لم يتوقف الجدل في الولايات المتحدة الأمريكية منذ أن قال الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما في أحد حلقات البودكاست إن «الفضائيين موجودون وحقيقيون»، وهو ما دفع الرئيس دونالد ترامب إلى الدخول على الخط بتأكيده أنه سوف يرفع الستار والسرية عن الوثائق التي تكشف معلومات الإدارات الأمريكية السابقة عن الكائنات الفضائية وظاهرة الأطباق الفضائية على غرار الوثائق التي رفع عنها السرية مثل ملفات إبستين وقبلها ملفات اغتيال الرئيس الأسبق جون كينيدي.
رغم تشكيك رجل الأعمال إيلون ماسك - الذي له باع طويل في العمل الفضائي، وصاحب شركة إسبيس إكس للأقمار الفضائية - في وصول الفضائيين إلى الأرض، إلا أن اختفاء اللواء المتقاعد وليام نيل من منزله في ولايه نيومكسيكو، وهو المعروف بارتباطه بالمجتمع المهتم بقضية «الأجسام الطائرة» زاد من حدة النقاش الأمريكي بين من يطالب الرئيس ترامب والكونغرس بالكشف عن الوثائق السرية للفضائيين، وبين من يدعو الرئيس السابق باراك أوباما لمصارحة ومكاشفة الشعب الأمريكي عما جرى للفضائيين في عهده، خصوصاً في ظل حديث «المؤمنين بنظرية المؤامرة» بأنه جرى «احتجاز عدد كبير من الفضائيين» في إحدى القواعد العسكرية السرية للجيش الأمريكي في عهد أوباما، وهو ما يقول إن قضية الفضائيين انتقلت من السياق العلمي إلى السجال السياسي حيث يتهم غالبية الجمهوريين الرئيسين بارك أوباما وجو بايدن بإخفاء الكثير من الحقائق والأسرار عن الشعب الأمريكي، فهل بالفعل هناك شعوب وحضارات أخرى تعيش في كواكب بعيدة يزورون الأرض بين الحين والآخر؟ وماذا عن «القاعدة 51» في غرب الولايات المتحدة بولاية نيفادا؟ وهل جرى فيها بالفعل احتجاز وحبس الفضائيين للتحقيق معهم والحصول منهم على معلومات عن مجتمعاتهم وحضارتهم؟ ومن يمكن له أن يتحدث باسم «الأرض» أو يمثل البشرية في حال إجراء حوار بين سكان الأرض والفضائيين؟
يعيش العالم طوال 8 عقود كاملة حالة من عدم اليقين حول وجود أو عدم وجود الفضائيين، وظهر أول اهتمام بغزو الفضائيين للأرض في يوليو عام 1947 عندما تحدث مزارع يدعى وليام برازيل بأنه حصل على حطام لمركبة فضائية في مزرعته بالقرب من منطقة «روزويل»، وما أكد حديث وليام برازيل أن الجيش الأمريكي أصدر في 8 يوليو من العام نفسه بياناً أقر فيه بالاستيلاء على «طبق فضائي»، لكن الجيش الأمريكي عاد وتراجع عن البيان بعد ذلك، وقال إن ما تم العثور عليه ما هو إلا «بالون طقس» يحمل راداراً عاكساً، وعرض صوراً لبقايا ورق قصدير ومطاط لإثبات ذلك، لكن رواية الجيش الأمريكي الأخيرة زادت من الجدل بأن البيت الأبيض يخفي الحقائق عن الشعب الأمريكي، وعادت القضية للظهور في أواخر السبعينيات عندما بدأ باحثون مثل ستانتون فريدمان في إجراء مقابلات مع شهود عيان، وضباط متقاعدين، مثل «جيسي مارسيل» الذي كان أول ضابط عسكري في موقع الحطام، وكشف هؤلاء الشهود أن الحطام كان مصنوعاً من مواد ذات خصائص فيزيائية مستحيلة «لا تحترق ولا تنثني» وأنهم رأوا كائنات فضائية صغيرة في الموقع جرى نقلها لاحقاً إلى قواعد سرية مثل «القاعدة 51»، وكشفت القوات الجوية الأمريكية في عام 1994 أن الحطام كان جزءاً من «مشروع موجول»، وهو مشروع بدأ العمل فيه أثناء الحرب الباردة، وجرى فيه استخدم بالونات تجسس عالية الارتفاع مزودة بميكروفونات لرصد الموجات الصوتية الناتجة عن الاختبارات النووية السوفيتية، وفي ما يتعلق بالعثور على «جثث»، فقد أوضحت الحكومة في تقرير عام 1997 أنها كانت مجرد «دمى اختبار» بشرية Anthropomorphic dummies.
تدرس إدارة الرئيس ترامب رفع السرية عن آلاف الوثائق التي تتعلق بالفضائيين، فمنذ عام 1947 هناك حديث أمريكي عن كائنات تعيش على كواكب أخرى، وأننا لسنا وحدنا على الأرض، كما أن الكونغرس الأمريكي خصص أكثر من جلسة استماع للوقوف على حقيقة وجود الفضائيين واحتمالية غزوهم للأرض، ويدور الجدل حول 4 مسارات رئيسية وهي:
وصلت نظرية المؤامرة في قضية الفضائيين الى مستويات غير مسبوقة، وهناك يقين لدى شريحة واسعة من الأمريكيين بأن البيت الأبيض يتستر على عدد كبير من الفضائيين الذين جرى اعتقالهم في القاعدة العسكرية المعروفة باسم «القاعدة 51»، ويطلق عليها الأمريكيون «قاعدة الفضائيين، بينما تطلق عليها الحكومة الأمريكية» ميدان نيفادا للاختبار والتدريب Nevada Test and Training Range.
وتعود شكوك الأمريكيين حول استضافة هذه القاعدة للفضائيين إلى إنكار الحكومات والإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ عام 1947 وجود هذه القاعدة، ثم اعترف الرئيس أوباما رسمياً بوجود هذه القاعدة عام 2013، وهي قاعدة لا تزال محاطة بالسرية، ومحظور الوصول إليها أو التصوير بالقرب منها، ومحاطة بحراسة مشددة وأجهزة مراقبة متطورة، ويحظر التحليق فوق أجوائها، ويعود سبب ارتباطها بالفضائيين إلى عام 1989 عندما ادعى رجل يدعى «بوب لازار» في برنامج تلفزيون أنه عمل بالفعل في هذه القاعدة، وأنه شاهد الكائنات الفضائية محتجزة في تلك القاعدة، وأن الحكومة الأمريكية تريد صناعة مركبات فضائية تشبه المركبات التي جاء بها الفضائيون إلى الأرض عبر «الهندسة العكسية» لتصنيع مركبة فضائية يطلق عليها «إس فور»، ومنذ ذلك الوقت زاد عدد المؤمنين باحتجاز الحكومة الأمريكية للفضائيين في تلك القاعدة حيث يروج البعض أن هذه القاعدة بها بالفعل حالياً حطام أجسام، وكائنات فضائية مجهولة، وتقع «القاعدة 51» في غرب الولايات المتحدة في ولاية نيفادا، وتبعد 135 كلم عن مدينة لاس فيجاس الشهيرة، ويطلق عليها «مطار هومي» أو «بحيرة جروم»
وتقول الحكومة الأمريكية إن الغرض الأساسي للقاعدة هو تطوير واختبار طائرات التجسس والتكنولوجيا العسكرية، وتحاط القاعدة بأجهزة استشعار للحركة وكاميرات متطورة، ويقوم حراس مسلحون بدوريات مستمرة، مع لافتات تحذر من «استخدام القوة المميتة» ضد من يقترب من القاعدة، ورغم اعتراف الحكومة بوجود القاعدة عام 2013 إلا أن الأنشطة الحالية داخلها تظل مصنفة «سرية للغاية»، وهو ما يبقي الباب مفتوحاً للتكهنات المستمرة حول ماهية الأسرار التي تجري خلف أسوارها.
أكثر من مرة يؤكد الرئيس أوباما أن الفضائيين «حقيقيون» لكنه لم يراهم، وزاد أوباما من حالة الغموض حول سجن أو احتجاز عناصر فضائية في عهده عندما قال إن أول سؤال تمنى معرفة إجابته بعد دخوله البيت الأبيض في 20 يناير 2009 هو أين يتم احتجاز الكائنات الفضائية؟ وكل هذا أثار فضول قطاعات كبيرة من الجماهير ليس فقط في الولايات المتحدة، بل في العالم كله، وحتى عندما حاول أوباما توضيح الأمر بعد ذلك فما كان التوضيح إلا تأكيداً جديداً على وجود الفضائيين من وجهة نظر البعض، فعندما قال أوباما إن الكون واسع جداً، وفيه آلاف وملايين المجرات الفضائية، وإن المسافة بين الأنظمة الشمسية واسعة وبعيدة جداً، وهو ما يؤكد وجود الكائنات الفضائية، والأكثر من كل ذلك أن أوباما اعترف بوجود لقطات وتسجيلات لأجسام فضائية، لكن الخلاصات التي كانت لديه، ولدى الحكومة الأمريكية حتى خروجه من البيت الأبيض في 20 يناير 2017 هو عدم معرفة طبيعة ما هو موجود في هذه التسجيلات، وأن الحكومة الأمريكية وأجهزة مخابراتها المختلفة لم تستطع تفسير كيفية تحرك هذه الأجسام خصوصاً أنه لم يكن لها نمط واضح يمكن تفسيره أو البناء عليه، لكن في نهاية المطاف أصدر أوباما بياناً قال فيه إنه لم يشاهد الفضائيين أو يتحدث اليهم، وإنه لم ير دليلاً واحداً على زيارة الفضائيين إلى الأرض، لكن فقط من الناحية الإحصائية التي تقول باتساع الكون فإن فرضية وجود فضائيين وكائنات تعيش في أماكن بعيده احتمال إحصائي قائم، وفق بيان الرئيس أوباما.
