الخليج ،صحيفة يومية تصدر عن دار الخليج للصحافة والطباعة والنشر بمدينة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة، أنشئت عام 1970 على يد الشقيقين المرحومين تريم عمران تريم وعبدالله عمران تريم | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
خليل حسين
إعلامي
أحدث مقالات خليل حسين
29 مارس 2026
المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية ووقائعها

د. خليل حسين

أطلق الرئيس اللبناني العماد جوزيف عون، مقترحاً لإطلاق مفاوضات لبنانية إسرائيلية، كمخرج للوضع القائم حالياً، ذلك وسط حرب إسرائيلية تمددت إقليمياً وبات لبنان جزءاً منها.
وغريب المفارقات، الموقف الإسرائيلي الرافض للمقترح، بينما يبدو الموقف الفرنسي داعماً وبقوة له، فيما يظهر الرفض الأمريكي الداعم عملياً لإسرائيل ومواقفها. وفي أي حال من الأحوال يعتبر المقترح نوعاً من كسر حلقة الأزمة القائمة
وفي واقع الأمر وعند التدقيق في المقترح، يظهر انقسام اللبنانيين حوله، وهو أمر معتاد عليه في الحياة السياسية اللبنانية منذ عقود طويلة، إلا أن هذه المرة يكتسي أسباباً أكثر قساوة، على قاعدة نتائج الحرب القائمة منذ انطلاقها، وفي واقع الأمر يعتبر هذا المقترح هو الأول من نوعه الذي يطلقه لبنان، وهو معاكس بشكل عام لمسارات الدعوات للتفاوض اللبناني الإسرائيلي، إذ ظل لبنان في إطار الرفض للتفاوض المباشر، وربط وضعه سابقاً بالوضع العربي بشكل عام.
ومن الطبيعي أن يكون الوضع القائم حالياً، وضعاً يساير الموقف الإسرائيلي، الذي تمكّن سابقاً من إحراز مكاسب ميدانية كثيرة، بمعنى آخر، لقد تعززت أوضاع إسرائيل، وباتت قادرة على فرض شروطها في أي تسوية ممكنة في المستقبل، بخاصة رفض تل أبيب لمجمل المقترح جملة وتفصيلاً، في وقت يبدو مقترح لبنان هو الدعوة لمفاوضات من دون شروط أو مقترحات منفّرة، فيما بعض الأطراف اللبنانية وضعت شروطاً مسبقة لقبول التفاوض، من بينها وقف إطلاق النار أولاً، وعودة اللبنانيين إلى قراهم، وإطلاق سراح الأسرى، وهي من حيث المبدأ، مطالب موضوعية، لكنها لا تستند إلى أي معطيات أو قدرة لفرضها على الجانب الإسرائيلي.
