لكل أزمة جوانبها الإيجابية والسلبية، وما تمرّ به المنطقة حالياً يُعدّ غير مسبوق لأجيال نشأت وتربّت على أرض الإمارات، ومع أن الأزمات ليست جديدة علينا فما زالت جائحة كورونا حاضرة في ذاكرتنا بتفاصيلها، فإن هذه الأزمة تحمل طابعاً مختلفاً، إذ لم يسبق لنا أن عشنا صواريخ باليستية ومسيّرات تستهدف بنيتنا التحتية.
ومع ذلك، فإن الأزمات تُقوّي العزائم وتزيد تماسك المجتمع، ليصبح أكثر صلابة في مواجهة التحديات، ومن هنا، فإن لكل فرد دوراً في تعزيز الأمن المجتمعي في دولة الإمارات خلال هذه الظروف فهو أحد أهم ركائز الأمن الوطني، ويبدأ هذا الدور من الأسرة فهي نواة المجتمع وأساس قوته، وتظهر متانتها الحقيقية في أوقات الشدّة من خلال تماسك أفرادها وتكامل أدوارهم.
ويأتي في مقدمة هذا الدور الأب، بوصفه مصدر الأمن والطمأنينة في الأسرة، وتشاركه الأم هذا الدور، حيث يشكّل تماسك الأبوين ركيزة أساسية لاستقرار الأسرة. فقدرتهما على بث الطمأنينة وتخفيف مشاعر الخوف والقلق لدى الأبناء، خاصة عند سماع الأصوات أو متابعة الأخبار، تمثّل عنصراً مهماً في تعزيز أمن الأسرة والمجتمع.
كما يُعد الالتزام بتعليمات الجهات الرسمية في الدولة أمراً بالغ الأهمية خلال هذه الأزمة، إذ تمتلك قيادة الدولة الصورة الكاملة بمختلف تفاصيلها، وتصدر توجيهاتها بناءً على معلومات دقيقة وبيانات موثوقة، بما يسهم في اتخاذ القرارات التي تحافظ على مكونات أمن الدولة، ومن أهمها الأمن الاجتماعي.
ومن المهم كذلك تقليل التعرض للأخبار التي تُبثّ بتفاصيل مثيرة للخوف والقلق، فليس كل ما يُنشر يستحق المتابعة، نظراً لما قد يتركه من أثر سلبي على الحالة النفسية والذهنية لأفراد الأسرة، فقد يؤدي تراكم هذه المؤثرات إلى تضخيم ردود الفعل تجاه مواقف بسيطة، كصوت إغلاق باب أو سقوط شيء داخل المنزل، نتيجة للمخزون النفسي المتأثر بوسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، لذلك، يُفضَّل الاعتماد على المصادر الرسمية للدولة في متابعة الأخبار والتعليمات، لما لها من دور في تعزيز الطمأنينة ورفع الحالة الإيجابية داخل الأسرة والمجتمع.
كما أن من أهم أدوار أفراد الأسرة في دعم الأمن المجتمعي هو التحقق من المعلومات قبل تداولها، فالإشاعات تنتشر بكثرة في أوقات الأزمات، ومن هنا، يجب الرجوع إلى المصادر الرسمية للتأكد من صحة أي معلومة، ثم التساؤل قبل نشرها: هل تسهم هذه المعلومة في تعزيز الأمن المجتمعي؟ أم قد تكون سبباً في إثارة القلق وزعزعة الاستقرار؟
كما ينبغي تجنّب تصوير أو نشر أي مقاطع تتعلق بالأزمة، لما قد يترتب عليها من آثار غير متوقعة تتجاوز حدود التصور.
إن أمن المجتمع لا يتحقق بالقرارات الرسمية وحدها، بل يبدأ من وعي كل فرد داخل أسرته فالمسؤولية مشتركة، والتكامل بين أفراد المجتمع هو الأساس في تجاوز التحديات، حفظ الله الإمارات قيادةً وشعباً، وكل من يعيش على أرضها.