نظراً للاهتمام الكبير بقضية الفضائيين في الولايات المتحدة، ونظراً لأن أوباما هو «الغريم السياسي» للرئيس ترامب قرر سيد البيت الأبيض أن يكشف كل الأوراق والأسرار التي لدى الدولة الأمريكية عندما قال: «سأطلب من وزير الحرب والوزارات والوكالات الأخرى ذات الصلة بدء عملية تحديد ونشر الملفات الحكومية المتعلقة بالحياة خارج الأرض، والظواهر الجوية غير المحددة، والصحون الطائرة»، ورغم شجاعة وجرأة الخطوة التي يفكر فيها الرئيس ترامب، ومدى الجدل الذي يمكن أن يترتب عليها إلا أن الكثيرين أكدوا أن الأسرار التي تقف وراء قضية الكائنات الفضائية لا يمكن للحكومة الأمريكية أن تكشف عنها كلها، وأن الوثائق التي سوف يتم الكشف عنها سوف تكون «انتقائية» وستتم مراجعتها حتى لا تكشف أي أسرار جديدة على غرار «النشر الانتقائي» لملفات إبستين، واغتيال الرئيس جون كينيدي.
لكن ترامب يريد من نشر وثائق الفضائيين تحقيق مجموعة من الأهداف، وهي الاستجابة لرغبة المواطن الأمريكي لمعرفة الأسرار حول الكائنات الفضائية وعلاقتها بالأرض، وبالفعل أكد ترامب أنه وجد بالفعل «وثائق شديدة الأهمية، والهدف من ذلك تقديم نفسه بالرئيس» الشفاف «الذي لا يخفي شيئاً عن الأمريكيين في مواجهة أوباما والديمقراطيين المتهمين بالتغطية على ما يجري في «القاعدة 51» وغيرها من المناطق التي تدور حولها الشكوك والقصص الخيالية، وقدم ترامب وعداً واضحاً بأنه سوف يكشف أسرار الفضائيين، وكل ما يتعلق بهم قريباً جداً.
الغريب أنه بعد حديث ترامب عن استعداده لرفع السرية عن الوثائق التي لدى الحكومة الأمريكية عن الفضائيين هناك من يقول إن «الدولة العميقة» لا يمكن أن تسمح بنشر الحقيقة عن الفضائيين كما لم تسمح من قبل بنشر كل شيء في ملفات أخرى شائكة، وإن سعى ترامب لنشر بعض الوثائق يأتي في إطار الاستقطاب السياسي بين الجمهوريين والديمقراطيين عندما اتهم ترامب أوباما بإفشاء سر من أسرار البلاد، وعلى الجانب الآخر أكد رجل الأعمال وعملاق الأقمار الصناعية إيلون ماسك أنه والذين يعملون معه لم يروا من قبل أي دليل على وجود الفضائيين أو زيارتهم إلى الأرض، لكنه طرح سؤالاً ساخراً عن الطرف الذي يمكن أن يتحدث باسم الأرض مع الفضائيين حال زيارتهم أو تفاوضهم مع سكان الأرض.
على مدار عقود ارتبط اسم اللواء وليم نيل مكاسلاند بقضية الفضائيين، واختفى مكاسلاند من منزله في مدينة ألبوكيركي بولاية نيو مكسيكو في الساعة 11 صباحاً يوم 27 فبراير هذا العام، وتسبب غيابه في قلق شديد بين من يراهنون عليه لكشف أسرار الفضائيين في قاعدة أخرى هي قاعدة «رايت باترسون» حيث قاد مكاسلاند سابقاً مختبر أبحاث القوات الجوية في قاعدة «رايت باترسون»، وهي القاعدة التي تشتهر بكونها المستودع المزعوم لحطام مركبات فضائية مثل حادثة روزويل، ويوصف مكاسلاند بأنه يعرف «أكثر أسرار الولايات المتحدة حساسية» في ما يتعلق بالتكنولوجيا الفضائية والأسلحة السرية، خصوصاً أن الاختفاء جاء بعد أيام قليلة من إعلان الرئيس ترامب عن نيته رفع السرية عن ملفات الكائنات الفضائية، ما أثار تكهنات حول ما إذا كان اختفاؤه مرتبطاً بمحاولة لمنع تسريب هذه المعلومات.
في ظل عدم الحسم بين وجود أو عدم وجود الفضائيين يمكن رسم عدد من السيناريوهات حول وجود أو عدم وجود الكائنات الفضائية، وهذه السيناريوهات هي:
الأول: «وجود الكائنات الفضائية»، ويمكن أن يأخذ 3 أشكال هي:
ويفترض أن الفضائيين موجودون ويراقبوننا من بعيد كما يراقب الإنسان الحيوانات البرية في المحميات الطبيعية، لكنهم يرفضون التعاون معنا حتى لا نأخذ منهم أسرار التقدم العلمي والتقني الكبير الذي وصلوا إليه.
ويفترض أن هناك حضارات كثيرة في الكون، لكن كل حضارة تخشى أن تظهر نفسها للأخرى حتى لا تتعرض للغزو أو التدمير.
ويقول إن الحضارات المتقدمة قد تكون تحولت بالكامل إلى كائنات رقمية تعيش داخل محاكاة حاسوبية عملاقة، ولا تهتم باكتشاف الفضاء الفيزيائي أو التواصل مع حضارات «بدائية» كالبشر.
السيناريو الثاني: «عدم الوجود»، ويقول إننا نعيش وحدنا على الأقل في مجرتنا «سكة التبانة» نتيجة لمجموعة من المشاهد هي:
ويقوم على أن الظروف التي سمحت بتكوين الأرض بما فيها من أكسجين وماء وغيرها من مكونات الحياة غير موجودة في أي كوكب آخر.
ويفترض أنه بعد الدخول في عصر الذكاء الصناعي فإن مساحات وقدرات التواصل مع الكائنات الأخرى في المستقبل سوف تزيد بقوة، وأن التواصل المستقبلي لن يكون مع كائنات بشرية بل مع «مسبارات ذاتية التشغيل» تعمل بالذكاء الاصطناعي أرسلتها حضارات أخرى لمسح الكون والتعرف إلينا.
الواضح أن هذه القضية انتقلت من مجال الفضاء إلى الاستقطاب السياسي بين الجمهوريين والديمقراطيين في ظل الاقتراب من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر القادم.
[email protected]
ترتبط حياة ورفاهية المليارات من البشر حول العالم بسهولة وانسيابية وحرية الملاحة في الممرات والمضايق البحرية التي تمر عبرها نحو 80% من التجارة العالمية التي وصلت عام 2025 إلى 35 تريليون دولار، وهو ما يجعل هذه المضايق بمثابة «الشرايين الحيوية» التي تمد الجسد العالمي بمقومات الحياة، وينظر إليها باعتبارها «الصمامات الآمنة» لتدفق السلع والبضائع والخدمات حول أرجاء المسكونة، وهو ما يكشف الدور الحيوي والجيو-اقتصادي للمضايق البحرية، ومن أبرز تلك المضايق والممرات البحرية مضايق: ملقا، وهرمز، وباب المندب، وجبل طارق والدردنيل والبوسفور وماجلان وبيرنج وفلوريدا.
رسمت القوانين والاتفاقيات الدولية «خطوطاً فاصلة» بين حقوق وواجبات الدول المتشاطئة للمضايق البحرية، كما أن المعاهدات الدولية منذ القرن الماضي وضعت «خطوطاً حمراء» لأي محاولة من جانب أي دولة لعرقلة الملاحة أو التأثير السلبي على سلاسل الإمداد عبر التأكيد على الفوارق الواضحة، والتي لا تحتمل أي تأويل -بين «المرور العابر والحر» وبين ما يسمى «بالمرور البريء» عبر تحديد المسافات الدقيقة بين المياه الإقليمية «البحر الإقليمي»، والمياه الدولية، فما هي الأدوات التي يملكها العالم لضمان حرية الملاحة دون أي تهديد أو ابتزاز؟ وكيف رسخت المعاهدات الدولية لحق «المرور العابر» في المياه الدولية؟ وما هي أبرز المضايق المائية العالمية؟ وإلى أي مدى يشكل طلب رسوم أو إغلاق المضايق جريمة بحق العالم أجمع وليس فقط بحق دول وشعوب الجوار؟
منذ العصور القديمة كانت المضايق البحرية محور للصراعات والتحالفات الإقليمية والدولية، لأن من يسيطر على المضايق يستطيع توجيه مسار التفاعلات السياسية الدولية، وتكتسب المضايق البحرية أهميتها من «الجغرافيا السياسية»، لأن الجغرافيا ثابته بينما الاقتصاد والمواقف السياسية حولها تتغير، ولهذا يصف البعض المضايق بـ«نقاط الخنق» التي تتحول إلى أزمة في الاقتصاد العالمي حال إغلاق أي من هذه المضايق كما يجري الآن في مضيق هرمز، وأبرز المضايق العالمية ما يلي:
هو أكثر المضايق البحرية ازدحاماً بالسفن التجارية حيث تمر به نحو 80 ألف سفينة عملاقة سنوياً تشكل نحو 30% من التجارة العالمية، وهو البوابة الرئيسية لنقل البضائع الآسيوية من الصين واليابان وكوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا، لأنه يربط بين المحيطين الهادئ والهندي، وتشرف عليه إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، ويطلق عليه «معضلة ملقا» حيث تخشى الصين أن يقوم الجيش الأمريكي بإغلاقة حال نشوب صراع حول تايوان.
ويربط بين الخليج العربي وبحر العرب المرتبط بالمحيط الهندي، وتمر من خلاله نحو 110 سفن تجارية يومية تحمل نحو 20% من النفط المنقول بحراً، ونحو ثلث الغاز الطبيعي، وكميات كبيرة من مكونات الأسمدة الرئيسية، ولهذا أدى الإغلاق الإيراني للمضيق إلى رفع أسعار النفط والغاز والشحن والتأمين عالمياً، وعندما تقلصت كميات اليوريا والكبريت التي كانت تمر عبر مضيق هرمز أدى ذلك لرفع أسعار الغذاء عالمياً بنسبة تصل إلى 20%، وفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة العالمية «الفاو»، لكن أكثر ما يدعم العالم للتكتل والوقوف صفاً واحداً من أجل فتح مضيق هرمز أن هناك نحو 1500 سفينة محتجزة داخل الخليج العربي عليها نحو 40 ألف بحّار منهم نحو 20 ألف بحّار هندي لا يستطيعون المغادرة، كما أن الاقتصاديات الآسيوية الكبيرة التي تعتمد على النفط الخليجي مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية تأثرت بشدة، ويمكن أن تقود إطالة زمن إغلاق مضيق هرمز إلى تباطؤ في الاقتصاد العالمي أو ركود اقتصادي في نهاية المطاف.