في الواقع، يعتبر المقترح اللبناني سابقة في الحياة السياسية اللبنانية، فلم يسبق أن أطلق لبنان مقترحاً محدداً، بل كل ما كان يعمل عليه كان جزءاً من مشاريع إقليمية ودولية غالباً ما كانت تتلاشى وتنتهي من دون أثر. وفي الواقع لا تعتبر المفاوضات أمراً مستجداً، بل له سوابق توصلت في بعضها لنتائج عملية تم التعامل فيها لفترات ليست بقليلة، كانت بدايتها بعد الحرب العربية الإسرائيلية في عام 1948 التي أنتجت اتفاقية الهدنة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي في مارس/آذار 1949، إضافة إلى مفاوضات عام 1983 التي أجريت بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في يونيو/حزيران عام 1982، والتي أنتجت اتفاقية 17 مايو/أيار التي ألغيت في عام 1984 من الجانب اللبناني.
محطة أخرى من التفاوض بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي التي أدت في عام 2022 إلى اتفاق حول ترسيم الحدود البحرية على قاعدة تقاسم الموارد الغازية والنفطية في المياه الإقليمية والاقتصادية لكلا الطرفين، وقد حددتها ورعتها الولايات المتحدة، إلا أن حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وانهيار النظام السوري في ديسمبر/كانون الأول 2024، والحرب على لبنان، أعاد خلط الأوراق من جديد بين لبنان وإسرائيل، ما أدى إلى انطلاق مفاوضات لبنانية إسرائيلية مباشرة عبر لجنة «الميكانيزم» التي ضمّت الولايات المتحدة وفرنسا والأمم المتحدة عبر اليونيفل، وهي مفاوضات انطلقت في إطار تقني، ما لبثت أن تحولت إلى مفاوضات سياسية بعد ضغوط إسرائيلية، حيث أدخل في عدادها مفاوضون مدنيون - دبلوماسيون من الطرفين اللبناني والإسرائيلي.
ثمة تحديات كثيرة تواجه لبنان، حيث يخضع لضغوط متعددة الأوجه في وقت لا يملك أوراقاً ذات شأن قابلة للبناء عليها. سيما أن الواقع اللبناني الحالي صعب جداً، فهو يرزح تحت ضغوط العمليات العسكرية الإسرائيلية، والضغوط الدبلوماسية الإقليمية والدولية للمضي في مسار تفاوضي محدد الأهداف.
إن أسس أي تفاوض مؤثر بين الأطراف يخضع لميزان القوى العسكرية والسياسية والاقتصادية وغيره من المقاييس، الأمر الذي يفتقده لبنان حالياً وهو غير قادر فعلياً على التأثير في مجرياته عملياً، وبالتالي مضطر للسير وسط مصاعب تتطلب حذاقة تفاوضية وتواصلاً فاعلاً مع القوى الدولية التي يمكنها مساعدته، وهو أمر مفقود حالياً بفعل شبكة التحالفات التي تقيمها إسرائيل وتفرضها مع معظم الدول الفاعلة إقليمياً ودولياً.

