صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
إبراهيم فلاح القحطاني
أحدث مقالات إبراهيم فلاح القحطاني
7 يونيو 2026
صراع الإرادات في الشرق الأوسط

في خضم التصعيد العسكري غير المسبوق الذي شهدته منطقة الخليج مؤخراً، تلوح في الأفق بوادر هدنة هشة تحمل معها أسئلة مصيرية، هل هي مجرد استراحة محاربين تمهيداً لجولة جديدة من الصراع، أم أنها البداية الحقيقية لتسوية نهائية تعيد رسم قواعد اللعبة في واحدة من أكثر بقاع العالم سخونة؟

بين هذه التساؤلات يقف المشهد الخليجي الراهن على صفيح ساخن، محكوماً بحسابات دقيقة للمصالح، ووساطات إقليمية نشطة، ودبلوماسية خليجية متعددة المسارات تحاول استثمار الفرص.

بات الشرق الأوسط اليوم عند أخطر منعطف جيوسياسي في تاريخه الحديث، حيث لم تعد الأزمات تُدار بالوكالة أو عبر خطوط تماس تقليدية، ومع تداخل ملفات الملاحة الدولية، والبرامج النووية، والصراعات العسكرية المباشرة، يبرز السؤال الأهم الذي يفرض نفسه على طاولات صناع القرار: من سيقود الخطوة التالية في الإقليم، عقلانية الدبلوماسية الخليجية الساعية للاستقرار، أم عقيدة الردع المتصادمة بين طهران وتل أبيب؟

وسط هذا التصادم العقائدي، يبرز الدور الأمريكي كعامل حاسم، قادر على ترجيح كفة على أخرى، لكنه يتحرك بطريقة حذرة ومليئة بالتناقضات. إن الإجابة عن هذا التساؤل تتطلب تفكيك المشهد إلى وجهتين متناقضتين، وجهة «البناء والتنمية» التي تقودها عواصم الخليج، ووجهة «الردع الوجودي» التي تفرضها معادلة الصراع بين إيران وإسرائيل، وتحت غطاء من الحسابات للولايات المتحدة، والتزامها بأمن إسرائيل.

في المقابل، تعاني الإدارة الأمريكية استنزافاً عسكرياً وسياسياً، وتضع منع اندلاع «حرب إقليمية كبرى» كأولوية قصوى لتجنب التورط في مستنقع جديد يهدد الاقتصاد العالمي وسوق الطاقة والتنافس الاستراتيجي مع الصين وروسيا. لذا تفضل واشنطن استخدام القنوات الخليجية لعقد صفقات تهدئة مؤقتة وتبادل للمصالح مع طهران، ما يمنع انزلاق المواجهة إلى نقطة اللاعودة.

هذا التأرجح الأمريكي بين التزامها أمن إسرائيل وسعيها لضبط النفس الإيراني يجعلها تُطيل أمد «اللا حرب واللا سلم» بدلاً من حسم اتجاه البوصلة نحو سلام دائم.

نجحت الدبلوماسية الباكستانية في قيادة وساطة بالغة الحساسية، تكللت باحتضانها محادثات مباشرة غير مسبوقة في إسلام آباد بين وفود رفيعة المستوى من واشنطن وطهران، وهي خطوة أفضت إلى صياغة اتفاقيات هدنة مؤقتة لالتقاط الأنفاس وإفساح المجال للمفاوضات السياسية. امتلاك باكستان لعلاقات أمنية متينة مع واشنطن، وجيرة جغرافية وتاريخية مع طهران، مكنها من لعب دور «الوسيط المقبول».

على الجانب الآخر، تقدِّم دول مجلس التعاون الخليجي نموذجاً مغايراً تماماً يعتمد على العقلانية السياسية والبراغماتية الاقتصادية، فقد أدركت عواصم الخليج أن طموحاتها الاقتصادية العملاقة، ورؤاها التنموية المستقبلية، لا يمكن أن تتحقق في بيئة مشتعلة، لذا استثمرت ثقلها الدبلوماسي لفتح قنوات حوار مباشرة مع إيران، وقيادة وساطات معقدة لتهدئة الجبهات المشتعلة.