ويربط بين آسيا وإفريقيا حيث تشرف عليه اليمن من الجانب الآسيوي، وإريتريا وجيبوتي من الجانب الإفريقي، ويربط بحر العرب وخليج عدن بالبحر الأحمر الذي ينتهي شمالاً بقناة السويس التي تربط بدورها البحر الأحمر بالبحر المتوسط، ويمر فيه نحو 13% من التجارة الدولية.
ويطلق عليهما «الممرات التركية»، نظراً لأنهما يفصلان بين الشطرين الآسيوي والأوربي من تركيا، ويصلان البحر الأسود بالبحر المتوسط، ولهما جزء رئيسي من تجارة الدول المطلة على البحر الأسود وهي تركيا وبلغاريا ورومانيا وجورجيا وأوكرانيا وروسيا، والتي تمر عبر مضيقي الدردنيل والبوسفور، ويربط بحر مرمرة بين مضيقي البوسفور والدردنيل حيث يقع البوسفور إلى الشمال، وتمر خلاله سنويا نحو 40 ألف سفينة تنقل الحبوب والمعادن والأسمدة من 6 دول تطل على البحر الأسود إلى العالم، وتسببت الرغبة في السيطرة على البوسفور في اندلاع معارك كبيرة منها معارك القرم وجاليبولي في الحرب العالمية الأولى، كما يتصارع حلف دول شمال الأطلسي «الناتو» وروسيا على بقاء نفوذهما بالقرب من البوسفور حيث رفضت روسيا انضمام جورجيا وأوكرانيا إلى حلف «الناتو»، ولهذا بالقرب من البوسفور 3 دول في «الناتو» هي تركيا وبلغاريا ورومانيا، وثلاث دول خارج «الناتو» هي روسيا وجورجيا وأوكرانيا، بينما يقع الدردنيل في الجنوب الغربي ويفصل بين شبه جزيرة جاليبولي الأوروبية وبحر إيجة الآسيوي بطول 61 كم، وتمنح اتفاقية مونترو عام 1936 تركيا السيطرة الكاملة على مضيقي الدردنيل والبوسفور.
وهو يفصل بين عالمين، أوروبا شمالاً، وإفريقيا جنوباً، ويصل البحر المتوسط شرقاً بالمحيط الأطلسي غرباً، وتطل إسبانيا ومستعمرة جبل طارق التابعة للتاج البريطاني على مضيق جبل طارق من الشمال، والمملكة المغربية من الجنوب، وهو من أفضل المضايق العالمية نظراً لعمق المياه الذي يصل لنحو 900 متر بما يسمح لجميع أنواع السفن التجارية أو العسكرية بالمرور فيه دون مسارات محددة كما هو الحال في المضايق البحرية الضيقة الأخرى، ويمر نحو 300 سفينة يومياً ونحو 100 ألف سفينة سنوياً من مضيق جبل طارق، وهو بذلك ينقل نحو 20% من التجارة الدولية.
حددت النسخة الثالثة من اتفاقية الأمم المتحدة لأعالي البحار عام 1982، والتي يطلق عليها «نسخة جاميكا» الفروق الواضحة بين «المرور العابر» و«المرور البريء»، لكن قبل عام 1982 كان هناك اتفاقيات ومعاهدات ثنائية ومتعددة الأطراف حددت بوضوح طبيعة «المرور العابر» و«المرور البريء» مثل اتفاقية 1856 والتي أكدت على حرية الملاحة في المضايق الدنماركية، ومعاهدة ليميتس بين تشيلي والأرجنتين 1881 بشأن حرية الملاحة في (مضيق ماجلان).
قبل معاهدة الأمم المتحدة لأعالي البحار عام 1982، والتي تنظم طبيعة «المرور البريء» في المياه الإقليمية أو البحر الإقليمي «كان هناك معاهدة جنيف للبحر الإقليمي والمناطق المتاخمة له عام 1958، والتي تنظم «المرور البريء»، لكنها لم تتطرق إلى «العبور العابر»، ووفق بنود ومواد «المرور البريء» في مختلف المعاهدات الدولية، والذي يطبق فقط في المضايق والممرات الصناعية أو داخل المياه الإقليمية للدولة.
ومن حق كل دولة أن تطبق «المرور البريء» في المياه الإقليمية فقط، وليس في المياه الدولية، وفي البحار المفتوحة والخليج الواسع مثل البحر الأحمر أو المتوسط تكون المياه الإقليمية للدولة بمساحة 12 ميلاً بحرياً فقط، بعد ذلك تبدأ المياه الاقتصادية، والمياه الدولية، وتبدأ المشكلة عندما تحاول الدول التي تطل على الممرات الدولية مثل مضيق هرمز تطبيق «المرور البريء» بغرض فرض قيود على مرور السفن والطائرات في تلك المناطق، مثلما تسعى إيران بدون وجه حق إلى فرض رسوم مالية على كل سفينة تمر في المضيق، وهنا لا يمكن تطبيق قاعدة 12 ميلاً بحرياً «البحر الإقليمي» على المضايق البحرية، ولهذا لا يطبق حق «المرور البريء» إلا في الممرات البحرية الصناعية التي أنشأها البشر مثل قناة السويس أو قناة بنما، وتكون داخل الدولة الواحدة، وبالنسبة للدول مثل بنما ومصر هما فقط من يحق لهما تطبيق «المرور البريء» في فرض الرسوم أو تقييد حركة السفن والطائرات التي تمر في بنما وقناة السويس، حيث يتوجب أن تكون السفينة في حالة عبور سريع ومتواصل، كما يجب على الغواصات الإبحار فوق سطح الماء، وترفع علمها، ولا يسمح للطائرات بالتحليق فوق الممرات البحرية الصناعية دون إذن مسبق، ويحق للدولة الساحلية تعليق هذا المرور مؤقتاً إذا كان ذلك ضرورياً لحماية أمنها بشرط الإعلان عن ذلك مسبقاً، ووفق هذا المفهوم لا يحق لإيران تطبيق «المرور البريء» على مضيق هرمز، لأن مضيق هرمز مضيق دولي، فإذا كانت إيران تقع على الجزء الشمالي من المضيق فإن سلطنة عمان والإمارات تقعان على الجانب الجنوبي من المضيق أيضاً، ولهذا هو ممر دولي، وليس ممراً صناعياً أو ممراً داخلياً داخل الأراضي الإيرانية، ولهذا لا يحق لإيران إغلاق المضيق أو فرض رسوم أو وضع بروتوكول خاص بها لتيسير العمل في المضيق، لأن إيران نفسها وقعت على اتفاقية الأمم المتحدة لأعالي البحار عام 1982، وهي الاتفاقية التي دخلت حيز التنفيذ 1994.
يطبق «المرور العابر» في المضايق الدولية التي تربط بين جزء من أعالي البحار أو المنطقة الاقتصادية الخالصة للدول المتشاطئة، التي تمتد في بعض البحار والمحيطات العريضة إلى نحو 400 ميل بحري كما هو الحال في مضايق هرمز، وملقا، وجبل طارق، وباب المندب، وهو «حق موسع» ويسمح بالمرور ليس فقط للسفن، بل للطائرات دون معوقات، ما دامت تلتزم بالسرعة وعدم التهديد بالقوة، ويسمح فيه للغواصات بالعبور وهي مغمورة تحت الماء بوضعها العملياتي المعتاد، ويشمل هذا الحق التحليق الجوي للطائرات العسكرية والمدنية فوق المضيق دون الحاجة لاستئذان الدولة المتشاطئة. 4 محاور للحماية
يحتاج الحفاظ على حرية الملاحة تطبيق استراتيجية دولية تجمع بين الضغط الدبلوماسي، والعقوبات الاقتصادية والردع العسكري، والتي يمكن أن تأخد 4 مسارات رئيسية وهي:
حال عدم الالتزام بحرية الملاحة يتوجب على المجتمع الدولي الحفاظ على حرية الملاحة من خلال تشكيل تحالفات عسكرية دولية لحماية حرية الملاحة كما يفعل الأسطول الأمريكي في مضيق، فورموزا، الذي يربط بين البر الصيني وجزيرة تايوان، وسبق للولايات المتحدة أن شكلت القوة البحرية المشتركة اللازمة لحماية الملاحة في الشرق الأوسط والمحيط الهندي منذ عام 2002، التي عملت على حرية الملاحة في مضيق هرمز منذ 24 عاماً، ومثل تحالف «قوة الازدهار» الذي جري تشكيلة عام 2023 لحماية الملاحة في البحر الأحمر، وكذلك قوة «أسبيدس الأوروبية» التي تشكلت في 19 فبراير 2024 لحماية الملاحة في خليج عدن والبحر الأحمر وباب المندب.
وهو سيناريو تكرر أثناء الحرب العراقية الإيرانية عندما استهدفت إيران بشكل مكثف السفن التجارية المتوجهة إلى الموانئ الخليجية بداية من عام 1984، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى مرافقة وحماية السفن التجارية في الخليج العربي، ونظراً لمرور نحو 120 سفينة تجارية في مضيق هرمز يومياً في الوقت الحالي تحتاج الولايات المتحدة إلى دعم من شركائها الأوروبيين وفي «حلف الناتو» .
أفضل وسيلة للحفاظ على حرية الملاحة بشكل مستدام في المضايق المائية هو عدم الرضوخ للتهديدات أو الابتزاز بدفع الرسوم وهي مليونا دولار على كل سفينة، كما يسعى الحرس الثوري الإيراني، لأن نجاح الابتزاز في مضيق هرمز سوف يشجع أطرافاً أخرى على فرض رسوم في مضايق وممرات دولية أخرى، وهذا الأمر يمكن أن يؤدي الى انهيار التجارة الدولية، وعودة الكساد.
أفضل وسيلة لمنع تكرار إغلاق مضيق هرمز أو غيره من المضايق هو تفريغ المضيق من مضمونة عبر توفير طرق وبدائل برية وسكك حديدية وبحرية كما فعلت السعودية في بناء خط لنقل النفط من شرق السعودية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر والذي يطلق عليه خط «شرق- غرب»، وبناء دولة الإمارات لخط «حبشان- الفجيرة» لنقل النفط إلى بحر العرب مباشرة، ويمكن بناء خطوط مماثلة تربط الدول الخليجية مع موانئ سلطنة عمان خارج المضيق في اتجاه المحيط الهندي، وهو ما يجعل الضغط على الاقتصاد العالمي عبر إغلاق المضيق أمراً غير قابل للتكرار.