إن إطلاق استراتيجية للهوية الوطنية في اجتماعات حكومة الإمارات الأخيرة يعد خطوة طموحة للأمام نحو تعزيز الهوية الإماراتية، فالإمارات تحمل في هويتها سمات مميزة يشهد بها القاصي والداني، وبالرغم من قيام الجهات الحكومية في الإمارات بجهود وطنية ملحوظة لتعزيز الهوية الوطنية، فإن هذه الجهود في حاجة لمظلة تجمعها وتقوم بمتابعتها وإطلاق مبادراتها وقياس مؤشراتها بشكل علمي مدروس، وإطلاق هذه الاستراتيجية بالتعاون بين وزارة الثقافة ومكتب المشاريع الوطنية في وزارة شؤون الرئاسة يعطيها القوام القوي للتنفيذ والمتابعة من أعلى مستويات الهرم القيادي في دولة الإمارات، كما أن مشاركة أكثر من 40 جهة اتحادية ومحلية من مختلف القطاعات في صياغة هذه الاستراتيجية يعطيها قوة شمولية في تنفيذها.
ولتكون أكثر وضوحاً في مبتغاها فقد حددت الاستراتيجية رؤيتها بأن تصل إلى «هوية وطنية إماراتية راسخة، تجسد طموح القيادة، يتبناها ويعتز بها المجتمع لتحقيق الاستقرار والازدهار»، فقد شملت هذه الرؤية عدة جوانب مهمة من رسوخ للهوية الوطنية، والرسوخ هنا يعني الصلابة والثبات في حملها بين الأجيال وهو الذي تطمح إليه القيادة في الإمارات، فيتبناه ويعتز به مجتمع الإمارات في سبيل تحقيق الاستقرار والانطلاق نحو الازدهار.
والمميز في هذه الاستراتيجية أنها حددت تعريفاً للهوية الإماراتية، فهي «خصائص فريدة» للمجتمع الإماراتي تستمدها من المكارم والأخلاق الإسلامية والقيم السمحة، وترتكز على روح الاتحاد والانتماء للوطن، ومدعومة بأصالة اللغة واللهجة المحلية.
وحددت الاستراتيجية الركائز الأساسية للهوية الوطنية، كما حددت الاستراتيجية قيم الهوية الإماراتية، فهذه الركائز والقيم هي التي يستمد منها ويتحلى بها مجتمع الإمارات وتعطيه تميزاً أمام الأمم.
ولكي تحقق مبتغاها صاغت الاستراتيجية ثلاثة أهداف واضحة تمثلت في تعزيز الانتماء والاعتزاز بالهوية الوطنية الإماراتية، وتعزيز التلاحم والاستقرار الأسري والمجتمعي، وتعزيز حضور الهوية الوطنية الإماراتية في مجالات التعاون والتواجد الدولي.
ولتحقيق أهداف الاستراتيجية هناك وسائل تمثلت في أبعادها في نقل وتجسيد الهوية وهي اللغة والثقافة، والإعلام، والأسرة والمجتمع، والحكومة والسياسة، والتعليم، والدين الوسطي والتعايش، والاقتصاد، وكلها أبعاد ووسائل فاعلة في وقتنا الراهن فبها ومنها تتعزز الهوية وتنطلق للتعبير عن وجودها بصلابة.
ولواقعيتها في التنفيذ شملت الاستراتيجية المواطنين والمقيمين في الإمارات؛ فهم نسيج واحد للمجتمع يقوم كل بواجبه ويتمتع بامتيازات وجوده على أرض الإمارات، لذلك فإن وجود كل مكونات المجتمع الإماراتي لتنفيذ الاستراتيجية هو مطلب أساسي لنجاحها، فلا يمكن تنفيذ الاستراتيجية على جزء من المجتمع دون الآخر، ومن عوامل نجاح أي استراتيجية توكيلها لجهة تقوم بحوكمتها ومتابعة تنفيذها.
ختاماً، ستبقى الهوية الوطنية هاجساً وطنياً نحتاج كلنا أن نتآزر لدعمه من خلال هذه الاستراتيجية، وفي نظري الشخصي أن العبء الأكبر في ذلك يقع على الأسرة التي لديها الدور المحوري في تربية النشء على حب الإمارات والتعبير عنه بإيجابية محلياً ودولياً، ومما لا شك فيه أن تكاتف هذه الجهود في سبيل تحقيق أهداف هذه الاستراتيجية سيثمر في رسوخ الهوية الوطنية والاعتزاز بها لدى الأجيال المتعاقبة في دولة الإمارات.
د. أحمد الخزيمي
«... نظراً لأن إرادتنا وإرادة شعب إماراتنا قد تلاقت على قيام اتحاد بين هذه الإمارات؛ من أجل توفير حياة أفضل واستقرار أمكن ومكانة دولية أرفع لها ولشعبها جميعاً»، بهذه العبارة الجامعة المحددة للأطراف والكيفية والأهداف بدأت ديباجة دستور دولة الإمارات، الذي تم التوقيع عليه في 18 يوليو 1971.
هذا التاريخ الذي يعد من أهم التواريخ الوطنية في الإمارات، ففي هذا اليوم تنفس قادة ومحبو الإمارات الصعداء، بعد مفاوضات ماراثونية استمرت قرابة السنتين والنصف؛ بدأت بالاجتماع التاريخي بين الشيخ زايد والشيخ راشد، رحمهما الله، في سيح سديره بتاريخ 18 فبراير 1968، ومرت المفاوضات بمراحل مختلفة وصلت أحياناً فيها إلى قمة التفاؤل، كما حدث في الاجتماع التساعي في فبراير عام 1968، وأحياناً أخرى لمستوى راودت فيه الشكوك الكثيرين بقيام الاتحاد، كما كان الحال في أكتوبر عام 1970، ما استجلب وساطات خارجية صديقة، قُدمت فيها مقترحات لدساتير مختلفة تحاول أن تصل فيه إلى توافق بين الآراء، حتى تم توقيع الدستور في يوم الأحد الموافق 18 يوليو 1971 معلناً توافق القادة على الدستور وممهداً لقيام الاتحاد في 2 ديسمبر من ذات العام.
في اليوم التالي لتوقيع الدستور 19 يوليو 1971 علقت جريدة «الأهرام» المصرية على التوقيع لافتة النظر للإمارات ومستشرفة بتفاؤل الوضع المستقبلي، وكأنها تحكي ما ننعم به حالياً حينما قالت: «الدولة الجديدة تمثل قيمة استراتيجية لا يستهان بها؛ بسبب مواصلاتها البحرية والجوية والبرية، وتستطيع سياسياً في المستقبل تحت أي شكل من أشكال التعاون مع الدول العربية، المطلة على الخليج أن تحول الوجود العربي في هذه المنطقة، بما له من إمكانات وطاقات كبيرة إلى قوة، قادرة على حماية أمن المنطقة واستقلالها وتتعايش مع جيرانها تعايش الأصدقاء الأنداد»، وقالت كذلك: «إن الدولة الجديدة تعتبر من الناحية الاقتصادية من أغنى دول العالم نسبياً؛ نظراً لثرواتها الطبيعية متى أُحسن استغلالها».
إن اعتماد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، ليوم 18 يوليو يوماً وطنياً وإطلاق اسم يوم عهد الاتحاد عليه، يعطي هذا الحدث التاريخي أهمية خاصة ترتسم في أذهان الأجيال المتعاقبة من الوطن ويرسخ في أنفسهم هوية وطنية قوية مبنية على أحداث تاريخيّة مهمة في مسيرة دولة الإمارات؛ لينعم الوطن بأبناء متعاهدين في الحفاظ على مكتسبات الآباء المؤسسين في بناء اتحادنا الغالي.