رغم القوة الناعمة والدبلوماسية فائقة الفعالية التي تمارسها دول الخليج، والجهود الباكستانية، إلا أن الواقع الجيوسياسي يفرض معطيات معقدة.

مفاتيح التصعيد ووقت التفاوض الجاد ما زالت رهينة لقرارات تؤخذ في طهران وتل أبيب، وتتأثر بالضوء الأخضر أو الأحمر القادم من واشنطن، فالدبلوماسية الخليجية قادرة على «إطفاء الحرائق»، لكنها لا تملك سلطة إجبار الأطراف العقائدية على التنازل عن منطلقاتها الوجودية.

إن الخطوة التالية، ستكون نتاجاً «لتسوية اضطرارية» يفرضها الإعياء العسكري لجميع الأطراف وتراجع الرغبة الأمريكية في تغطية حروب لا تنتهي.

ستبدأ اللحظة الحقيقية للدبلوماسية الخليجية، المدعومة بما حققته وساطة إسلام آباد عندما تصل عقيدة الردع بين طهران وتل أبيب إلى طريق مسدود، (أفق لا يضمن النصر لأي منهما وتصبح كلفة الاستمرار فيه مدمرة للطرفين).

هنا ستتحول «العقلانية الخليجية» المدعومة برغبة دولية في الاستقرار، من مجرد محاولة لتحييد المخاطر، إلى الخيار الإنقاذي الوحيد والمظلة المقبولة دولياً وإقليمياً لإعادة صياغة هندسة أمنية جديدة للشرق الأوسط، تقوم على احترام السيادة الوطنية والتخلي عن أوهام الهيمنة العسكرية.

تتردد السياسة الأمريكية بين رغبتها في خفض التزاماتها العسكرية المباشرة بالشرق الأوسط للتركيز على الصراع مع الصين وروسيا، وبين التزامها بأمن إسرائيل وحماية ممرات الملاحة الدولية في الخليج والبحر الأحمر، ما يجعل مواقفها تتذبذب بين الردع العسكري والبحث عن تفاهمات خلفية مع طهران.

الدبلوماسية الخليجية اليوم هي أداة لحماية النظام الإقليمي من التفكك، ولتحويل الثقل الاقتصادي إلى نفوذ تفاوضي، نجاحها لا يقاس فقط بمنع الحرب، بل أيضاً بقدرتها على فرض الخليج كطرف لا يمكن تجاوزه في أي تسوية تخص أمن المنطقة. إن معضلة الدبلوماسية الخليجية لا تكمن في قلة المبادرات، بل في أن قرار السلم والحرب النهائي في الملفات الساخنة يقع في عواصم هذا المثلث (واشنطن، طهران، وتل أبيب).

الهدوء الراهن في الخليج ليس سلاماً، بل هو «إدارة مؤقتة للصراع»، وتدرك عواصم القرار الخليجي أن بناء استقرار حقيقي يتطلب تجاوز الصيغ الأمنية الهشة، والضغط باتجاه صياغة «هندسة أمنية إقليمية جديدة» تضمن مصالح الجميع، وتلزم طهران وتل أبيب باحترام سيادة الدول، وبخلاف ذلك ستبقى المنطقة رهينة لشرارة حرب قد تنطلق من أي جبهة وفي أي وقت.

[email protected]

7 يونيو 2026
صراع الإرادات في الشرق الأوسط

في خضم التصعيد العسكري غير المسبوق الذي شهدته منطقة الخليج مؤخراً، تلوح في الأفق بوادر هدنة هشة تحمل معها أسئلة مصيرية، هل هي مجرد استراحة محاربين تمهيداً لجولة جديدة من الصراع، أم أنها البداية الحقيقية لتسوية نهائية تعيد رسم قواعد اللعبة في واحدة من أكثر بقاع العالم سخونة؟

بين هذه التساؤلات يقف المشهد الخليجي الراهن على صفيح ساخن، محكوماً بحسابات دقيقة للمصالح، ووساطات إقليمية نشطة، ودبلوماسية خليجية متعددة المسارات تحاول استثمار الفرص.