التاريخ يعلمنا أن خطورة أي سلاح تكمن فقط في استخدامة في المرة الأولى، وبعد ذلك لا يعد هذا السلاح فعالاً، وما قامت به إيران من تسليح الملاحة في مضيق هرمز لن يكون له أي جدوى في المستقبل، لأن الجميع بدأ بالفعل في العمل على بدائل لمضيق هرمز.
[email protected]
على الرغم من الخلاف الأيديولوجي الظاهري بين التنظيم الدولي «للإخوان» ونظام ولاية الفقيه، إلا أن الواقع يكشف عن تعاون كامل، بين «الإخوان»، وأتباع الخميني منذ أكثر من 9 عقود، عندما جاء الخميني إلى القاهرة ليلتقي مؤسس «الإخوان» حسن البنا، حيث نقل الخميني كل تكتيكات «الإخوان»، وأسس اللقاء لكل أشكال التعاون بين تنظيمات «الإسلام السياسي»، وكانت العلاقة بين «الإخوان» وأتباع الخميني في الفترة من 1939 وحتى 1979 بمثابة «الرافعة القوية» لتأسيس نظام الخميني في باريس، قبل أن ينتقل إلى إيران - حيث قام علي خامنئي بترجمة كتب سيد قطب التي تدعو إلى العنف والقتل، ومنها كتاب «المستقبل لهذا الدين» عام 1966، لكن بعنوان آخر «بيان ضد الحضارة الغربية»، وأضاف له مقدمه أشاد فيها بكتابات سيد قطب، ووصف مادة هذه الكتاب بأنها «مادة ثورية» تسهم في تأجيج الثورات ضد الحكومات في العالمين، العربي والإسلامي.
نقل علي خامنئي - الذي اغتالته إسرائيل يوم 28 فبراير الماضي - إلى اللغة الفارسية بعض أجزاء كتاب سيد قطب «في ظلال القرآن»، ونقل معه آليات التنظيم الخاص ل«الإخوان» في التخلص من المعارضين لهم، وتصفيتهم جسدياً، ما أسس للعمليات الانتحارية التي تتبناها الميليشيات الإيرانية، وجميع التنظيمات التكفيرية التي خرجت من رحم «الإخوان»، أو تلك التي يرعاها ويموّلها الولي الفقيه.
نتيجة لهذه «العلاقة العضوية» بين «الإخوان» وأتباع الخميني، اعتبر تنظيم «الإخوان» نجاح «الثورة الخمينية» في إيران عام 1979 نجاحاً «للإخوان»، وخرج «الإخوان» في تظاهرات في الجامعات المصرية ابتهاجاً بالثورة الخمينية، ورفعوا شعارات تشيد بثورة الخميني، واعتبروا نجاح ثورة الخميني مقدمة لسيطرتهم على الحكم في الدول الإسلامية «السنيّة»، وكتبت مجلة الدعوة التابعة «للإخوان» بعد نجاح ثورة الخميني، أن هذا النجاح هو لكل «الإسلام الحركي»، وهي تقصد كل التنظيمات التابعة «للإخوان» أو المرشد الإيراني، وعندما اندلعت حرب السنوات الثماني بين إيران والعراق عام 1980 وقف فريق كبير من «الإخوان» بجانب إيران ضد العراق، ما شكّل صدمة لبعض الجماهير السنيّة التي كانت تعتقد أن هناك فجوات وخلافات عميقة بين «الإخوان» وأنصار الخميني، وعندما اقترب «الإخوان» من الحكم في عدد من الدول العربية بعد ثورات ما يسمى «بالربيع العربي»، كانت إيران وميليشياتها في المنطقة من أكثر الداعمين لهذه التحركات «الإخوانية»، ولهذا وجّه المرشد الإيراني علي خامنئي خطاباً «باللغة العربية» يوم 4 فبراير 2011 إلى المتظاهرين في مصر وتونس، ووصف تظاهرات الربيع العربي بأنها «استكمال للثورة الخمينية» التي جاءت قبل 31 عاماً من تظاهرات ميدان التحرير في مصر... فما هي جذور التعاون بين الحركات المتطرفة التي خرجت من عباءة «الإخوان» ونظام ولاية الفقيه؟ وكيف يعمل كل من «الإخوان» والتنظيمات الإيرانية على خلق هشاشة أمنية وفكرية في المنطقة، بهدف استغلالها للوصول للحكم في عدد من الدول العربية والإسلامية؟
لا ينبع تأييد «الإخوان» لإيران في الحرب الحالية من فراغ، فكل كتائب «الإخوان»، داخل وخارج العالم العربي والإسلامي، تدعم بشكل أعمى السلوك الإيراني، بما فيه استهداف «الحرس الثوري» لدول مجلس التعاون الخليجي والأردن، ويعود ذلك إلى الاتفاق الكامل بين الطرفين في الأدوات والأهداف، ومنها «تصدير الثورات والفوضى والخراب»، حيث يرى «الإخوان» منذ 5 عقود ماضية، أن رغبة إيران في تصدير الثورة الخمينية يتفق تماماً مع فكرهم القائم على تصدير الأيديولوجيا المتطرفة والظلامية الخاصة بهم إلى كل الدول.
ويعود ذلك عملياً، إلى أن الفريقين ينهلان من المصدر الفكري المتطرف نفسه، فعلى سبيل المثال يتم تدريس أفكار سيد قطب وأبو الأعلى المودودي «للحرس الثوري» الإيراني، وقوات الباسيج، وهي أفكار قدّمها الخميني، وخامنئي، وقادة الثورة الخمينية، إلى البيئة الحاضنة لهم منذ بدء العلاقة بين تنظيم «الإخوان» وجماعة «فدائيي الإسلام»، بقيادة رجل الدين الإيراني «مجتبى ميرلوحي»، المعروف باسم نواب صفوي، وتُعد «فدائيي الإسلام» هي البذرة الأولى لتأسيس «حزب الدعوة» العراقي الذي تأسس في النجف الأشرف، وكان بمثابة «القاطرة» التي تدعم تحركات الخميني في الفترة منذ عام 1964 وحتى قيام الثورة الخمينية عام 1979، وكان لهذا الحزب سطوة، بخاصة على أتباع الخميني، لأنه كان مرتبطاً بالحوزات الدينية الشيعية في قم والنجف الأشرف، وتعود هذه العلاقة إلى لقاء خاص عام 1954 سبق أن رتّبه الخميني في القاهرة، وجمع فيه قيادات «الإخوان» مع نائب صفوي، ونقل صفوي بعدها كل ما يعرفه «الإخوان» عن تأسيس التنظيمات المسلحة، والتخلص من المعارضين السياسيين، ولهذا لم يكتفِ الخميني بتأييد اغتيال الرئيس أنور السادات في أكتوبر 1981، بل قام بتسمية الشارع الذي توجد فيه السفارة المصرية في طهران باسم خالد الإسلامبولي، قاتل السادات، وعندما وصل «الإخوان» إلى حكم مصر سارع الرئيس «الإخواني» محمد مرسي، إلى دعوة نظيره الإيراني أحمدي نجاد لزيارة القاهرة، وسمح «الإخوان» للرئيس نجاد بإلقاء خطاب في الجامع الأزهر، كما أن مرسي نفسه زار طهران، كأول رئيس مصري يزورها بعد 34 عاماً من قطع العلاقات الدبلوماسية بين طهران والقاهرة.
على الرغم مما يبدو من منهجية وأهداف مختلفة بين التنظيمات الإرهابية من مختلف المذاهب إلا أن المدقق في خطابهم السياسي وتحركاتهم الميدانية تؤكد أنهم يعملون وفق «منهجية واحدة»، و«أهداف مشتركة»، فقد تأسس «حزب الإصلاح» التابع «للإخوان المسلمين» في إيران عقب الثورة الخمينية مباشرة، وترأسه في ذلك عبد الرحمن بيراني، كما أسس «الإخوان» في طهران عقب ثورة الخميني «جمعية الدعوة والإصلاح» التي تروج لأفكار «الإخوان»، وسيد قطب، وكل هذا يؤكد التناغم الكامل بين أهداف الثورة الخمينية وتيارات «الإخوان»، حيث عمل الجانبان على مقاربات مشتركة، وأبرز هذه المقاربات هي:
يكشف سلوك التيارات «الإخوانية» والظلامية والميليشيات التي خرجت من ولاية الفقيه استعدادها للتعاون مع الشيطان من أجل تحقيق أهدافها، ولهذا تعمل إيران و«حزب الله» مع تجار المخدرات في أمريكا اللاتينية من أجل جمع المال، ولعل تجارة «حزب الله» في الكبتاجون وتصديرها إلى الخارج، يكشف عن هذا السلوك الإجرامي الذي يضاف إلى السلوك الإرهابي، ولهذا صنفت وزارة الخارجية الأمريكية «حزب الله اللبناني» جماعة «إجرامية وإرهابية»، ونفس الأمر بالنسبة إلى جماعات العنف المنبثقة من «الإخوان»، مثل «داعش» و«القاعدة» و«الجهاد».
كل من التنظيمات الظلامية، الشيعية والسنية، ترفض أيّ طرح إسلامي آخر، وتسعى دائماً إلى احتكار «السردية الإسلامية»، على الرغم من أن أغلبية ضحايا تيارات العنف الديني هم من المسلمين، ففي السودان، على سبيل المثال، يرفض «إخوان السودان» وقف الحرب، على الرغم من أن جميع ضحايا الحرب من المسلمين.
على الرغم من أن القضية الفلسطينية قضية سياسية واضحة تقوم على احتلال الأرض، وصدور قرارات دولية بشأنها من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، قبل قيام الثورة الخمينية بعقود، إلا أن التنظيمات الإرهابية سواء «الإخوان» أو النظام الإيراني «يوظفون» القضية الفلسطينية لتحقيق أهداف سياسية خاصة بهما، عبر المزايدة على مواقف الدول العربية والإسلامية، ولهذا، فإن تحليل مواقف هذه التنظيمات يؤكد أنها تسهم في تعميق الانقسام الفلسطيني الذي يُعد من أبرز عوامل ضعف القضية الفلسطينية.
تلتقي كل التنظيمات الإرهابية على هدف واحد، هو قيام دولة عابرة للحدود يطلق عليها «الإمامة» في المذهب الشيعي، و«الخلافة» لدى تيارات «الإخوان»، ومنذ سقوط الخلافة العثمانية عام 1924 يروّج «الإخوان» بأن هدفهم هو إقامة «الخلافة»، وأخذ الخميني فكرة الإمامة من مبدأ «الخلافة» عند «الإخوان»، كما استقى منهم «منصب المرشد»، ففي كلا التنظيمات الإيرانية و«الإخوانية»، يوجد منصب «المرشد الأعلى» الذي يجمع كل السلطات، الدينية والاقتصادية والعسكرية والسياسية، في يده، وكان هذا واضحاً في رسائل حسن البنا، وخاصة رسالته في المؤتمر الخامس التي أكد فيها أن هدف جماعته هو إحياء الخلافة «الدولة العابرة للحدود»، وهنا تلتقي الدعوة إلى «الحاكمية» عند التيارات «الإخوانية» مع الدعوة «لولاية الفقيه» عند التيارات الإيرانية، ويرتبط كل هذا بمفهوم قائم على «التوسع الخارجي» وهو ما يقوم به «فيلق القدس» التابع «للحرس الثوري» الإيراني، في العراق واليمن ولبنان، لأن الطرفين يؤمنان بأن السلطة السياسية حق إلهي للنخبة المؤمنة.
يُعد السودان في الوقت الحالي نموذجاً للتعاون بين إيران و«الإخوان»، حيث تدعم إيران التيارات «الإخوانية» في جيش بورتسودان بالطائرات المسيّرة من طراز «مهاجر 6»، و«أبابيل 3»، إضافة إلى صواريخ «الصاعقة 2»، وصواريخ المدفعية، وكميات كبيرة من الذخيرة جرى نقلها عبر 9 شحنات نقل جوي بحسب موقع «فلايت رادار»، الذي يتابع حركة الطيران، ما أسهم في فك الحصار عن البرهان عام 2023 عندما كان محاصراً في مقر قيادة الجيش في الخرطوم، وتعتبر كتيبة البراء بن ملك «الإخوانية» أن الدعم العسكري الإيراني هو الذي ساعدها في استعادة مثلث الخرطوم، وأم درمان، والخرطوم بحري.
ووفق وثائق أمريكية، فإن إيران زادت من دعمها العسكري المباشر للكتائب «الإخوانية» في جيش بورتسودان، منذ ديسمبر 2024، وتقدم طهران تدريباً عالي المستوى على يد عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني للكتائب «الإخوانية» في جيش البرهان، فضلاً عن تقديم طهران إمدادات من الوقود والأدوية لحكومة بورتسودان، مع تسهيلات لعلاج جرحى العمليات العسكرية، ويناقش الطرفان إنشاء فرع بنك إيراني في السودان لتسهيل التحويلات المالية، والدعم الاقتصادي المباشر بين الطرفين، وسبق للطرفين عام 2025 مناقشة إنشاء قاعدة عسكرية إيرانية في منطقة «أوسيف»، على البحر الأحمر مقابل استمرار الدعم العسكري الإيراني للمجموعات «الإخوانية» في جيش بورتسودان، وعلى الرغم من الضغوط الهائلة على النظام الإيراني أثناء 40 يوماً من الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، إلا أن إيران أرسلت وفداً إلى بورتسودان خلال فترة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وكان الهدف هو مراقبة إيران بدعم من جيش البرهان للتحركات البحرية الأمريكية في البحر الأحمر، ما دفع حاملة الطائرات الأمريكية جورج بوش الابن، إلى الذهاب إلى الخليج العربي عبر طريق رأس الرجاء الصالح.
ويرتبط «إخوان السودان» بعلاقة قوية مع تيار الخميني قبل نجاح ثورة الولي الفقيه، عندما التقى زعيم الحركة الإسلامية السودانية حسن الترابي بالخميني في باريس، وبعد وصول «الإخوان» إلى السلطة في السودان عام 1989، تعمقت هذه العلاقة، بعد أن وجدت إيران في السودان منصة لنشر نفوذها في إفريقيا، بينما سعى «إخوان السودان» للحصول على دعم عسكري واقتصادي، ما يقول إن إيران تساعد في إعادة إنتاج نظام «الإخوان» في السودان تحت مظلة جديدة، ما قد يضع السودان أمام «عزلة دولية» مشابهة لتلك التي عاشها في تسعينيات القرن الماضي.
المؤكد أن العلاقات القوية التي تجمع التيارات «الإخوانية» والميليشيات الإيرانية ليست جديدة، وأن هناك علاقات قديمة وممتدة منذ عام 1939، ما يؤكد أن هذه التنظيمات لا تخدع منافسيها وأعداءها فقط، بل تخدع أتباعها أيضاً، عندما تروج هذه التنظيمات في الظاهر للخلافات، بينما حقيقة الأمر تعاون وتشابك مصالح تحت عباءة «الإخوان».
[email protected]
رغم الخلافات والاختلافات المذهبية والأيديولوجية بين التنظيمات الإرهابية والتكفيرية إلا أنها جميعها ترى في الدولة الوطنية «كياناً طارئاً» و«صناعة استعمارية» يجب تحطيمها حتى تكون الظروف جاهزة لهم للوصول إلى أهدافهم بتشكيل «جماعة عابرة للحدود» لتحقيق أهداف «ولاية الفقيه» أو «الخلافة»، ولهذا فإن أول ما قام به تنظيم داعش في 11 يونيو عام 2014 هو إزالة الحدود بين العراق وسوريا، كما أن عناصر حزب الله اللبناني لا يحترمون الحدود الوطنية للدول عندما ينتقلون لتدريب الميليشيات في سوريا والعراق واليمن، وظل «تقويض السيادة» وهدم صورة الدولة هو الهدف الأول الذي تعمل عليه التنظيمات الإرهابية من مختلف المذاهب بما يؤدي في النهاية إلى «تقويض وتآكل شرعية الدولة» في عيون مواطنيها.
خير شاهد على الخسائر التي تتسبب فيها التنظيمات الإرهابية هو ما جرى في السودان، وكيف تسبب الإخوان في انفصال الجنوب عن الشمال في نوفمبر 2011، وقتل آلاف المواطنين من أبناء دارفور، ثم التسبب في الحرب الحالية التي دخلت عامها الرابع في 15 إبريل الماضي، وهو نفس السلوك الذي يقوم به حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، وكلها باتت تنظيمات تنشر الخراب وعدم الاستقرار في المنطقة كلها. وخلال العقدين الماضيين تماهت الأدوات والأهداف التي تعمل بها التنظيمات الإرهابية حيث سعى تنظيم الإخوان إلى السيطرة على المنطقة العربية عبر ما سمي بثورات «الربيع العربي»، وتوسع داعش والقاعدة ليس فقط في سوريا والعراق، بل وصلا إلى مناطق بعيدة منها مساحات واسعة في آسيا الوسطى، وجنوب القوقاز، وجنوب وجنوب شرق آسيا خصوصاً تنظيم «داعش خرسان»، ناهيك عن الانتشار غير المسبوق للجماعات الإرهابية في مناطق الساحل والصحراء، وغرب إفريقيا، ومنطقة القرن الإفريقي وبحيرة تشاد.
وإذا كان هذا يتعلق بالتنظيمات السنية فإن نفس الأمر قائم بالنسبة للتنظيمات الشيعية بعد أن عمل «فيلق القدس» بقيادة قاسم سليماني على تمويل وتعزيز القدرات العسكرية لقوات «الحشد الشعبي» التي تتكون من 70 ميليشيا ومجموعة عسكرية لتكون ذراع إيران في العراق والمشرق العربي، بالإضافة إلى تشكيل ما يسمى «الفصائل الولائية» التي تؤمن بولاية الفقيه مثل كتائب حزب الله العراقي، وعصائب أهل الحق، ومنظمة بدر، وحركة النجباء، وفرقة العباس، ولواء علي الأكبر، ناهيك عن «لواء الفاطميون» و«لواء الزينبيون»، وتعمل هذه التنظيمات على تحقيق هدف رئيسي هو «تصدير الثورة الخومينية» كما ينص الدستور الإيراني، وتصدير نموذج الحكم الإيراني إلى الخارج، وجعل الولاء السياسي والمذهبي مرتبطاً بالمرشد الأعلى في طهران بدلاً من الأوطان، وهو ما كشفت عنه التحقيقات الأخيرة مع التنظيمات الإرهابية التي تم ضبطها في الإمارات والكويت في شهر إبريل الفائت. وبدعم من الحرس الثوري الإيراني ذهب حزب الله اللبناني بعيداً إلى منطقة المثلث الحدودي بين الأرجنتين والبرازيل وباراجواي لتهريب المخدرات، وغسل الأموال وشراء السلاح، وتوجد خلايا تدعمها إيران في غرب إفريقيا مثل نيجيريا وساحل العاج، كما أعلنت الدول الأوروبية أكثر من مرة عن أنشطة للحرس الثوري الإيراني خصوصاً في ألمانيا وهولندا، وهو ما دفع دول الاتحاد الأوروبي مؤخراً إلى تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية.
ونتيجة لكل هذا فإن الأثر الوحيد التي تتركه التنظيمات الإرهابية في أوطانها هو الفقر والتخريب والاستنزاف حيث تحل القنابل والأحزمة الناسفة محل التنمية والازدهار، كما أدت سيطرة التنظيمات المتطرفة على بعض الدول مثل اليمن والعراق ولبنان وبوركينا فاسو وإفريقيا الوسطى وباقي دول الساحل والصحراء إلى تعميق الفقر، وتدمير البنية التحتية، وهي خسائر تقدر بتريليونات الدولارات، الأمر الذي أعاد مجتمعات ودولاً كثيرة إلى الوراء عشرات السنوات.. فما هي العوامل المشتركة بين كل التنظيمات الإرهابية من مختلف المذاهب؟ وما هي الأدوات التي يعملون بها، والأهداف التي تسعى إليها كل جماعة من تلك التنظيمات الظلامية؟
لا يوجد اختلاف في الأدوات التي تعمل بها وعليها جميع التنظيمات الإرهابية المدعومة من «ولاية الفقيه» أو «التنظيم الدولي للإخوان»، وأبرز تلك الأدوات هي:
أول ما تعمل عليه التنظيمات الإرهابية هو إضعاف الجيوش الوطنية وإخراجها من الخدمة كما فعلوا عملياً في اليمن عبر حروب الحوثيين الست ضد الجيش اليمني، ونفس السيناريو جرى في العراق عبر الحشد الشعبي، وفي لبنان عبر «حزب الله»، ولهذا تبدأ التنظيمات الإرهابية باستهداف القوى الأمنية. وليس الهدف فقط هو قتل الجنود والضباط، بل كسر صورة الدولة التي تقدم الأمن والسلام والاستقرار للمواطن، حتى يشعر هذا المواطن بأن أفراد جيشه وشرطته غير قادرين على حماية أنفسهم بما يزعزع إيمان المواطن بقدرة الأجهزة الأمنية لبلاده على حمايته، وهو ما يفتح الباب لظهور «بدائل أمنية» ميليشياوية.
وفق مفهوم الدولة الوطنية فإن الدولة والحكومة الشرعية هي التي تحتكر «الاستخدام المشروع للقوة»، التي دائماً تكون في إطار القانون، وبما يحافظ على النسيج الاجتماعي والسياسي للدولة، لكن التنظيمات الإرهابية، مثل داعش والقاعدة وحزب الله والحوثيين وميليشيات الحشد الشعبي، تعمل دائماً على تجاوز أحد أهم أركان السيادة الوطنية عبر استخدامها القوة، وشراء السلاح، وممارسة القتل وفق قوانينها الخاصة، بهدف خلق «دويلات» داخل الدولة، وهو ما ساهم في انتشار الحروب الأهلية، وفقدان الأمن والسلم الأهلي، ولهذا تصور التنظيمات الظلامية الدساتير والقوانين كأنها «كفر أو تبعية للخارج» حتى تنزع الشرعية عن القضاء ومؤسسات التشريع، ليكون «قانون الغابة» أو أحكام التنظيم هي المرجع الوحيد، ويؤدي كل ذلك في النهاية إلى فقدان هيبة القانون وتراجع مكانة مؤسسات الدولة.
أخطر ما تمثله التنظيمات الإرهابية أنها باتت بمثابة «جيوش موازية» داخل دولها، وتملك مقدرات عسكرية أكثر من الجيوش الوطنية ذاتها، كما هو الحال في لبنان والعراق حيث يمتلك حزب الله والحشد الشعبي قدرات عسكرية كبيرة تفوق ما لدى الجيشين اللبناني والعراقي، خصوصاً ما يتعلق بالمسيرات الانتحارية، والصواريخ البالستية والصواريخ المجنحة، وغالبية هذه الأسلحة تأتي من إيران أو يقوم الحرس الثوري بشرائها لصالح تلك التنظيمات، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى تهديد مصادر الطاقة والممرات البحرية عبر تلك الجيوش الموازية.
تقديم الخدمات عبر مؤسسات الدولة وجهازها الإداري هو ما يربط المواطن بدولته على مدار الساعة حيث يتلامس مع هذه الخدمات بشكل يومي، وحتى تقدم الجماعات الإرهابية نفسها كبديل للدولة تقوم بتدمير الأصول التي تقدم هذه الخدمات مثل محطات الكهرباء وخطوط الغاز والمدارس والمستشفيات، والهدف هو إظهار الدولة في مظهر العاجز عن تقديم الخدمات الأساسية. ومع ظهور الفراغ في الخدمات تبدأ تلك التنظيمات في تقديم نفسها بديلاً إدارياً للدولة يوفر الخدمات لمن يدين لها بالولاء، وهو ما جاء بالضبط في كتاب «إدارة التوحش» الذي نشره تنظيم القاعدة عام 2004، وبات دليلاً لكل التنظيمات الإرهابية السنية والشيعية، حيث يشرح كيفية استهداف تلك التنظيمات لقطاعات حيوية مثل السياحة والاستثمار الأجنبي، لأن فقر الدولة وضعف مواردها يحدان من قدرتها على التنمية، ويؤديان إلى زيادة معدلات البطالة، وهي عناصر ضرورية للبيئة الاجتماعية التي تستغلها التنظيمات لتجنيد الشباب المحبطين والفقراء، كما جرى في جنوب لبنان في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، ويجري الآن في مناطق كثيرة في إفريقيا وآسيا، فالدولة بكل مؤسساتها الوطنية وقوانينها المستقرة هي العائق الحقيقي أمام تمدد التنظيمات الإرهابية، ولهذا فإن استراتيجية التنظيمات التكفيرية لا تقتصر على الهجمات على الجيش والشرطة والقضاء، بل تركز على المرافق الإدارية والخدماتية حتى تصبح الدولة مشلولة وغير قادرة على القيام بدورها.
رغم أن دوافع هذه التنظيمات سياسية وهدفها النهائي هو السيطرة على الحكم، إلا أنها تقوم على توظيف الدين أو المذهب ضد كل من يخالفها أو يعترض عليها، ولهذا نجد الضحايا المسلمين من العمليات الإرهابية هم الأكثر في العالم، فالخلافات بين تلك التنظيمات حادة، وصراعاتها وجودية، ولهذا قامت التنظيمات السنية بتكفير ليس فقط غير المسلمين، بل كل مسلم يرفض منطقها وسرديتها، الأمر الذي خلق حالة من الانقسام في المجتمع. والأمر نفسه لدى التنظيمات الإرهابية التابعة لإيران تعتمد «استراتيجية المظلومية التاريخية» والارتهان لدولة وقوى خارجية ما جعل المواطنة تبدو «ثانوية» للغاية عند مقارنتها بانتمائهم وولائهم للمذهب، وهو ما قاد في النهاية إلى ضعف «الهوية الوطنية الجامعة» واستبدالها بهويات فرعية متصارعة ومتقاتلة، فجماعات الإخوان وداعش والقاعدة وبوكو حرام وحزب الله والحشد الشعبي والحوثيين هم في الأساس «أدوات» لهدم الدول، وتوفير مبررات للتدخل الخارجي، وهو ما يحول جغرافيا الوطن إلى ساحة للنفوذ الخارجي.
تتفق جميع التنظيمات الإرهابية في أنها تشعر بالاستعلاء على باقي طبقات المجتمع، وهو ما يعطيها الحق - وفق منهاجها- لاستحلال دماء وممتلكات الشعب والدولة بعد ذلك، وفي سبيل تبرير تكفير المجتمع تستند الجماعات التكفيرية إلى ما جاء في كتب قادة «الإخوان وولاية الفقيه» كأساس لانفرادها بالتشريع والسيطرة على «السلطة المطلقة»، واعتبار أي نظام قانوني أو سياسي خارجاً عن الإسلام. وتستخدم هذه التنظيمات هذه الأدوات لشرعنة العنف، وذلك عبر التشكيك في المجالس التشريعية والنيابية، ولهذا يشبهون المجتمعات الحديثة بالمجتمعات الجاهلية التي كانت قبل الإسلام، بما يبرر لهم القتل وشن الحروب تحت عنوان «الجهاد المسلح» لإسقاط الدولة، وهو ما نراه في عمليات الاغتيالات السياسية عند التنظيمات السنية، و«الثلث المعطل» الذي ظل يقوم به حزب الله في لبنان من أجل تعطيل عمل البرلمان، والترهيب بقوة السلاح، وهو ما يشكل ضرباً للوحدة الوطنية والنسيج السياسي للدولة التي تعتمد على «مبدأ المواطنة» بينما يعمل الإرهابيون على الانقسامات وإثارة النعرات الطائفية والعرقية، وتفتيت المجتمع إلى هويات فرعية متصارعة حتى يكون الولاء للتنظيم أو الطائفة مقدماً على الولاء للوطن.
لعل مسمى «بوكو حرام» أو «التعليم حرام» لأبرز جماعة إرهابية في إفريقيا خير شاهد على سعي التنظيمات المتطرفة إلى القضاء على التفكير النقدي للمجتمع، والسعي إلى نشر الجهل حتى يمكن السيطرة على المجتمع بسهولة، لأن التنظيمات الظلامية تعلم أن العقل النقدي والوعي الوطني هما خط الدفاع الأول عن مؤسسات الدولة، ولهذا أول ما تقوم به التنظيمات الإرهابية في المناطق التي تسيطر عليها هو تغيير المناهج الدراسية حيث تلغي فيها مفهوم الوطن، ومعنى الحدود.
تعمل كافة التنظيمات الإرهابية على تحويل مجتمعاتها إلى «ساحة مقايضة» لصالح قضايا التنظيم أو «الولي الفقيه» حيث دخلت التنظيمات الإرهابية إلى جانب إيران في حربها ضد إسرائيل والولايات المتحدة، وتستغل إيران الحشد الشعبي وحزب الله اللبناني والحوثيين أوراقاً تفاوضية مع الولايات المتحدة في الملفات النووية والصاروخية، وكلما زاد الضغط على النظام الإيراني زاد من تحريك هذه الأدوات الإرهابية في الدول العربية، وهو ما يؤكد أن أهداف هذه التنظيمات ليست وطنية أو إصلاحية، بل هي أهداف جيوسياسية ترمي إلى تحويل الدول التي تنشط فيها من دول ذات سيادة إلى دول تابعة أو ضمن محاور ممزقة تدور في فلك المشروع الإيراني.
لدى التنظيمات الإرهابية بمختلف مذاهبها أدوات تمويلية متشابهة، فهي تتعاون مع المجموعات الإجرامية ومهربي المخدرات والكبتاجون لشراء السلاح وحشد المقاتلين، وبات لدى تلك التنظيمات استثمارات ضخمة مثل استثمارات «الإخوان» في العقارات القديمة في لندن، وتجارة الألماس في إفريقيا، وغسل الأموال في أمريكا اللاتينية والكاريبي. كما باتت تلك الجماعات تحصل على تبرعات بالعملات المشفرة يصعب مراقبتها أو مصادرتها، ناهيك عن استخدام غرف الدردشة المغلقة والألعاب الإلكترونية لتجنيد الشباب في صفوفها.
في الحلقة المقبلة سوف نكشف العلاقة العضوية والفكرية بين مختلف التنظيمات الإرهابية، وكيف يدعم تنظيم الإخوان والميليشيات الشيعية بعضها، وكيف تأثر الخوميني بكتب سيد قطب، ولماذا تظاهر «الإخوان» في الجامعات والساحات دعماً للثورة الخومينية عام 1979، ولماذا دعم المرشد الثاني علي خامنئي المتظاهرين في ميدان التحرير في خطاب متلفز باللغة العربية؟
[email protected]
الوطن في عقيدتهم «حفنة تراب»، لا يعترفون «بالدولة الوطنية»، أدواتهم تقوم على التخريب والتدمير ، أهدافهم لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالأهداف الدينية السامية، «توظيف الدين» منهج ثابت لديهم من أجل تحقيق مآرب سياسية خارجية، خيانة شعوبهم، وتآمرهم مع كل أعداء الوطن لا يحرك لهم جفن، ليس لديهم مانع في التحالف مع الجماعات الإجرامية العابرة للحدود.
نتحدث هنا عن التنظيمات الظلامية الإرهابية من مختلف المذاهب ، وعلى الرغم من الاختلاف الأيديولوجي بين تلك التنظيمات، إلا أن لها ذات الأهداف، فلا يوجد خلاف بين الأدوات التي يستخدمها «الإخوان» ، و«داعش» و«القاعدة» عن نفس الأدوات التي يستخدمها الحوثيون، و«حزب الله»، والحشد الشعبي، والزينبيون، والفاطميون، جميعهم يريدون إضعاف وتفكيك المؤسسات الوطنية.
نجحت دول الخليج، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة والكويت والبحرين، نجحت في تفكيك العديد من التنظيمات الإرهابية التي تعمل لمصلحة الحرس الثوري الإيراني، و«حزب الله»، وهي تنظيمات أثبتت التحقيقات أن عقيدتها تقوم على الولاء المطلق «للولي الفقيه» ، ويحسب للأجهزة الأمنية في الإمارات وأشقائها في دول مجلس التعاون الخليجي أنها استطاعت أن توجه «ضربات استباقية» لهذه الخلايا والتنظيمات، التي حاولت الاستفادة من أجواء الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية من أجل القيام بعمليات إرهابية هدفها ضرب الاستقرار الأمني، والنمو الاقتصادي، وتصوير أهداف حيوية أمنية واقتصادية، ونقلها للحرس الثوري الإيراني، ما يكشف يقظة وقوة الأجهزة الأمنية، الإماراتية والخليجية، فالإمارات لم تثبت قوتها ونجاحها المطلق في التصدي للمسيرات والصواريخ الباليستية والمجنحة الإيرانية فقط، بل كشفت عن «قدرة استثنائية» في حماية الجبهة الداخلية من التنظيمات الإرهابية والظلامية الموالية لإيران و«حزب الله»، الأمر الذي أفشل كل الرهانات التي راهنت عليها تلك المجموعات المسلحة التي كان نجاحها في دول أخرى، مثل اليمن والعراق ولبنان، بمثابة اختطاف كامل للدولة الوطنية هناك، فكيف نشأت وتبلورت التنظيمات الإرهابية من مختلف المذاهب؟ وما هي أدوات وأهداف تلك المجموعات؟ وكيف نجحت الإمارات وأشقاؤها في الخليج العربي في توجيه ضربات استباقية حافظت من خلالها على أمن الدولة والمواطن والمقيم، على حد سواء؟
تقوم التنظيمات الإرهابية على أفكار متطرفة وظلامية تكفّر من خلالها المجتمع وترفض الآخر، وتسعى للسيطرة على السلطة بالتعاون مع أطراف خارجية، ويُعد «الحشاشون» في عهد حسن الصباح أول من قاموا بعمليات «إرهاب سياسي» عبر «الاغتيال الانتقائي»، لشخص أو مجموعة قيادات، لتحقيق أهداف سياسية كبيرة بموارد عسكرية محدودة، وراهن الحشاشون بقيادة الصباح على أن الترهيب والتخويف والاغتيالات يمكن أن تحقق لهم السيطرة على الحكم، لأن هدفهم لم يكن التخلص من الخصوم فقط، بل إشاعة الخوف حتى يسهل عليهم السيطرة على مدن وبلاد شاسعة بموارد بسيطة، ولهذا قاموا بعملياتهم الإرهابية في المساجد، والأسواق، والمناطق المفتوحة التي يمر فيها العامة، بهدف توصيل رسالة تخويف وإرهاب للمجتمع ككل، وهذا بالضبط ما تقوم به تنظيمات حالية، مثل «داعش»، و«القاعدة» و«حزب الله»، والحشد الشعبي، ويعد حسن الصباح زعيم الحشاشين أول من قام بالتدريب على العمليات الانتحارية التي ينتحر فيها العنصر الانتحاري، بجانب الهدف، فضلاً عن أن «زعيم الحشاشين» أول زعيم للتنظيم الإرهابي يضمن عبر نظام صارم الولاء التام له في تنفيذ العمليات الإرهابية، من خلال تلقين عناصر التنظيم مبادئ مثل «التقية السياسية»، و«الولاء والبراء»، بهدف التخلص من القيادات السياسية والدينية التي تعارض أفكارهم. وترفض أهدافهم، وتستلهم كل التنظيمات التكفيرية من مختلف المذاهب هذه الأفكار والتكتيكات التي نفذها الحشاشون مع تطويرها وتطويعها لتناسب القضايا والملفات الحالية، ويُعد اغتيال رئيس الوزراء المصري أحمد ماهر في فبراير 1945 أول عملية اغتيال سياسي في العصر الحديث، وهي العملية التي جاءت قبل 3 سنوات من اغتيال التنظيم الخاص «للإخوان» للقاضي أحمد الخازندار في مارس 1948، كما تُعد عملية اغتيال فهمي باشا النقراشي وزير الداخلية ورئيس الوزراء المصري على يد «الإخوان» في 8 ديسمبر 1948 بمثابة التدشين لعصر الإرهاب الذي قام به «الإخوان»، لأنه كان رداً من الإخوان على حل النقراشي باشا لتنظيم «الإخوان» قبل أن تقوم عناصر على علاقة «بالإخوان» باغتيال الرئيس محمد أنور السادات في 6 أكتوبر 1981، على يد عناصر من حركتي الجهاد وما يسمى «بالجماعة الإسلامية»، وكلاهما خرج من رحم وعباءة «الإخوان» وفق الكثير من الوثائق، وشكلت تنظيمات الإخوان والجهاد والجماعة الإسلامية الأساس الذي تأسس بموجبه تنظيم القاعدة على يد أسامة بن لادن، وعبد الله عزام، وأيمن الظواهري، في أغسطس عام 1988، كما قامت أفكار تنظيم «داعش» على شخصيات متطرفه جاءت من «الإخوان» و«القاعدة»، مثل أبو مصعب الزرقاوي الذي ارتبط بالقاعدة، ما مهّد في النهاية للإعلان عن تنظيم «داعش» على يد أبوبكر البغدادي عام 2013.
منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران ، بدأت بتصدير أيديولوجيتها الخاصة في المنطقة، بخاصة إلى دول الخليج العربي، والعراق، وأفغانستان، وباكستان، وكان الهدف هو استنساخ التجربة الإيرانية في تلك الدول، ولهذا نص الدستور الإيراني بشكل صريح على ما أسماه «تصدير الثورة»، وتشكل «ولاية الفقيه» التي كتبها الخميني هي الأساس الفكري والعملياتي «للإرهاب والعنف» الذي تقوم به جماعات، مثل «حزب الله» في لبنان، والحشد الشعبي بكل مكوناته في العراق، والحوثيون في اليمن، ولواء «فاطميون» الذي يتكون من الشيعة الأفغان، وتنظيم «زينبيون» من الشيعة الباكستانيين، وكل هذه التنظيمات تعمل وفق رؤية «ولاية الفقيه» التي ينفذها في الوقت الحالي الحرس الثوري الإيراني، خصوصاً ما يسمى «فيلق القدس»، وتقوم على العمل المسلح خارج نطاق مؤسسات الدولة.
ولا تعترف «ولاية الفقيه» بالحدود السياسية المعترف بها في الأمم المتحدة، لأن أيديولوجيتها عابرة للحدود، لهذا كان من الطبيعي بالنسبة للمؤمنين بولاية الفقيه أن يتم تأسيس جيوش في أفغانستان «الفاطميون»، وفي باكستان «الزينبيون» للقتال في سوريا، كما أن مقاتلي «حزب الله» اللبناني حاربوا أكثر من 10 سنوات في سوريا، ويقومون بتدريب خلايا لهم في دول الخليج، واليمن، والعراق، وإفريقيا، وأمريكا اللاتينية، ووفق الدستور الذي كتبه المرشد الأول في إيران، يلتزم النظام السياسي الإيراني بدعم ونصرة ما يسميه «المستضعفين» في الدول الأخرى، ما يعني تشكيل تنظيمات عابرة للحدود، ونشر أفكار الثورة الإيرانية عالمياً.
وكما كان في عهد الحشاشين وحسن الصباح يلتزم الجميع «بالطاعة العمياء» للولي الفقيه، لأن الحكومة التي يسميها الولي الفقيه هي «تعيين إلهي»، ومعارضة المرشد، أو التظاهر ضد الحكومة التي يسميها يُعد بمثابة تظاهرة على الله سبحانه وتعالى، وكل هذا يؤسس لحالة من التطرف والعنف لدى الميليشيات الشيعية، لأنها تعتبر نفسها خارج نطاق النقد، أو المحاسبة، وكل من يعارضها هو كافر وخارج نطاق الدين، ما أدى إلى «شرعنة ومأسسة القتل والعنف»، وهناك الكثير من الشيعة يرفضون تلك الأفكار، ويعتبرونها مذهباً سياسياً، هدفه الاستحواذ على السلطة والحكم فقط، وليس له علاقة بقيم وسمو الأديان، لأن تصدير الثورة الإيرانية وعقيدة «الولي الفقيه» أسهمت في التحول في البيئة الشيعية من «عقيدة الانتظار» إلى «عقيدة البعث والصحوة» التي تقوم على العنف فقط.
خلق نظام «ولاية الفقيه»، وجماعة الإخوان وتنظيمها الدولي «الأساس الفكري والأيديولوجي» لكل الجماعات الإرهابية من كل المذاهب، وهناك العديد من هذه التنظيمات الظلامية التي تنتشر في المنطقة العربية والشرق الأوسط، والتي تصنفها الأمم المتحدة والجامعة العربية والكثير من الدول ضمن قوائم التنظيمات الإرهابية الدولية، وأبرز تلك التنظيمات هي:
1 - تنظيم الأشتر
وهو تنظيم إرهابي له ولاء مطلق للولي الفقيه، ويعمل في مملكة البحرين، ويطلق على نفسه «تنظيم المقاومة الإسلامية في البحرين»، وهو أخطر التنظيمات الإرهابية في البحرين، ويقيم عدد من قيادته داخل إيران، وقام بعدد من العمليات الإرهابية في البحرين، لذلك تصنفه الولايات المتحدة ودول الخليج «كتنظيم إرهابي».
2 - سرايا المختار
وهو تنظيم مسلح، وينفذ بشكل مباشر تعليمات الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس، ويهدف إلى تقويض الأمن والاستقرار في البحرين.
