافة المؤسسة، لإيقاعها، ولطريقة تفكيرها واتخاذ القرار فيها، هناك تتكوّن العلاقات المهنية بشكل طبيعي، وتُختصر المسافات بين الإدارات، وتولد الأفكار في لحظات عفوية لم تكن مدرجة في جدول أعمال.
الحضور الحي يعزز التواصل، ويرفع جودة الإنجاز، خاصة في الجهات التي يعتمد عملها على التعاون بين فرق متعددة.
ومع توسّع تطبيق سياسات العمل المرن، بدأ بعض الموظفين ينظرون إلى الحضور على أنه عبء غير ضروري، دون الانتباه إلى أن طلب الحضور في أوقات محددة لا يعني التضييق.
العمل المرن، بلا شك، خيار ذكي وضروري، لكنه وحده لا يصنع الانتماء، ولا يولّد تلك الكيمياء الإنسانية التي لا تتشكل إلا عبر التشارك والنقاش والتواجد عن قرب في المكان ذاته.
حين يُفهم الحضور في سياقه الصحيح، ويتحوّل من عادة إلى وعي، يصبح فرصة لا التزاماً، وقيمة لا روتيناً. 
وهكذا هي حياتنا اليومية، تتغير قيمة الأشياء لا لأنها تغيّرت، بل لأن وعينا بها تغيّر. الخبز مثال بسيط، فما كان يوماً رمزاً للرفاهية تحوّل مع الزمن فأصبح الخبز الأسمر الكامل أعلى قيمة من الخبز الأبيض الذي كان مفضلاً في السابق.. لم تتغير حقيقة الخبز، بل تغيّر فهمنا لما يمنحه.

[email protected]

10 أغسطس 2025
حين لا نتفق على المعنى

في عالم تموج فيه المصطلحات والشعارات، كثيراً ما تنزلق المعاني من أيدي أصحابها، فتستقر في قوالب مشوَّهة، تبتعد شيئاً فشيئاً عن جوهرها الأول، ففي علاقاتنا اليومية، نتحدث كثيراً، نستخدم العبارات نفسها، ونظن أننا نفهم بعضنا. نقول: «أنا أحبك»، «أنا مشغول»، «ليس لديّ وقت». لكنّ المعاني التي نضمرها خلف هذه الكلمات تختلف من شخص إلى آخر. ما يبدو واضحاً على السطح، يُخفي تحته رواسبَ من تجاربَ شخصيةٍ وتربويةٍ وبيئيةٍ وحتى ندوبٍ عاطفية قديمة.
فالخلاف لا يبدأ بالصوت المرتفع، بل باختلاف المعنى. كلمة «الحب»، مثلاً، قد تعني لأحدهم الالتزام والاحتواء، بينما تعني لآخر الشغف المؤقت أو الغيرة المفرطة. «الاحترام» عند بعضهم هو الحفاظ على الخصوصية، وعند آخرين هو المشاركة في كل التفاصيل. و«النجاح» قد يُختصر في المنصب لدى بعضهم، ويُقاس بالرضا والمعنى العميق لدى غيرهم.
نحن نحب، ونثق، ونعتذر، ونغضب، ونغادر... بكلمات، لكن الكلمات لا تحمل في قلوب الجميع المعنى ذاته.
«أحبك» ليست كلمة واحدة، بل احتمالٌ لعشرات المعاني، و«أنا مشغول» قد تكون اعتذاراً مهذباً، أو انسحاباً صامتاً، حتى «تمام» الصغيرة، قد تُخفي رضا، أو تعباً، أو لا مبالاة.
نتحدث كثيراً... لكننا لا نُعرّف. نظن أن الآخر سيفهمنا كما نحن، لا كما هو. ولهذا تنهار علاقات، وتُغلق أبواب، وتُترك رسائل دون رد... ليس لأننا لا نملك اللغة، بل لأننا لم نستخدمها بصدق التعريف.
إليك مثالاً آخر: «أنا أعتذر» أو «أنا آسف» عند بعضهم هي قمة النضج والاعتراف، وعند آخرين مجرد عبارة تُقال للهروب من مواجهة، بلا نية للإصلاح.
المشكلة ليست في اللغة، بل في غموض تفسيرها.
نحن نخوض علاقات مثقلة بسوء الفهم لأننا لم نطرح السؤال البسيط والمفصلي: «ماذا تعني هذه الكلمة بالنسبة لك؟» سؤال يكشف المعنى، والقيم التي يتكئ عليها الآخر، ومخاوفه، وحدوده.
لسنا مضطرين لتوحيد المعاني، لكننا مطالبون بتوضيحها. أن نقول: «حين أقول هذا، فأنا أقصد كذا». بهذا، نقلل مساحة سوء الفهم، ونمنح الفهم الحقيقي فرصة للظهور... الفهم الذي لا يفرض الاتفاق، لكنه يصنع الاحترام، ويقلل الخذلان.

[email protected]

18 مارس 2025
ذرة النفس البشرية.. حيث يبدأ كل شيء

عجباً! كيف يغفل الإنسان عن قانون الحياة البسيط والعادل: “فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ”؟ كيف يظن أنه يستطيع أن يزرع الشر ويحصد الخير، أو ينشر الحسد وينال الطمأنينة؟ الكون كله قائم على التوازن، حيث تُقاس الأفعال بموازين دقيقة، فلا يضيع جهد مخلص، ولا يغيب عن الحساب فعل مشين، ولو كان بحجم الذرة.
بيئة العمل تشبه الحقل الزراعي، حيث تتحدد جودة الحصاد بناءً على ما يُزرع في التربة. الموظف الذي يحرص على أداء واجبه بإخلاص، حتى لو كان في مهمة بسيطة، يسهم في بناء مؤسسة قوية، كما أن القائد الذي يسقي موظفيه بالتقدير والاحترام يحصد بيئة مهنية زاخرة بالإنتاجية والإبداع. على النقيض، فإن التخاذل، وانعدام النزاهة، ونشر ثقافة الصراعات، كلها بذور تؤدي إلى بيئة سامة، تقتل الحماس وتعرقل التقدم. كل كلمة طيبة، كل مساعدة بسيطة، كل مبادرة إيجابية، ولو بمثقال ذرة، تعود على الفرد والمكان الذي يعمل فيه بنتائج عظيمة، حتى وإن لم يدرك ذلك في البداية.
لكن هناك آفة خفية تتسلل إلى هذه التربة، فتُفسد ما يُزرع فيها، وهي آفة الغيرة والحسد. حين يرى شخص نجاح زميله، أو تقدُّم شخص آخر في بيئة العمل، قد يدفعه الحسد إلى معاداته بدلاً من دعمه. هذه المشاعر السلبية لا تؤذي المستهدف فحسب، بل تعود على الحاسد نفسه، حيث تُثقل روحه وتستهلك طاقته في مراقبة الآخرين بدلاً من تطوير ذاته. وكما أن الفلاح الذي يلوث تربته بالسموم لن يحصد شيئاً سوى الخراب، فإن الحاسد، مهما حاول، لن يجني سوى المرارة والتراجع. في المقابل، من يفرح لنجاح غيره، ويدعم زملاءه، يخلق بيئة عمل صحية ومثمرة، يكون فيها النجاح مشتركاً، تماماً كما تنمو الأشجار جنباً إلى جنب في الحقل، دون أن تمنع إحداها الأخرى من امتصاص نور الشمس.
لكن تأثير بيئة العمل لا يتوقف عند حدودها، بل يمتد إلى المجتمع الأوسع، كما تمتد جذور الأشجار في التربة، فالموظف الذي يستشعر الامتنان لوظيفته ويحترم أقرانه ويسهم في بناء بيئة عمل إيجابية، سينقل هذه القيم إلى أسرته وأصدقائه، وإيجابيته ستؤثر في محيطه. أما الموظف الحاسد، الذي يكره نجاحات زملائه ويشغل وقته بالتذمر بدلاً من تطوير ذاته والتركيز على عمله بإخلاص، فتراه في حالة من الفوضى، منشغلاً بالمقارنات التي لا تزيده إلا إحباطاً. وفي نهاية المطاف، ينعكس هذا السلوك عليه، فيجد نفسه محاطاً بالمشكلات التي هو سببها الأول. وهنا تستحضرني الآية الكريمة: «وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ»، إذ إن الإنسان هو صانع واقعه، وهو من يرسم طريق نجاحه أو عثراته بما يغرسه في قلبه من مشاعر وما يبذله من أفعال.
فما يحدث في كل مجتمع ليس إلا انعكاساً لقانون المدخلات والمخرجات. وكلما غرسنا في نفوسنا ونفوس من حولنا قيم الاجتهاد والالتزام، والنزاهة والإخلاص والتعاون، فإننا نرسم ملامح مستقبل أفضل. وحين نتهاون، أو نسمح للسلبيات بالتسلل، فإننا نُغرق أنفسنا في حلقة من التراجع والتآكل.
الآيات الكريمة تذكرنا أن كل جهد نبذله، وكل مشاعر نحملها، سواء كانت خيراً أو شراً، ستعود إلينا بشكل أو بآخر. الموظف الذي يساعد زميلاً، القائد الذي يوجّه فريقه بعدل، الفرد الذي يزرع الخير في محيطه، كلهم يصنع الفرق، حتى وإن لم يلحظوا أثره المباشر. لكن في المقابل، من ينشغل بالحسد، ويعمل على إعاقة غيره، ويأبى أن يساعد كي لا تضاف نقاط أداء إضافية لزميل عمله، فإنه كمن يحفر حفرة لنفسه، لأن الحياة تردّ لكل شخص عمله، ولو بمثقال ذرة.
في نهاية المطاف، كل واحد منا فلاح في أرض الحياة، وما نزرعه اليوم هو ما سنحصده غداً. فليكن ما نزرعه خيراً، ولو بمثقال ذرة، لأن القانون الإلهي لا يخطئ، وما يُغرس بالخير يعود أضعافاً مضاعفة، وما يُزرع بالسوء يرتد على صاحبه في حينه. «فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ».