بات الشرق الأوسط اليوم عند أخطر منعطف جيوسياسي في تاريخه الحديث، حيث لم تعد الأزمات تُدار بالوكالة أو عبر خطوط تماس تقليدية، ومع تداخل ملفات الملاحة الدولية، والبرامج النووية، والصراعات العسكرية المباشرة، يبرز السؤال الأهم الذي يفرض نفسه على طاولات صناع القرار: من سيقود الخطوة التالية في الإقليم، عقلانية الدبلوماسية الخليجية الساعية للاستقرار، أم عقيدة الردع المتصادمة بين طهران وتل أبيب؟

وسط هذا التصادم العقائدي، يبرز الدور الأمريكي كعامل حاسم، قادر على ترجيح كفة على أخرى، لكنه يتحرك بطريقة حذرة ومليئة بالتناقضات. إن الإجابة عن هذا التساؤل تتطلب تفكيك المشهد إلى وجهتين متناقضتين، وجهة «البناء والتنمية» التي تقودها عواصم الخليج، ووجهة «الردع الوجودي» التي تفرضها معادلة الصراع بين إيران وإسرائيل، وتحت غطاء من الحسابات للولايات المتحدة، والتزامها بأمن إسرائيل.

في المقابل، تعاني الإدارة الأمريكية استنزافاً عسكرياً وسياسياً، وتضع منع اندلاع «حرب إقليمية كبرى» كأولوية قصوى لتجنب التورط في مستنقع جديد يهدد الاقتصاد العالمي وسوق الطاقة والتنافس الاستراتيجي مع الصين وروسيا. لذا تفضل واشنطن استخدام القنوات الخليجية لعقد صفقات تهدئة مؤقتة وتبادل للمصالح مع طهران، ما يمنع انزلاق المواجهة إلى نقطة اللاعودة.

هذا التأرجح الأمريكي بين التزامها أمن إسرائيل وسعيها لضبط النفس الإيراني يجعلها تُطيل أمد «اللا حرب واللا سلم» بدلاً من حسم اتجاه البوصلة نحو سلام دائم.

نجحت الدبلوماسية الباكستانية في قيادة وساطة بالغة الحساسية، تكللت باحتضانها محادثات مباشرة غير مسبوقة في إسلام آباد بين وفود رفيعة المستوى من واشنطن وطهران، وهي خطوة أفضت إلى صياغة اتفاقيات هدنة مؤقتة لالتقاط الأنفاس وإفساح المجال للمفاوضات السياسية. امتلاك باكستان لعلاقات أمنية متينة مع واشنطن، وجيرة جغرافية وتاريخية مع طهران، مكنها من لعب دور «الوسيط المقبول».

على الجانب الآخر، تقدِّم دول مجلس التعاون الخليجي نموذجاً مغايراً تماماً يعتمد على العقلانية السياسية والبراغماتية الاقتصادية، فقد أدركت عواصم الخليج أن طموحاتها الاقتصادية العملاقة، ورؤاها التنموية المستقبلية، لا يمكن أن تتحقق في بيئة مشتعلة، لذا استثمرت ثقلها الدبلوماسي لفتح قنوات حوار مباشرة مع إيران، وقيادة وساطات معقدة لتهدئة الجبهات المشتعلة.

رغم القوة الناعمة والدبلوماسية فائقة الفعالية التي تمارسها دول الخليج، والجهود الباكستانية، إلا أن الواقع الجيوسياسي يفرض معطيات معقدة.

مفاتيح التصعيد ووقت التفاوض الجاد ما زالت رهينة لقرارات تؤخذ في طهران وتل أبيب، وتتأثر بالضوء الأخضر أو الأحمر القادم من واشنطن، فالدبلوماسية الخليجية قادرة على «إطفاء الحرائق»، لكنها لا تملك سلطة إجبار الأطراف العقائدية على التنازل عن منطلقاتها الوجودية.