10 مارس 2026
حدود الدبلوماسية في الحرب الإيرانية

د. خليل حسين

من الواضح أن مسار الأزمة الإيرانية قد تخطى حدود السياقات الدبلوماسية، وباتت السياقات العسكرية تطغى على أي تحرك ممكن، لاسيما أن الأطراف المعنية التي يمكن أن تؤدي دوراً ما قد باتت ضمن البيئات الضعيفة التي يمكن أن تترك أثراً إيجابياً، ومرد ذلك طبيعة العلاقات والمصالح التي تربط هذه الدول بإيران.
وعلى الرغم من أن مجمل الأزمات الإيرانية قبل الحرب قد أخذت مساحات دبلوماسية كبيرة وفي بعضها توصلت إلى اتفاق برعاية مجلس الأمن الدولي (الدول الخمس الكبرى إضافة إلى ألمانيا)، فإن انسحاب الولايات المتحدة قضى على الاتفاق المبدئي، وفتحت الأبواب إلى ما وصلت إليه وقائع الحرب القائمة حالياً.
لقد تلاشت مسارات التفاوض الممكنة، بخاصة ما صدر من مواقف أمريكية واضحة لعدم الاستعداد حالياً للدخول في مفاوضات لحل الأزمة وإيجاد مخارج ممكنة لبعض الملفات، لاسيما أن جلسات التفاوض الثلاث التي انطلقت قبل الحرب لم تتوصل إلى نتيجة يُبنى عليها، خاصة أن المطلب الأمريكي الإسرائيلي تعدى ملف البرنامج النووي ليشمل أيضاً البرامج الصاروخية، وهي قضايا رفضت طهران في المطلق مناقشتها أو طرحها على طاولة المفاوضات سابقاً وحالياً.
لقد أطاحت طهران بأي إمكانية لمسارات دبلوماسية تفاوضية يمكن أن ترعاها دول الخليج العربية، إذ لم توفر أي دولة من عملياتها العسكرية، حيث قصفت بالصواريخ الثقيلة كلاً من الإمارات العربية المتحدة والسعودية وقطر والبحرين والكويت، وعلى الرغم من الصورة التي اشتهرت بها طهران لجهة التروي في العمل الدبلوماسي، فإن ما فعلته مع الدول الخليجية يمثل تهوراً غير مفهوم في العمل الدبلوماسي ويغلق الباب أمام أي مبادرات يمكن أن تقوم بها هذه الدول.
لقد تمكّنت طهران من نسج علاقات ودية متميزة مع دول كثيرة بهدف الاستناد إلى مواقفها التي يمكن أن تؤيدها، كالصين وروسيا وفرنسا، إلا أن سرعان ما ظهرت صور أخرى لمواقف هذه الدول، جلها اتسمت بالحذر وعدم اتخاذ قرارات أو مواقف يفهم منها دعم واضح لطهران، رغم أن قراءة العلاقات بين البلدين، كانت تشير إلى اتفاقات استراتيجية مبرمة، بشكل مدروس ونوعي دقيق، تلامس حدود الدفاع ولو لم يعلن عنها واقعياً ورسمياً، وبالتالي لن تتمكن بكين من القيام بمشاريع وساطة لحل الأزمة، لاسيما أن ثمة إشارات أمريكية واضحة لجهة عدم تحبيذها إعطاء بكين قدرات فاعلة في هذا المجال.
في المقلب الآخر المتصل بروسيا ومواقفها من الحرب القائمة، فهو لا يختلف عن الموقف الصيني، رغم الاتفاقات الاستراتيجية المعقودة مع موسكو أيضاً التي لم تستثمر بمواقف نوعية تتسم بالمواجهة، فمعظم المواقف التي أطلقتها موسكو حتى الآن، هي في سياقات دبلوماسية معنونة بالدعوة للحلول الدبلوماسية والابتعاد عن الأعمال العسكرية التي تؤجج الحرب.
في الواقع تبدو إيران اليوم وحيدةً في حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد تراجع وتخلي دول كثيرة إقليمية وعالمية عن مساندتها ولو بمواقف دبلوماسية، وباتت اليوم في عزلة إقليمية ودولية غير مسبوقة.
فالوضع معقد جداً ويبدو أنه يتجه نحو مخاطر أكبر في حال اتسع نطاق الحرب وتجاوز حدوده الحالية، وانخرطت فيها قوى أخرى في إطار الصراع القائم على تشكيل نظام دولي جديد قائم على العدالة والمساواة، بديلاً للنظام الحالي الذي تسعى الولايات المتحدة للبقاء على رأسه، في إطار استراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتكريس سيطرة أمريكا من خلال القوة.