[email protected]

20 أغسطس 2024
«الله بالأمانة»

أسماء الجناحي

بينما كنت أستمع إلى أغاني الفنان سلمان زيمان على قناة اليوتيوب، اقترح علي الموقع أغنية (الله بالأمانة) التي غنّاها الفنان البحريني ذاته وأعاد غناءها لاحقاً الفنان عبدالمجيد عبدالله. وقد لفت انتباهي عمق كلمات الأغنية ومدى تأثيرها في وجداننا، فهي- بخلاف معظم أغاني اليوم- تحمل رسائل أخلاقية وإنسانية وحكماً تتناول واقعنا الاجتماعي. 
جعلتني هذه الأغنية أفكر في حقيقة العلاقات الإنسانية في وقتنا الحالي. يصدمني ما يتم تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي من أفكار تبسط لنا التخلي عن الأشخاص- بمن فيهم الأصدقاء والمقربون- لمجرد الاختلاف بالرأي، وكأن العلاقات الإنسانية مرهونة بكبسة زر «حظر»، ويبدو أن معظمنا تأثر بهذه الظاهرة وبتنا نميل إلى التسرع في إطلاق الأحكام على الآخرين وقطع علاقاتنا دون التفكير في العواقب، ودون أن ندرك أن هذا التسرع قد يحرمنا من أجمل ما في الحياة ألا وهي الروابط الإنسانية الدافئة التي تبث فينا الأمل والقوة. لم تعد معالم العلاقات الإنسانية واضحة للجميع، ولم نعد ندرك قيمتنا في حياة الآخرين وقيمة أحبائنا في حياتنا. لا شك أن علاقاتنا قد تواجه منعطفات ومواقف صعبة تكون بمنزلة امتحانات لمتانتها وقدرتها على الاستمرار. فما الذي يحافظ على استمرارية علاقاتنا؟ 
إن معاني الامتنان وحسن الظن والوفاء تدفعنا للصبر والتحمل وتزرع فينا الإيمان بأن هذه العلاقات تستحق منا الجهد والتضحية، وأن نعمل على صون علاقاتنا بأحبائنا، حيث الشريك الذي لا يتخلى عنك مهما كانت الظروف، والصديق الذي يفهمك عندما لا تفهم نفسك، والقريب الذي يدعمك ويعينك على الصعاب. 
الوفاء هو القرار الذي نتخذه يومياً بأن نكون مخلصين لأحبائنا وأن نحافظ على متانة روابطنا مهما كلف الأمر، وهو الوعد الذي نمنحه لأنفسنا وللآخرين بأن نكون دائماً سنداً وعوناً حتى في أصعب الظروف. والأمانة في أن يستمر هذا الوفاء بيننا وبين أحبائنا هي ما يجب أن نحمله على عاتقنا. 
إن نمط الحياة الذي نعيشه اليوم يسهم في فتور علاقاتنا الإنسانية ويبعدنا عن الأصدقاء والأقارب، كما أن وسائل التواصل الاجتماعي تبسط لنا فكرة التخلي عن الآخرين أو قطع علاقات معينة بحجة أنها قد تكون مؤذية وتشجعنا على إيجاد البديل.
والحقيقة أن لكل منا روحاً فريدة وشخصية مميزة لن تجد لها بديلاً. هل يمكن أن تنهي علاقة بشخص ما لمجرد أنك لا تطيق العتب أو الدخول في نقاشات، على الرغم من أنها قد تبدد غمامة سوء الفهم وتزيل الاحتقان. ألا تستحق سنوات العشرة واللحظات الجميلة والعقبات التي تخطيتموها معاً أن تتخلى عن غرورك وتبذل جهداً في صون علاقتك بأحبائك؟ 
الوفاء جزء أصيل من إنسانيتنا وهو الحجر الأساس الذي تُبنى عليه أصدق العلاقات وأعمقها، فلنحافظ على علاقاتنا بحب وصبر ولنبذل ما بوسعنا لاستمرارية هذه العلاقات، فهي الجسر الذي يعبر بنا من ضفة الحياة المملوءة بالتحديات إلى ضفة السلام والمحبة، سيبقى هنالك دائماً الامتنان والأمانة في حفظ نسيج علاقاتنا، فلنحافظ عليها، والله الله بالأمانة.