إن الخطوة التالية، ستكون نتاجاً «لتسوية اضطرارية» يفرضها الإعياء العسكري لجميع الأطراف وتراجع الرغبة الأمريكية في تغطية حروب لا تنتهي.

ستبدأ اللحظة الحقيقية للدبلوماسية الخليجية، المدعومة بما حققته وساطة إسلام آباد عندما تصل عقيدة الردع بين طهران وتل أبيب إلى طريق مسدود، (أفق لا يضمن النصر لأي منهما وتصبح كلفة الاستمرار فيه مدمرة للطرفين).

هنا ستتحول «العقلانية الخليجية» المدعومة برغبة دولية في الاستقرار، من مجرد محاولة لتحييد المخاطر، إلى الخيار الإنقاذي الوحيد والمظلة المقبولة دولياً وإقليمياً لإعادة صياغة هندسة أمنية جديدة للشرق الأوسط، تقوم على احترام السيادة الوطنية والتخلي عن أوهام الهيمنة العسكرية.

تتردد السياسة الأمريكية بين رغبتها في خفض التزاماتها العسكرية المباشرة بالشرق الأوسط للتركيز على الصراع مع الصين وروسيا، وبين التزامها بأمن إسرائيل وحماية ممرات الملاحة الدولية في الخليج والبحر الأحمر، ما يجعل مواقفها تتذبذب بين الردع العسكري والبحث عن تفاهمات خلفية مع طهران.

الدبلوماسية الخليجية اليوم هي أداة لحماية النظام الإقليمي من التفكك، ولتحويل الثقل الاقتصادي إلى نفوذ تفاوضي، نجاحها لا يقاس فقط بمنع الحرب، بل أيضاً بقدرتها على فرض الخليج كطرف لا يمكن تجاوزه في أي تسوية تخص أمن المنطقة. إن معضلة الدبلوماسية الخليجية لا تكمن في قلة المبادرات، بل في أن قرار السلم والحرب النهائي في الملفات الساخنة يقع في عواصم هذا المثلث (واشنطن، طهران، وتل أبيب).

الهدوء الراهن في الخليج ليس سلاماً، بل هو «إدارة مؤقتة للصراع»، وتدرك عواصم القرار الخليجي أن بناء استقرار حقيقي يتطلب تجاوز الصيغ الأمنية الهشة، والضغط باتجاه صياغة «هندسة أمنية إقليمية جديدة» تضمن مصالح الجميع، وتلزم طهران وتل أبيب باحترام سيادة الدول، وبخلاف ذلك ستبقى المنطقة رهينة لشرارة حرب قد تنطلق من أي جبهة وفي أي وقت.

[email protected]

30 مايو 2026
«النووي الإيراني».. بين التفاوض وفوضى الواقع


إن قدرة إيران على امتلاك القنبلة النووية لا يتعلق فقط بالخبرة الفنية والتقنية التي اكتسبتها على مدى أربعة عقود، بل يعتمد بشكل حاسم على القرار السياسي والاستراتيجي في طهران. إيران تمتلك تقنياً ومن الناحية النظرية القدرة على إنتاج سلاح نووي، لكنها ليست بالضرورة في طريقها لإعلان ذلك بشكل فوري.

تمتلك ايران المعرفة والخبرة ومخزوناً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهو مستوى يمكّنها من صنع سلاح نووي، حتى لو كان بدائياً.

امتلاك القدرة لا يعني بالضرورة التوجه لصنع قنبلة وإعلانها.

قبل الحرب الأخيرة، كان المرجح أن إيران تسعى لامتلاك «قدرة الاختراق» أي البقاء على أعتاب إنتاج القنبلة من دون تجاوز الحد الفاصل. الهدف هو امتلاك ورقة ضغط وردع قصوى، مثل اليابان أو ألمانيا، دون تكبد عواقب امتلاك سلاح نووي معلن.

المقارنة مع اليابان وألمانيا ليست مقارنة في الامتلاك الفعلي، بل في «استراتيجية العتبة»، امتلاك كل مكونات القنبلة والبقاء على بُعد خطوة واحدة منها، لتحقيق الردع دون دفع ثمنه. الفرق القاتل الآن هو أن إيران، عكس اليابان وألمانيا، قد تكون تخلت عن استراتيجية «العتبة» هذه وتتجه فعلاً نحو الامتلاك بسبب شعورها بتهديد وجودي، وهو ما يغير كل الحسابات.

امتلاك القنبلة هو «قرار» أكثر من كونه «قدرة»، إيران اليوم تمتلك كل العلوم والمكونات الأساسية. السؤال المركزي لم يعد هل تستطيع؟ بل هل تريد؟ وهل ستتخذ القرار الاستراتيجي بتجاوز العتبة وتحمل التبعات الكارثية المحتملة، أم ستستخدم هذه القدرة كورقة مساومة للتفاوض على اتفاقية تضمن رفع العقوبات وتعترف بدورها الإقليمي؟ هذا هو جوهر الأزمة الحالية ومستقبل المشهد في الخليج.

هل ستتخلى ايران عن حلمها النووي؟ على الأرجح لن تتخلى عن «المعرفة والتقنية» امتلاك دورة الوقود النووي الكاملة والمعرفة الضمنية لدى العلماء. هذا الجزء من «الحلم» تحقق فعلاً ولا يمكنها التفريط به أو تدميره، لكنها قد تُجبر على مقايضة (توقيت وإعلان السلاح)، وهو العنصر القابل للمقايضة، التجميع الفعلي لرأس نووي وإجراء اختبار وإعلان الردع النووي. هذا الجزء هو موضوع الحسابات والمقامرة.

قد تضطر طهران لذلك إذا تحقق قبول دولي ولو ضمني بوضعها كدولة عتبة نووية على غرار اليابان، أي الإقرار ببرنامجها النووي المدني المتقدم وقدرتها الكامنة، مع رفع شامل ودائم للعقوبات الاقتصادية، وتعهدات أمنية ملزمة بعدم السعي لتغيير النظام (ضمان وجودي).

ليس بالضرورة تفكيك البنية التحتية، هي تتخلى عن القنبلة لتحتفظ بالأدوات التي تصنعها، وهذا يحقق الهدف النهائي (أمن النظام وبقائه)، لكنها قد تتمسك بالحلم كاملاً بما فيه (السلاح).

إذا شعرت القيادة في طهران خاصة بعد الضربات التي طالت برنامجها وعلمائها، أن النظام في خطر وجودي حقيقي، فإن امتلاك سلاح نووي مُعلن ولو (بدائي) سيصبح الخيار الوحيد من وجهة نظرهم. في هذه الحالة، لن تتخلى عنه مهما كانت الإغراءات أو التهديدات، لأنه سيصبح مسألة حياة أو موت للنظام.

إيران الآن أمام خيارات صعبة: التخلي عن القنبلة المُعلنة مقابل الاعتراف بها كقوة إقليمية ذات قدرات نووية كامنة، وهذا تخلي تكتيكي يحقق الهدف الاستراتيجي. أو المضي نحو القنبلة المعلنة كتأمين وجودي، متجاهلة التكاليف، هذا ليس حلماً بل يأس استراتيجي يفرضه الواقع.

يرجح أن طهران لا تزال تفضل الخيار الأول، إذا كان العرض ذا مصداقية ويضمن بقاءها، لكنها لن تتردد في الخيار الآخر إذا شعرت بأن الخيار الأول هو مجرد فخ لإنهاكها ومن ثم تدميرها. المعضلة ليست في التخلي عن الحلم، بل في أي نسخة من هذا الحلم يمكن تحقيقه بأقل ضرر وأكبر ضمان للبقاء.

العقيدة الأمنية للنظام الحاكم لا ترى في البرنامج النووي مجرد (أداة تفاوض)، بل ضمانة وجودية قصوى لبقاء النظام وحماية نفوذه الإقليمي. هذا ما يعكسه التناقض الظاهري بين صورة الفوضى وواقع الدهاء التفاوضي، هو ليس تناقضاً حقيقياً بقدر ما هو وجهان لعملة واحدة.

إيران تستثمر في بناء النفوذ والقدرات خطوة بخطوة، متقبلة الخسائر المؤقتة، والنظام يتقن استخدام الفوضى المنضبطة، يطلق تصريحات نارية من جهة، بينما يفاوض بهدوء.

هناك دهاء تفاوضي واستراتيجية تحركها مؤسسة الدولة العميقة، وهذا لا يتعارض مع وجود فوضى داخلية حقيقية وضائقة اقتصادية. الصورتان معاً تقدمان المشهد الحقيقي، نظام تحت ضغط وجودي هائل، يتمسك ببراعة بأوراقه القليلة المتبقية ليبقى على قيد الحياة. التصوير الإعلامي الذي يركز على الفوضى فقط غير دقيق، وتصوير النظام كعقل مدبر لا يخطئ هو أيضاً غير دقيق. هو كيان يبدو متماسكاً يخوض معركة وجودية، ويستخدم كل ما في جعبته، بما في ذلك الفوضى نفسها، كأداة.

[email protected]

30 مايو 2026
«النووي الإيراني».. بين التفاوض وفوضى الواقع


إن قدرة إيران على امتلاك القنبلة النووية لا يتعلق فقط بالخبرة الفنية والتقنية التي اكتسبتها على مدى أربعة عقود، بل يعتمد بشكل حاسم على القرار السياسي والاستراتيجي في طهران. إيران تمتلك تقنياً ومن الناحية النظرية القدرة على إنتاج سلاح نووي، لكنها ليست بالضرورة في طريقها لإعلان ذلك بشكل فوري.

تمتلك ايران المعرفة والخبرة ومخزوناً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهو مستوى يمكّنها من صنع سلاح نووي، حتى لو كان بدائياً.

امتلاك القدرة لا يعني بالضرورة التوجه لصنع قنبلة وإعلانها.

قبل الحرب الأخيرة، كان المرجح أن إيران تسعى لامتلاك «قدرة الاختراق» أي البقاء على أعتاب إنتاج القنبلة من دون تجاوز الحد الفاصل. الهدف هو امتلاك ورقة ضغط وردع قصوى، مثل اليابان أو ألمانيا، دون تكبد عواقب امتلاك سلاح نووي معلن.

المقارنة مع اليابان وألمانيا ليست مقارنة في الامتلاك الفعلي، بل في «استراتيجية العتبة»، امتلاك كل مكونات القنبلة والبقاء على بُعد خطوة واحدة منها، لتحقيق الردع دون دفع ثمنه. الفرق القاتل الآن هو أن إيران، عكس اليابان وألمانيا، قد تكون تخلت عن استراتيجية «العتبة» هذه وتتجه فعلاً نحو الامتلاك بسبب شعورها بتهديد وجودي، وهو ما يغير كل الحسابات.

امتلاك القنبلة هو «قرار» أكثر من كونه «قدرة»، إيران اليوم تمتلك كل العلوم والمكونات الأساسية. السؤال المركزي لم يعد هل تستطيع؟ بل هل تريد؟ وهل ستتخذ القرار الاستراتيجي بتجاوز العتبة وتحمل التبعات الكارثية المحتملة، أم ستستخدم هذه القدرة كورقة مساومة للتفاوض على اتفاقية تضمن رفع العقوبات وتعترف بدورها الإقليمي؟ هذا هو جوهر الأزمة الحالية ومستقبل المشهد في الخليج.

هل ستتخلى ايران عن حلمها النووي؟ على الأرجح لن تتخلى عن «المعرفة والتقنية» امتلاك دورة الوقود النووي الكاملة والمعرفة الضمنية لدى العلماء. هذا الجزء من «الحلم» تحقق فعلاً ولا يمكنها التفريط به أو تدميره، لكنها قد تُجبر على مقايضة (توقيت وإعلان السلاح)، وهو العنصر القابل للمقايضة، التجميع الفعلي لرأس نووي وإجراء اختبار وإعلان الردع النووي. هذا الجزء هو موضوع الحسابات والمقامرة.

قد تضطر طهران لذلك إذا تحقق قبول دولي ولو ضمني بوضعها كدولة عتبة نووية على غرار اليابان، أي الإقرار ببرنامجها النووي المدني المتقدم وقدرتها الكامنة، مع رفع شامل ودائم للعقوبات الاقتصادية، وتعهدات أمنية ملزمة بعدم السعي لتغيير النظام (ضمان وجودي).

ليس بالضرورة تفكيك البنية التحتية، هي تتخلى عن القنبلة لتحتفظ بالأدوات التي تصنعها، وهذا يحقق الهدف النهائي (أمن النظام وبقائه)، لكنها قد تتمسك بالحلم كاملاً بما فيه (السلاح).

إذا شعرت القيادة في طهران خاصة بعد الضربات التي طالت برنامجها وعلمائها، أن النظام في خطر وجودي حقيقي، فإن امتلاك سلاح نووي مُعلن ولو (بدائي) سيصبح الخيار الوحيد من وجهة نظرهم. في هذه الحالة، لن تتخلى عنه مهما كانت الإغراءات أو التهديدات، لأنه سيصبح مسألة حياة أو موت للنظام.

إيران الآن أمام خيارات صعبة: التخلي عن القنبلة المُعلنة مقابل الاعتراف بها كقوة إقليمية ذات قدرات نووية كامنة، وهذا تخلي تكتيكي يحقق الهدف الاستراتيجي. أو المضي نحو القنبلة المعلنة كتأمين وجودي، متجاهلة التكاليف، هذا ليس حلماً بل يأس استراتيجي يفرضه الواقع.

يرجح أن طهران لا تزال تفضل الخيار الأول، إذا كان العرض ذا مصداقية ويضمن بقاءها، لكنها لن تتردد في الخيار الآخر إذا شعرت بأن الخيار الأول هو مجرد فخ لإنهاكها ومن ثم تدميرها. المعضلة ليست في التخلي عن الحلم، بل في أي نسخة من هذا الحلم يمكن تحقيقه بأقل ضرر وأكبر ضمان للبقاء.

العقيدة الأمنية للنظام الحاكم لا ترى في البرنامج النووي مجرد (أداة تفاوض)، بل ضمانة وجودية قصوى لبقاء النظام وحماية نفوذه الإقليمي. هذا ما يعكسه التناقض الظاهري بين صورة الفوضى وواقع الدهاء التفاوضي، هو ليس تناقضاً حقيقياً بقدر ما هو وجهان لعملة واحدة.

إيران تستثمر في بناء النفوذ والقدرات خطوة بخطوة، متقبلة الخسائر المؤقتة، والنظام يتقن استخدام الفوضى المنضبطة، يطلق تصريحات نارية من جهة، بينما يفاوض بهدوء.

هناك دهاء تفاوضي واستراتيجية تحركها مؤسسة الدولة العميقة، وهذا لا يتعارض مع وجود فوضى داخلية حقيقية وضائقة اقتصادية. الصورتان معاً تقدمان المشهد الحقيقي، نظام تحت ضغط وجودي هائل، يتمسك ببراعة بأوراقه القليلة المتبقية ليبقى على قيد الحياة. التصوير الإعلامي الذي يركز على الفوضى فقط غير دقيق، وتصوير النظام كعقل مدبر لا يخطئ هو أيضاً غير دقيق. هو كيان يبدو متماسكاً يخوض معركة وجودية، ويستخدم كل ما في جعبته، بما في ذلك الفوضى نفسها، كأداة.

[email protected]