22 فبراير 2026
واقع القانون الدولي ومستقبله

د.خليل حسين*

يمر القانون الدولي وتشريعاته الخاصة والعامة بأزمة وجودية، وهي سابقة خطرة تهدد العلاقات الدولية ومنظماتها العالمية والإقليمية، وتكاد تطيح اليوم بالأسس التي قامت عليها قواعد الأمن والسلم الدوليين، التي أسهمت في تنظيمها وتقويمها الأمم المتحدة، والتي ارتضت معظم دول العالم بما حاكته المعاهدات والاتفاقيات لبنية العلاقات الدولية وقضاياها.
ومآسي القانون الدولي اليوم بما يواجهه من خرق وتجاوز لقواعد دفعت البشرية أثماناً كبيرة للتوصل إليها، لكنها لم تكن يوماً موضع احترام وقبول، بل إن الدول عامة كانت ولا تزال تنتظر أي فرصة سراً وعلانية لتجاوز قواعده، بخاصة عندما يتعلق الأمر بما يسمى سيادة الدولة، وعليه ظلت قواعده مجرد شعارات برّاقة لا معنى لها واقعياً في ظل تنامي قوة بعض الدول اللا متناهية، واستعمالها المفرط لوسائل القوة بلا ضوابط أو حتى بتناسب القوة والحالات المنفذة عليها.
فحتى في الفترات التي شهدت توازناً نسبياً بين الدول الكبرى، لم يحترم القانون الدولي، حيث انتشرت الحروب والصراعات الإقليمية الواسعة، بل ثمة من يقول إن تداعيات وآثار هذه الحروب في عهد الأمم المتحدة مثلاً، فاقت بأضعاف ما سبقها من أزمات، بخاصة إبان الحربين العالميتين الأولى والثانية، فالأزمات الإقليمية انتشرت بشكل مفرط، ما دفع بالدول إلى المضي في إنشاء وتكوين المنظمات الإقليمية والقارية ذات الطابع الأمني والعسكري، بهدف مواجهة المخاطر المحتملة.
وفي الغوص بمضامين القانون الدولي وواقعه، يسجل بنية قانونية ارتكزت أساساً على فلسفة السلم وضرورة فرضه وليس حفظه فقط، لكن الواقع والوقائع خلاف ذلك تماماً، وهو في الأساس نابع من تجاوز الدول ورغبتها المفرطة في عدم البقاء تحت حكمه وتشريعاته، وظلت في معظم الحالات تعتبره وديعة تقف خلفها وتأخذ وتطبق منها ما يتلاءم ويتوافق مع تطلعاتها ومصالحها.
لقد ظل القانون الدولي كصورة نمطية يعبر عن حجم القوى في الأحلاف الدولية، إبان الثنائية القطبية، لكن تداعيات الآحادية القطبية أوجدت صوراً وأنماطاً مختلفة ومتباعدة لعلاقات الدول وكيفية تفاعلها مع القوانين الدولية، وهو في الواقع أمر طبيعي باعتبار أن القوة المهيمنة على النظام العالمي قادرة على استبعاد أو تحييد أطر القوانين الدولية في معظم الحالات، بل تكييفها وفقاً لمصالحها وإطلاقها كما تريد.
ما حدث في العقد الأخير كان عبارة عن تأسيس واقع أقسى حدة في الربع الأول من الألفية الثالثة، حيث بات القانون الدولي بمثابة شاهد زور على تجاوزات وجرائم لا حدود لها، بدءاً من اجتياحات دول واحتلالها كنموذج احتلال الكويت الذي أدى إلى احتلال العراق لاحقاً، ثم الأزمة الأوكرانية وقيام روسيا بضم شبه جزيرة القرم ودخولها في حرب لا أفق لها. وما جرى ويجري اليوم من حروب ومجازر موصوفة وموثقة، يعتبر صورة عن عدم قدرة القانون الدولي للتعامل مع تلك القضايا، ذلك عدا عن الأزمة الفنزويلية، وقضية جزيرة غرينلاند والأزمة الإيرانية والقضية الفلسطينية.
ثمة انهيار غير معلن لقواعد القانون الدولي، ما يثير أسئلة جوهرية حول مستقبل قواعد الشرعية الدولية ومدى قدرة العودة إليها والعمل بها. والأخطر حالياً سعي الولايات المتحدة إلى تهميش واضح وواسع لدور الأمم المتحدة من خلال انسحابها من خمس وعشرين منظمة دولية.
وربما السؤال الأهم الذي يُثار بقوة، هل أن المجتمع الدولي قادر على التخلي عن الأمم المتحدة وما تشكله على الأقل نظرياً من بيئة ضابطة إلى حد ما في تنظيم وضبط العلاقات الدولية وقضاياها؟ بتقديرنا مهما يكن دور الأمم المتحدة عبر القوانين الدولية يبدو هزيلاً، فإن وجوده والعمل به يبقى أفضل الممكن في ظل انعدام البدائل أولاً، وعدم وجود قوى دولية قادرة على مواجهة الانحدارات المتسارعة للقوانين الدولية.
كأستاذ جامعي للقانون الدولي، تظهر حجم المعاناة التي لا حدود لها، وبخاصة عند الحصص التعليمية الأولى، حيث صعوبة إقناع سامعينا بالقانون الدولي وأهميته في تنظيم الجماعات والدول، وضرورة الحفاظ عليه، باعتبار أن البديل عنه هو أسوأ!

*رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

25 يناير 2026
زلزال فنزويلا والنظام العالمي القادم

د. خليل حسين*

كانت بداية المتغيرات، الإقليمية والدولية، مع سقوط النظام السوري قبل سنة ونيف، حيث بدت معالم الإقليم في الشرق الأوسط، كأنه يحضر لمعالم ممتدة في غير منطقة من العالم، حيث بدت الارتدادات تتوالى، ومعظمها تتركز في أطر التهيؤ لنظام جديد، لحين قيام الزلزال الفنزولي الذي بدا تكملة لفورة جديدة على مستوى النظام العالمي القادم.
وما قامت به الولايات المتحدة لم يكن مفاجئاً، بل سبقته العديد من المظاهر في غير منطقة من العالم، تصريحاً وتلميحاً، من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لجهة الرؤية الأمريكية للنظام الفنزويلي. وفي هذا المجال ظهرت العديد من المواقف والمطالب التي أطلقها الرئيس ترامب، لجهة الدعوة إلى ضم كندا، وقبلها المكسيك، وآخرها جزيرة غرينلاند التي ستستتبع بمطالب أخرى، ليس أقلّها إسقاط أنظمة في أمريكا اللاتينية، بينها كولومبيا وكوبا، وغيرهما، وجميها أتت في سياقات واضحة أطلقت في غير اتجاه. وما يؤكد ذلك السياق، تصريح ترامب بأن لا حدود لصلاحياته طالما يعتبر نفسه القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية، فهو مرتبط بما يراه ربطاً سلوكياً أخلاقياً شخصياً، لا كما تحدّده الشرائع الدولية التي لم تكن حاكمة عندما يتعلق الأمر بالمصالح الأمريكية، كما أعلنها بوضوح.
إن تلك الوقائع تشي، بوضوح، بنية الإدارة الأمريكية إعادة تموضع مختلف على الصعيد العالمي، أقلّه محاولة رسم نظام عالمي جديد يترجم موازين قوى جديدة رُسم مؤخراً، وتتابعت فصوله إلى يومنا هذا، في إطار تأكيد هيمنة القوة الأمريكية ليست العسكرية فقط، بل أيضاً مجمل الصور والمقاييس الاقتصادية، والمالية، والحضارية، والثقافية، وإن بدت في بعضها غير متكافئة مع متطلبات النفوذ الحاسم.
فالإدارة الأمريكية تحاول اليوم إعادة تثبيت دعائم وصور النظام العالمي الذي أطلقته بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بداية تسعينيات القرن الماضي، والذي تخلّتله، لاحقاً، العديد من المحاولات التي برزت لمحاولة كسر، أو احتكار الهيمنة الأمريكية العالمية، عبر بعض التجمعات، من بينها «البريكس» مثلاً.
في أيّ حال، تحاول الولايات المتحدة حالياً المضي في خيارات السيطرة بكسر الكثير من قواعد القانون الدولي التي لم تحترم في الأساس، في غير موقع أو مناسبة، وما جرى مثلاً في المسألة الفنزويلية يعتبر تخطياً، وتجاوزاً لقضايا السيادة التي تأسست عليها الأمم المتحدة، والتي اعتبر المسّ بها مساساً بالمحرمات بين الدول.
ولا ينتهي الأمر عند أمر يتصل بدولة محدّدة، بل إن الأمر يتمدّد ليشمل مناطق ودولاً، استناداً إلى مقولة حماية الأمن القومي الأمريكي، وحينها يصبح استعمال مختلف أنواع السطوة والقوة متاحاً، وفقاً لوجهة نظر الإدارة الأمريكية. وما يعزز تلك السلوكات عدم وجود مواجهات ذات مستوى ردعي عالي الفعالية، بل إن بعض القوى المهيأة لمثل تلك المواجهات منشغلة بصراعات جانبية، كالصراع الروسي الأوكراني، والإلهاء الصيني بتايوان، وغيرها من القضايا التي تقلق القوى الطامحة إلى لعب أدوار ذات أوزان عالمية عظمى.
يبدو حالياً، أن الولايات المتحدة تحاول الاستحواذ على المقدرات الاقتصادية للعديد من المناطق العالمية، بطرق مباشرة أو غير مباشرة، ولو بدت عنيفة عبر استعمال القوة، وتجاوز ما تبقى من سمات القانون الدولي، وبالاتفاق أو عدمه مع قوى أخرى تتقاسم معها بعض دوائر النفوذ بهدف التمكن من إرساء قواعد جديدة تحكم، وتتحكم في قواعد التعامل بأقل قدر ممكن من المواجهات، إن حدثت.
إن زلزال سوريا العام الماضي قد أحدث نقطة ارتكاز قوية للولايات المتحدة ليس في الشرق الأوسط فقط، وإنما بامتدادات كثيرة له، واليوم، انتقلت الإدارة الأمريكية إلى ما تسميها الحديقة الخلفية لها في أمريكا اللاتينية، ففنزويلا ليست مجرد بداية عابرة، وإنما خطوة ستتلوها خطوات حاسمة في المستقبل القريب، في ظل غياب وانكفاء قوى كانت يوماً تسمى قوى واعدة في نظام عالمي متعدد الأقطاب.

*رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

25 ديسمبر 2025
المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية وتحدّياتها

* د.خليل حسين

تعتبر المفاوضات وجهاً من وجوه الحلول الممكنة بين الدول، وعادة ما تأتي بعد نزاعات وصراعات ممتدّة، تستعمل فيها وسائل مختلفة، وهي عادة ما تكون نتاجاً لتوصل الأطراف إلى قناعة تامة بجدوى المفاوضات، أو أنها تفرض عنوة بعد فرض موازين قوى جديدة، تستعمل لتكريس مسارات متنوعة، لتحقيق ما عجزت عنه مسارات النزاع.
وتكتسي المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية واقعاً خاصاً، نظراً للظروف الذاتية والموضوعية التي يعيشها لبنان، فعند التدقيق نجد أن الموضوع لم يكن سهلاً، ولا يخضع لقوانين محدّدة متعارف عليها بين الدول، وإنما تتداخل فيها ظروف داخلية مؤثرة باتجاهات مختلفة، إما داعمة، وإما رافضة، على خلفيات متعدّدة، منها الأيديولوجي، ومنها تحالفات خارجية لأطراف داخلية لبنانية، ومنها في الجهة المقابلة إسرائيلياً، ارتباطها ببرامج وطروحات استراتيجية يفوق حجم آفاقها وتداعياتها قدرة لبنان على استيعابها، وتحمّل نتائجها.
وفي الواقع، لا تعتبر المفاوضات القائمة حالياً بين لبنان وإسرائيل مسألة مستجدّة، بل لها سوابق ممتدّة، بدايتها بعد الحرب العربية - الإسرائيلية الأولى، في عام 1948، والتي أدت بلبنان إلى توقيع اتفاقية الهدنة في آذار/ مارس، عام 1949، التي رعاها مجلس الأمن، وانتجت اتفاقية خضعت للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والتي ظلت، حتى اليوم بشكل عام، قاعدة يرتكز عليها لبنان في أيّ إطار للمفاوضات، علاوة على بيئات تفاوضية لاحقة أجريت بين الطرفين، اللبناني والإسرائيلي، بظروف مختلفة، من بينها مفاوضات عام 1983 التي أجريت بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، في يونيو/ حزيران، عام 1982، والتي انتجت اتفاقية 17 أيار/ مايو، التي ألغيت في عام 1984 من الجانب اللبناني، نتيجة رفض داخلي.
وشكّل انهيار الاتحاد السوفييتي مناسبة للمضي في مسارات تسوويّة في الشرق الأوسط، حيث انطلقت مفاوضات مباشرة في إطار مؤتمر مدريد للسلام، الذي انتج اتفاقيات سلام بين إسرائيل، والأردن، والسلطة الفلسطينية، فيما لم تصل المفاوضات مع الجانبين، اللبناني والسوري، إلى نتائج محدّدة، وتوقفت المفاوضات بعد رعاية أمريكية، فيما ضغطت إسرائيل لمتابعتها عبر عمليات عسكرية واسعة في لبنان، من بينها في العامين 1993 و1996، وانتجت، هذه الأخيرة، اتفاقاً سمي «تفاهم نيسان»، الذي وضع إطاراً لإدارة الأزمة، وليس حلاً شاملاً، بين لبنان وإسرائيل.
محطة أخرى من التفاوض بين الجانبين، اللبناني والإسرائيلي، أدت في عام 2022 إلى اتفاق حول ترسيم الحدود البحرية على قاعدة تقاسم الموارد، الغازية والنفطية، في المياه الإقليمية والاقتصادية لكلا الطرفين، وقد حدّدتها ورعتها الولايات المتحدة. إلا أن حرب غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وانهيار النظام السوري في ديسمبر/ كانون الأول 2024، والحرب على لبنان، أعادت خلط الأوراق من جديد بين لبنان وإسرائيل، ما أدى إلى انطلاق مفاوضات لبنانية إسرائيلية مباشرة عبر لجنة «الميكانيزم» التي ضمت أيضاً الولايات المتحدة، وفرنسا، والأمم المتحدة، عبر «اليونيفيل»، وهي مفاوضات انطلقت في إطار تقني، ما لبثت أن تحولت إلى مفاوضات سياسية، بعد ضغوط إسرائيلية، حيث أدخل في عدادها مفاوضون مدنيون - دبلوماسيون من الطرفين، اللبناني والإسرائيلي.
ويعتبر مسار المفاوضات الحالي عبر لجنة «الميكانيزم»، إطاراً تهدف إسرائيل من خلفه للتوصل إلى مسائل محدّدة لطالما سعت إليها، من بينها التوصل إلى اتفاقية سلام، وتطبيع كامل، وهو أمر حاذره لبنان سابقاً نتيجة ظروفه، الداخلية والخارجية، ويبدو أنه مضطر اليوم إلى التعامل مع مفردات المفاوضات بطرق مختلفة عن السابق، نتيجة المتغيرات التي فرضتها إسرائيل.
في الواقع، ثمة تحدّيات كثيرة تواجه المفاوضات، وبخاصة الجانب اللبناني، حيث يخضع لضغوط متعدّدة الأوجه والمصادر، وهو مطالب بالسير في مفاوضات منتجة، وقابلة للحياة كما تريدها إسرائيل، في وقت لا يملك لبنان أوراقاً ذات شأن قابلة للبناء عليها. لا سيّما وأن الواقع اللبناني الحالي صعب جداً، فهو يرزح تحت ضغوط العمليات العسكرية الإسرائيلية، والضغوط الدبلوماسية، الإقليمية والدولية، للمضي في مسار تفاوضي محدّد الأهداف.

*رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

16 ديسمبر 2025
لبنان بين استحالة الضم وضرورات الحياد

د. خليل حسين *

يقبع لبنان تحت ضغط هائل من التهديدات، المعلنة والمضمرة، وفي مختلف الأحوال هو مهدّد بمخاطر وجودية، تارة باجتياحات عسكرية إسرائيلية، وتارة أخرى بمشاريع ومقترحات، تخبو حيناً وتظهر حيناً آخر، بحسب مصالح الأطراف، الراعية والداعمة، لتلك المشاريع.
آخر ما ظهر من تصريحات يمكن الوقوف عندها بجدية، ما صرح به المبعوث الأمريكي إلى سوريا ولبنان، توم برّاك، حول وجوب ضم لبنان إلى سوريا، على قاعدة ما لهما من مظاهر حضارية وثقافية مشتركة، وهي مفردة سياسية لطالما ظهرت في تاريخ العلاقة بين البلدين اللذين يتقاسمان وجوهاً متقاربة، كما وجوهاً متباينة، علاوة على استغلال هذه المفردات من مختلف الأطراف اللبنانية والخارجية، على حد سواء، مع تبادل واضح في الأدوار والخلفيات المتصلة بها.
ولبنان الذي ضُمت إليه أربعة أقضية سلخت سابقاً من بلاد الشام التي أصبحت فيما بعد سوريا، ظل يعاني تلك الإضافة التي لم يرض بها المسلمون بسهولة، ويسجل في هذا الشأن الدور الريادي الذي لعبته الحركة الوطنية في سوريا، في عام 1936، بإقناع المسلمين بقبول الانضمام إلى لبنان، والتخلي عن مشروع الوحدة مع سوريا، وحصل ذلك على مضض، إلى جانب ذلك، ظهرت، لمواجهة مشروعَي الاتحاد والفرز، مطالبة مسيحيي لبنان، آنذاك، بالحياد، ولطالما ظلت هذه المطالب تظهر بقوة في مشاريع الأحزاب والقوى اللبنانية في مختلف محطات التنازع، والاحتراب الداخلي.
وتبدو المفارقة اليوم، في حال تم المضي في ذلك المشروع، أي الضم، أن معظم اللبنانيين سيعارضون الالتحاق بسوريا، باستثناء قلّة قليلة لا تشكل رقماً وازناً، بخاصة ما ظهر من تنافر بين الشرائح الاجتماعية والسياسية الوافدة من سوريا إلى لبنان، إبّان الأزمة السورية، وما تركت من تداعيات سلبية مقلقة، وصلت إلى حدّ التصادم والتناحر، حتى على وسائل العيش والعمل، حتى بات الوجود السوري يشكل خطراً وجودياً، لا سيما وأن تعداد الوافدين تجاوز تعداد المواطنين اللبنانيين.