3 - ائتلاف 14 فبراير
وهو تنظيم حديث بدأ كحركة احتجاجية طلابية في البحرين، ثم تحول نحو العنف، وله صلات مباشرة بإيران.
4 - «حزب الله» البحريني
وهو محاولة لاستنساخ «حزب الله» اللبناني من حيث التنظيم والأيديولوجيا والارتباط الكامل بإيران، ويحاول الحرس الثوري تهريب السلاح والذخيرة لهذه التنظيم لاعتقاد طهران أنه يمكن أن يكون نسخة من «حزب الله» اللبناني.
6 - الحوثيون
بدأت إيران تٌعد الحوثيين ليكونوا ذراعاً لها في كل الجزيرة العربية منذ عام 1986، عندما ساعدت بدر الدين الحوثي على تدريس ونشر «المذهب الزيدي» في محافظة صعدة، شمال اليمن، وقدم الحرس الثوري كل أشكال الدعم لتأسيس ما سمي «منتدى الشباب المؤمن» بقيادة حسين بدر الدين الحوثي، في الفترة من 1990 إلى 1992، وأخذ هذا المنتدى الشكل الفكري والثقافي، لكن كل أهدافه كانت سياسية، وهو ما ظهر عام 2004 عندما قاد هذا التنظيم «حرب صعدة الأولى» ضد الدولة اليمنية التي قتل فيها حسين الحوثي الذي جاء بعد بدر الحوثي، وحول الفكرة الأيديولوجية إلى واقع وتنظيم سياسي وعسكري يقف في وجه الدولة اليمنية، وكانت حرب 2004 ضمن 6 حروب قادها الحوثيون ضد الحكومة اليمنية حتى 2010، وزاد نفوذ الحوثيين بعدما سيطروا على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014، ليشكلوا نموذجاً قريباً من «حزب الله» اللبناني، ولديهم نحو 250 ألف عنصر مقاتل،ويتلقون دعماً مباشراً من إيران.
7 - «حزب الله» اللبناني
عام 1982 أرسلت إيران نحو 1500 عنصر إيراني لتدريب النواة الأولى «لحزب الله»، والذي أعلن رسمياً عن تأسيسه في 16 فبراير 1985 كذراع لولي الفقيه والحرس الثوري في لبنان، عندما أعلن إبراهيم أمين السيد ما سمي «وثيقة المستضعفين» التي أكدت الالتزام الكامل بقيادة الخميني، و«مبدأ ولاية الفقيه»، وشكّل «حزب الله» اللبناني جزءاً من «الهلال الإيراني» الذي كان يبدأ من الأراضي العراقية، ويمر بسوريا، وصولاً إلى لبنان.
وشكّل شهر سبتمبر 2024 مرحلة مفصلية في تاريخ «حزب الله» اللبناني عندما قتلت إسرائيل أكثر من 4 آلاف مقاتل من الحزب في «عملية البيجر الشهيرة»، قبل أن تقتل تل أبيب في أكتوبر من نفس العام، الأمين العام للحزب حسن نصر الله، وخليفته هاشم صفي الدين، ما أجبر «حزب الله» على القبول باتفاق «نوفمبر 2024» الذي يقضي بانسحاب الحزب إلى شمال نهر الليطاني وفق القرار 1701، وعندما لم يلتزم بذلك الاتفاق تقوم إسرائيل من وقتها بمهاجمة قواعد الحزب وبنيته العسكرية جنوب نهر الليطاني، والبقاع، والضاحية الجنوبية لبيروت، وترى إيران أن «حزب الله» اللبناني هو أنجح نموذج في تصدير الثورة الإيرانية، لهذا تحاول أن تستنسخ تجربة الحزب في كل دول المنطقة، خصوصاً أن «حزب الله» اللبناني لعب دوراً كبيراً في دعم النظام السوري السابق لفترة تزيد على 10 سنوات، وكان له دور كبير في تعزيز القدرات القتالية والتدريبية للحوثيين في اليمن.
تطابق الأدوات والأهداف بين التنظيمات الإرهابية من مختلف المذاهب سوف يكون محور الحلقة القادمة، مع تذكير بأهم التنظيمات الإرهابية المنبثقة عن «القاعدة» و«داعش» في إفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية.
د. أيمن سمير *
يؤمن بأن المستقبل يبدأ من الماضي، صاحب مشروع يقوم على «ثقافة الحياة». يداه ممدودتان بالخير والسلام للجميع. صاغ مقاربة جديدة في المنطقة؛ قوامها العمل الجاد، والإخلاص للوطن، والبحث عن المشتركات، وإنهاء التوترات، وتبريد الصراعات.
كثيرون من يقرأون التاريخ، لكن بالنظر في مسيرته، والبحث في «بنات أفكاره»، نتأكد أنه من «صنّاع التاريخ» الكبار، لأن ثمار مشروعه التنموي والإنساني، عابرة لحدود منطقة الخليج وغرب آسيا والإقليم العربي والشرق الأوسط.
يؤمن بأن «الخروج من الذات نحو الآخر» هو «الرافعة السياسية» التي تنقل الأمم من دوائر المحلية والإقليمية إلى مصاف الدول ذات التأثير العالمي، لهذا هو الذي صاغ بفكر مفتوح وعقل يتسع للجميع، خلال العقود الثلاثة الماضية، «المقاربة الإماراتية» نحو «عصر القوة الشاملة»، في كافة المسارات والقطاعات من الدفاع والأمن إلى الاقتصاد والثقافة والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، الأمر الذي أكد للجميع أنه هو «النموذج الإماراتي»، وصاحب الرؤية في التنمية والازدهار ل«مئوية الاتحاد» والعقود الخمسة المقبلة، بعد أن نجح وأخوه صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في تحقيق هذا الطموح العالي عبر «رؤية مبدعة» في السياستين الخارجية والداخلية، تجمع بين «المحافظة على الثوابت»، وعدم إهمال مكتسبات العصر، كما تمزج هذه الرؤية بين الثقة المكتسبة من «بناء الذات»، وعدم القلق من فتح «أبواب التنوع».
عندما تنظر في عينيه، يتأكد لك أنه مشغول ب«البشر»، وأن المواطن والمقيم، يتمتعان برعايته ومحبته، لهذا لم يكن غريباً أن يكون «الحلم الإماراتي» في الحياة والعمل، هو حلم أغلب شباب العالم، وليس الشباب العربي فقط، فالإمارات التي عمل من أجلها أصبحت «أرضاً للفرص»، والمعادل العالمي «للنجاح والتميز»، بعد أن أصبحت أكثر بلاد الدنيا أماناً واستقراراً، فكان من الطبيعي أن يحلم شباب العالم بالحياة في الدولة التي تحتضن الإبداع والثقافة والتكنولوجيا ورواد الأعمال.
إنه صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، الذي أصبح مرادفاً لمعنى وقيم السلام والاستقرار والرخاء والازدهار. سموّه رسم على مدار سنوات صورة نموذجية جديدة للمواطن الخليجي والعربي، ليس فقط القادر على التعاطي مع جديد العصر؛ بل القادر على صياغة المبادرات، وتعبيد الطرقات السياسية والاقتصادية والأمنية، التي تقود نحو رفع القيمة النسبية لمنطقة الخليج والإقليم العربي بين مقاعد الكبار في المعادلات الإقليمية والدولية، ولهذا سوف يتوقف تاريخ المنطقة؛ بل والتاريخ الإنساني طويلاً «بالفحص والدرس» أمام كل ما سطره صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد، الذي ولد في مثل هذا اليوم 11 مارس، من رؤية وسياسات وتوجهات وقناعات، جعلت من الإمارات «المكان والمكانة» اللتين يتطلع إليهما الجميع.
القراءة المتأنية لكلماته ومواقفه، تؤكد أنه «صانع للسلام» في منطقة تحاصرها «ألسنة اللهب»، وكادت الفوضى والتخريب أن يتمكنا منها، فوضوح رؤيته؛ القائمة على «الحلول السياسية» والإيمان «بقوة الدبلوماسية» جعلا من الإمارات ليس فقط محور التفاعلات السياسية والاقتصادية والأمنية في المنطقة؛ بل أصبحت «القاطرة القوية» نحو تعزيز «محور السلام وكتلة الاستقرار» في منطقة راهن البعض من خارجها، وحتى من داخلها على أن تظل وتبقى دائماً مرتعاً للمتطرفين والحنجوريين و«مصاصي مستقبل الشعوب» والتي باتت على يقين بأن حكمة ورؤية الشيخ محمد بن زايد، وقراراته الشجاعة في الأوقات الحاسمة، هي التي تبني المستقبل، فالمنطقة العربية التي كانت بعض دولها غارقة في مزاد التآمر والتطرف والكراهية، أصبحت على أبواب الاستقرار.
نعم وقف محمد بن زايد «حائط صد» في مواجهة كل مشروعات تمزيق «الخرائط العربية». ومن هذا المنطلق، فالتاريخ الذي خصص صفحة لدعاة السلام والمساواة أمثال مارتن لوثر كينغ ونيلسون مانديلا، سوف يسطر الكثير من الكتب عن كل ما قدمه صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد، من «معادلات جديدة» و«بيئة سياسية إيجابية» تقوم على «بناء الجسور» و«السمو السياسي»، وهي معادلة أصبحت مشروعاً ونموذجاً يتحدث به وعنه الجميع في المنطقة وخارجها، ولهذا استطاع سموّه أن يجعل من الإمارات «المكان والمكانة» اللتين يتطلع إليهما العالم في بناء الإنسان، ونشر السلام، ومواجهة غضب الطبيعة، فالبصمة الحضارية والإنسانية التي طبعها في المنطقة والعالم، ستظل لعقود تشكل «النبراس والدافع والزخم» الذي يجسّد أحلام وطموحات المجموع الكلي والجمعي لسكان المنطقة والعالم، وهي الأحلام التي حاول دعاة الكراهية والأفكار الظلامية «قرصنتها وخطفها»
الأيام والأحداث خير شهود على الثمار التي تجنيها الإمارات والمنطقة، نتيجة للرؤية التي يجسّدها صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد، وهو القائد والإنسان الذي سوف يظل مرتبطاً بالأمان والعدالة والتسامح والطموح، وهي القيم والمعاني التي غرسها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ويسير على نهجها حكام الإمارات، ويسطرون بها كل يوم إنجازاً جديداً يضاف للإنجازات الخالدة في مسيرة الوطن.
* كاتب ومحلل سياسي