وبصرف النظر عن مستقبل الدولة السورية، ونظامها السياسي والدستوري، ثمّة سؤال يطرح: هل ثمّة إمكانات ناجعة للضم، أم لا؟ وما هي تداعيات ذلك على علاقة الشعبين، اللبناني والسوري، لا سيما وأن مظاهر التنافر باتت واضحة تماماً بين الطرفين.
فحتى الآن لم يظهر نموذج واضح لطبيعة النظام الذي سيحكم سوريا، فهل ستبقى دولة موحدة؟ أم أنها ذاهبة إلى التقسيم كنظام كونفيدرالي؟
ربما الإشارة التي اطلقها برّاك لهذا المشروع المفترض، يعبّر عن مشاريع أخرى طُرحت سابقاً، لرسم خرائط سياسية جديدة لمنطقة الشرق الأوسط، وربما تبدو الأوضاع اليوم مشجعة على المضي في ذلك، بعد الزلزال السوري الذي خلط الأوراق في مجمل المنطقة، وأعاد رسم موازين قوى جديدة، استبعدت منه قوى شكلت محوراً، لكنها سرعان ما تهاوت في الحرب الإسرائيلية على غزة، ولبنان، وإيران.
لا شك في أن عملية الضم، إذا تمت عنوة، ستؤدي إلى شروخ سياسية اجتماعية ذات طابع نزاعي، وعليه، يتطلب الأمر مزيداً من الوعي في طريقة التدبّر للاعتراض، والبحث عن وسائل ممكنة تكون أقل كلفة بما هو قادم.
ربما يشكل حياد لبنان في هذه المرحلة مساراً ممكناً، لتفادي الصراعات والنزاعات التي ستزيد الأمور تعقيداً، وفي الواقع، ثمّة متغيرات في الواقع السياسي اللبناني ظهرت، أخيراً، يوضح عدم اعتراض فئات واسعة من اللبنانيين على الحياد حتى من أولئك الذين رفضوا ذلك سابقاً، وعليه، فإن مفتاح الحلول موجود، إذا جرى تأمين الشروط الأخرى لإنجاح مشروع الحياد.
ثمّة صعوبات كثيرة تواجه مشروع الضم المشار إليه، كما أن هناك صعوبات ليست سهلة للتوصل إلى الحياد، إلّا أن ثمّة تجارب دولية مماثلة نجحت عندما كانت الإرادة متوفرة، كحياد كل من سويسرا، والنمسا، والسويد، وبولندا، وفنلندا، ودول البنلوكس الثلاث، في ظروف مشابهة، ومختلفة أحياناً، إلّا أن هذا الخيار ترك للشعوب والنظم العيش بسلام.
يعيش الشرق الأوسط حالياً مخاضاً عسيراً، ملؤه الحروب والنزاعات على قضايا مختلفة، أولاها الموارد الاقتصادية، النفط والغاز، وغيرها، وجميعها مغلفة بالمسائل الدينية، والمذهبية، والإثنية. ثمة طبول حرب تقرع، وغيوم سوداء تغطي المنطقة بأكملها.

* رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية