صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
عبدالله أحمد آل علي
كاتب

باحث متخصص في القضايا الأمنية

أحدث مقالات عبدالله أحمد آل علي
26 مايو 2026
السردية الإيرانية ورواياتها

في السياسة، لا يكفي أن نتابع التصريحات الرسمية أو المواقف الإعلامية لفهم سلوك الدول، لأن ما يظهر على السطح غالباً لا يمثل سوى «الرواية»، بينما يكمن المحرك الحقيقي في «السردية» التي تنتج تلك الروايات، وتمنحها معناها واتجاهها.

ومن هنا تحديداً، يمكن قراءة السلوك الإيراني في المنطقة، إذ إن الجمهورية الإسلامية لم تتحرك منذ عام 1979 باعتبارها دولة اعتيادية داخل الإقليم، بل باعتبارها مشروعاً سياسياً وأيديولوجياً يمتلك تصوراً خاصاً لمكانته، ولدوره في الشرق الأوسط، والعالم الإسلامي.

الرواية الإيرانية تتغير بحسب طبيعة الجمهور المستهدف، لكنها تظل مرتبطة بسردية مركزية أكثر ثباتاً.

ففي الداخل الإيراني، تُقدَّم الدولة باعتبارها حامية للاستقلال الوطني والسيادة في مواجهة الضغوط والعقوبات الخارجية، بينما تُطرح في الإقليم باعتبارها داعماً لقضايا المنطقة ومشروعاً يرفض الهيمنة الغربية، أما في خطابها الموجه إلى الغرب فتسعى إلى تقديم نفسها كدولة تطالب بحقوقها الطبيعية في امتلاك أدوات القوة، والتكنولوجيا، والردع، ضمن توازنات النظام الدولي.

غير أن هذه الروايات المتعددة ليست سوى أوجه مختلفة لسردية أعمق، تقوم على فكرة أساسية مفادها أن إيران ليست مجرّد دولة قومية بحدود جغرافية ثابتة، بل قوة حضارية ترى أن أمنها ونفوذها ومكانتها لا تُختزل داخل حدودها السياسية. ولهذا تنظر طهران إلى محيطها الإقليمي باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها القومي، وليس مجرّد نطاق جغرافي مجاور.

هذه المقاربة تفسر جانباً مهماً من سلوك إيران الإقليمي، خلال العقود الماضية. فمن منظور النظام الإيراني، فإن بناء النفوذ خارج الحدود ليس خياراً سياسياً ثانوياً، بل ضرورة استراتيجية تهدف إلى منع انتقال التهديدات إلى الداخل الإيراني نفسه.

ولهذا اعتمدت طهران على بناء شبكات نفوذ متعدّدة، وأدوات ردع غير تقليدية تمنحها قدرة أكبر على إدارة التوازنات الإقليمية، ورفع كلفة أيّ مواجهة مباشرة معها.

كما أن التجربة التاريخية الإيرانية لعبت دوراً محورياً في تشكيل هذا العقل السياسي. فإيران تحمل ذاكرة ثقيلة من التدخلات الخارجية، والعقوبات، والحروب، ومحاولات الاحتواء، بدءاً من التنافس الإمبراطوري القديم وصولاً إلى الحرب العراقية الإيرانية، والعقوبات الغربية الممتدة لعقود.

ولذلك تطورت لدى النظام حساسية استراتيجية عالية تجاه فكرة «الحصار»، وأصبح توسيع دوائر النفوذ جزءاً من فلسفة الدفاع عن الدولة، وحماية النظام.

وفي المقابل، فإن الإشكالية الكبرى تكمن في أن هذه السردية الإيرانية تصطدم مباشرة بمخاوف دول المنطقة، خصوصاً في الخليج العربي، التي تنظر إلى الاستقرار الإقليمي من زاوية الدولة الوطنية، والتنمية، والتوازن السياسي، لا من زاوية النفوذ العابر للحدود، أو إدارة التوازنات عبر أدوات أيديولوجية وأمنية ممتدة.

ومن هنا، نشأ التباين العميق بين المقاربة الإيرانية والمقاربة الخليجية تجاه مفهوم الأمن الإقليمي. فبينما ترى إيران أن النفوذ الإقليمي يشكل امتداداً طبيعياً لأمنها القومي، ترى دول الخليج أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر احترام سيادة الدول، وتقوية مؤسساتها الوطنية، ومنع تحويل الجغرافيا العربية إلى ساحات نفوذ وصراع مفتوح.

كما أن إيران تجمع في سلوكها السياسي بين البراغماتية العالية، والخطاب الأيديولوجي، في آن واحد. فهي قادرة على التفاوض بمرونة عندما تقتضي مصالحها ذلك، وفي الوقت ذاته تحافظ على خطاب ثوري يمنح مشروعها شرعية، داخلية وخارجية.

وهذه الازدواجية ليست تناقضاً بقدر ما هي جزء من طبيعة النظام نفسه، الذي يدير الدولة باعتبارها كياناً سياسياً، ومشروعاً عقائدياً، في الوقت ذاته.

اليوم تبدو المنطقة أمام تحولات كبرى تعيد تشكيل أولويات القوى الإقليمية. فالدول الخليجية تتجه نحو بناء نماذج تنموية واقتصادية مستقرة، بينما تواجه إيران تحديات اقتصادية، وضغوطاً دولية متزايدة.

ومع ذلك، لا تزال طهران تتحرك وفق قناعة راسخة بأن الحفاظ على النفوذ الإقليمي يمثل أحد أهم شروط حماية النظام، وضمان استمراريته.

ولهذا، فإن فهم إيران لا يبدأ من رواياتها اليومية، بل من سرديتها العميقة التي ترى العالم من زاوية المكانة، والنفوذ، والصراع على الاعتراف والدور. أما الروايات السياسية والإعلامية التي تنتجها، فهي في النهاية أدوات متحركة تخدم تلك السردية الثابتة.

وفي الختام، تبقى المعضلة الكبرى حين تتحول السرديات المتنافسة إلى حقائق تتحرك على الأرض، لأن إدارة النفوذ تصبح عندها أكثر تعقيداً من إدارة المصالح نفسها.

18 مارس 2026
مجلس التعاون الخليجي.. والدرس الاستراتيجي

تمرّ منطقة الخليج العربي بمرحلة دقيقة من تاريخها السياسي، مع تصاعد المواجهة في المنطقة. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، يصبح الخليج – بحكم الجغرافيا والتحالفات – جزءاً مباشراً من معادلة الصراع، حتى وإن لم يكن طرفاً أصيلاً فيه.
لقد كشفت الأسابيع الأخيرة عن تحول نوعي في طبيعة التهديدات التي تواجهها دول الخليج. فالحرب الحديثة لم تعد تدار فقط عبر الجيوش التقليدية، بل عبر أدوات غير متماثلة تعتمد على الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والهجمات المركبة التي تستهدف البنية التحتية الحيوية. وفي هذا السياق، تعرضت عدة دول خليجية لموجة واسعة من الهجمات الجوية القادمة من إيران، في محاولة لفرض ضغط استراتيجي عليها.
وتشير التقديرات العسكرية التي أعلنتها جهات دفاعية في المنطقة إلى أن الاعتداءات الإيرانية منذ بداية التصعيد شملت إطلاق نحو 512 صاروخاً باليستياً، وقرابة 2150 طائرة مسيّرة هجومية، إضافة إلى ما يقارب 340 صاروخ كروز استهدفت دول الخليج أو مرت عبر أجوائها في طريقها إلى قواعد عسكرية ومنشآت لوجيستية.
وعلى المستوى التفصيلي، رصدت دولة الإمارات وحدها 196 صاروخاً باليستياً وأكثر من 1070 طائرة مسيّرة خلال الأيام الأولى من التصعيد، تمكنت أنظمة الدفاع الجوي من اعتراض الغالبية العظمى منها. كما أعلنت الكويت اعتراض 178 صاروخاً باليستياً و384 طائرة مسيّرة استهدفت مجالها الجوي، في حين سجلت قطر 101 صاروخ باليستي و39 طائرة مسيّرة تم التعامل معها عبر منظومات الدفاع الجوي.
أما البحرين فقد أعلنت تدمير 74 صاروخاً باليستياً و123 طائرة مسيّرة كانت متجهة نحو أراضيها. كما تعرضت السعودية لسلسلة هجمات بالصواريخ والمسيّرات استهدفت منشآت للطاقة وقواعد عسكرية، في استمرار لنمط التهديد الذي عرفته المنطقة خلال السنوات الماضية.
هذه الأرقام، وإن بدت عسكرية في ظاهرها، تحمل في جوهرها دلالات سياسية عميقة. فهي تكشف أن الخليج لم يعد مجرد منطقة استقرار اقتصادي أو مركز للطاقة العالمية، بل أصبح ساحة متقدمة في الصراع الإقليمي، حيث تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى مع حسابات القوى الإقليمية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية العودة إلى الفكرة التي قام عليها «مجلس التعاون لدول الخليج العربية عندما تأسس عام 1981، في خضم تداعيات»الحرب العراقية الإيرانية. فقد أدركت دول الخليج آنذاك أن التحديات الأمنية في المنطقة أكبر من قدرة أي دولة على مواجهتها منفردة.
غير أن التجربة الخليجية خلال العقود الماضية أظهرت أن مسار التكامل لم يكن دائماً سهلاً. فقد واجه المجلس اختبارات كبرى، بدءاً من غزو الكويت عام 1990، وصولاً إلى التباينات السياسية التي بلغت ذروتها خلال «الأزمة الخليجية 2017». وفي كل مرة كانت المنظومة الخليجية تنجح في تجاوز الأزمة سياسياً، لكنها كانت تكشف أيضاً عن فجوة بين طموح الوحدة وواقع السياسات الوطنية لكل دولة.
اقتصادياً، تمثل دول المجلس واحدة من أهم الكتل الاقتصادية في العالم، إذ يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي المشترك تريليوني دولار، بينما تعد المنطقة أحد الأعمدة الرئيسية لاستقرار أسواق الطاقة العالمية. غير أن المفارقة الاستراتيجية تكمن في أن هذه القوة الاقتصادية الكبيرة لم تتحول بعد إلى منظومة دفاعية موحدة بالمستوى نفسه من التكامل.
إن ما تكشفه الأزمة الحالية هو أن الحروب الحديثة لم تعد تقاس بعدد الجيوش أو الطائرات فقط، بل بقدرة الدول على بناء منظومات دفاعية متكاملة تستطيع مواجهة التهديدات المركبة مثل الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية.
ومن هنا يصبح السؤال الذي يطرح نفسه أمام دول الخليج: هل يمكن الانتقال من مرحلة التنسيق الخليجي الوقتي إلى مرحلة التكامل الحقيقي الدائم؟
الإجابة قد تتطلب قدراً من الواقعية السياسية، وربما أيضاً بعض التنازلات المؤلمة. فالتاريخ يعلمنا أن التكتلات الإقليمية الكبرى لا تتشكل إلا عندما تدرك الدول أن مصالحها المشتركة أكبر من حساباتها الضيقة.
كما أن إدارة العلاقة مع الحليف الدولي، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، تكون أكثر فاعلية عندما تتم من إطار جماعي، لا من خلال علاقات منفردة مع كل دولة على حدة.
قد يكون الدرس الأهم الذي ينبغي استخلاصه من هذه الأزمة أن الأمن في عالم اليوم أصبح مفهوماً مترابطاً.
فالصاروخ الذي يعبر سماء دولة خليجية لا يعرف الحدود السياسية، كما أن التهديد الذي يستهدف منشأة نفطية في دولة ما ينعكس أثره على استقرار الاقتصاد الإقليمي بأكمله.
وفي الختام مستقبل الخليج لن يتحدد فقط بقدرة كل دولة على حماية نفسها، بل بقدرة المنظومة الخليجية على العمل بوصفها كتلة استراتيجية واحدة قادرة على تحويل التحديات إلى فرصة لبناء نظام أمني وسياسي أكثر تماسكاً في منطقة لا تعرف الهدوء طويلاً.

4 مارس 2026
النظام الإيراني وسلوك الغوريلا

تشهد منطقة الشرق الأوسط في مطلع مارس (آذار) 2026 مرحلة دقيقة من تاريخها السياسي، حيث تراكمت أحداث متسارعة أثرت في توازنات القوى الإقليمية.
ففي نهاية فبراير (شباط) الماضي، أعلنت الحكومة الإيرانية رسمياً مقتل المرشد الأعلى وعدد من كبار قياداتها العسكرية خلال هجوم شنّته قوات مشتركة تابعة للولايات المتحدة وإسرائيل.
هذا الإعلان، وهو الأول من نوعه في تاريخ الجمهورية الإسلامية، يمثل صدمة بنيوية لمركز القرار داخل طهران.
وفق بيانات رسمية إيرانية منشورة على المنصات الحكومية في 29 فبراير (شباط) 2026، فقد قُتل المرشد الأعلى، إلى جانب خمسة من كبار قادة الحرس الثوري والقوات المسلحة، كما أُعلنت إصاباتٌ في صفوف المسؤولين، ما أدى إلى انقطاع في آليات القيادة المركزية، وفق ما وثقته البيانات الرسمية.
هذه الخسارة القيادية التي لم تعرفها إيران منذ قيام الجمهورية عام 1979، تضع النظام أمام اختبار صعب في إدارة الأزمات، خصوصاً في لحظة تصعيد غير مسبوقة في العلاقات الدولية.
* صدمة القيادة وأثرها على القرار:
تُظهر الدراسات في أنظمة السلطة المركزية أن غياب القيادة العليا المفاجئ غالباً ما يؤدي إلى ارتفاع الدور الأمني على حساب القرار السياسي، وفي الحالة الإيرانية، يمثل موقع المرشد الأعلى نقطة ارتكاز في منظومة اتخاذ القرار، وهو ما بات واضحاً بعد فقدانه.
الاقتصاد الإيراني نفسه كان في وضع هش قبل هذه الأحداث، في عام 2025، سجّل معدل التضخم الرسمي في إيران نحو 44.5%، وفق آخر تقديرات صندوق النقد الدولي (IMF)، بينما بلغ النمو الاقتصادي الحقيقي نحو 1.7% فقط.
هذه الأرقام، إلى جانب تراجع قيمة العملة الوطنية بنسبة تقارب 30% خلال عامين، خلقت بيئة يصعب فيها امتصاص صدمات سياسية وأمنية جديدة.
* من الردّ الاستراتيجي إلى توسيع نطاق المواجهة:
ردّ إيران على الهجوم، بدل أن يحصر المواجهة ضمن حدودها، شهد توسّعاً في طبيعة الرد وأطرافه. فقد شملت التحركات مواقع في دول الخليج العربي، ما اعتُبر تجاوزاً للحدود التقليدية للصراع.
هذا السلوك أثار ردود فعل من عدة عواصم في المنطقة، التي أصدرت بيانات رسمية تؤكد رفضها أي استهداف سيادي لأراضيها.
المحور الإيراني لم يعلن بوضوح أهداف هذا التوسّع، وهو ما يرسّخ الانطباع بأن الردّ لم يرتبط باستراتيجية محددة، بل كان تعبيراً عن ارتباك في تحديد الأولويات.
* البيانات الاقتصادية والأمنية: تكلفة التصعيد
وفق تقرير وكالة الطاقة الدولية (IEA)، فإن نحو 20% من صادرات النفط العالمية تمر عبر مضيق هرمز، وهو الممر الذي يربط الخليج بالعالم، أي اضطراب في هذا النظام يمكن أن يتسبب في ارتفاع أسعار النفط عالمياً بما يتجاوز 10% في أوقات التوتر.
كما أشار تقرير للبنك الدولي صدر في يناير (كانون الثاني) 2026 إلى أن كل أسبوع إضافي من عدم الاستقرار في الخليج قد يُكبد الاقتصاد العالمي خسائر مباشرة وغير مباشرة تتجاوز 15 مليار دولار، نتيجة تعطيل سلاسل الإمداد وارتفاع كُلف التأمين.
من منظور أمني، تشير بيانات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي (SIPRI) إلى أن الإنفاق العسكري الإيراني بلغ نحو 18.5 مليار دولار في 2024، وهو رقم يُعد متوسطاً مقارنة بدول أخرى في المنطقة، لكنه يشير إلى اعتماد إيران على أدوات تقليدية في الردّ بدل أدوات الضغط المتعددة.
* سلوك القوة الغريزية وتأثيره السياسي:
في التحليل السياسي، يُنظر إلى سلوك الدولة الذي يغلب عليه الردّ السريع غير المحسوب بوصفه سلوك قوة غريزية، يفرض نفسه حين تمر القيادة بفقدان توازن داخلي.
هذا السلوك، وإن بدا في الظاهر تعبيراً عن الحزم، فإنه في الواقع يعكس صعوبة في إدارة اللحظة وتحديد الأهداف الاستراتيجية.
توسيع دائرة الردّ، وخصوصاً استهداف دول لم تكن طرفاً مباشراً في الهجوم الأولي، جعل إيران موضعاً لانتقادات دولية وأعباء دبلوماسية غير مسبوقة، فبدل أن يركّز النظام على احتواء الصدمة وتجنّب إحداث انزلاق إقليمي، تعمّق نطاق التوتر وأصبح يؤثر في بيئات سياسية واقتصادية لم تكن في محور النزاع.
* الخاتمة: منطق الدولة في لحظات الصدمة
خاتمة القول يكشف هذا التطور الفارق بين الردّ الاستراتيجي المدروس وسلوك الردّ الغريزي غير المنضبط، فالتاريخ السياسي يشير إلى أن إدارة الصدمات لا تتحقق بقوة الردّ فحسب، بل بقدرة الدولة على إعادة ضبط سياساتها بسرعة، ووضع حدود واضحة للأهداف ضمن سياق محيطها وجوارها الإقليمي الذي يمثل قدرها الجيوسياسي والاقتصادي الأبدي في الأهداف والمصالح الدائمة.

11 فبراير 2026
إيران بين أزمة الهيمنة وهيمنة الأزمة

د. عبدالله أحمد آل علي*

تدخل إيران مرحلة تتجاوز معنى «الأزمة» بوصفها ظرفاً اقتصادياً، أو توتراً اجتماعياً عابراً، إذ باتت الأزمة إطاراً حاكماً لإدارة الدولة والمجتمع، معاً.
تقارير دولية اقتصادية تؤكد أن النمو ارتبط جزئياً بتعافي قطاع النفط، على الرغم من استمرار العقوبات، مع استمرار هشاشة الاحتياطيات والاختناقات البنيوية.
وعلى مستوى البيانات، تُظهر مؤشرات البنك الدولي استمرار النمو، لكن ضمن بيئة قيود وهيكلة اقتصادية تُبقي الاستقرار معرضاً للاهتزاز.
هنا تتجلى «هيمنة الأزمة» في تحويل الاقتصاد إلى لغة سياسية يومية: العملة والتضخم وتكاليف المعيشة، لم تعد أرقاماً محايدة، بل أصبحت معادلة ثقة.
وفي هذا السياق، يلفت البنك الدولي إلى ضغوط سعر الصرف وارتفاع توقعات التضخم في ظل التصعيد الإقليمي، وتشدّد العقوبات.
كما أن النقاش حول إصلاحات شكلية، مثل إعادة تسمية العملة/حذف أصفار من الريال يُعدّ مؤشراً على عمق إشكال «التضخم المزمن» في الاقتصاد السياسي الإيراني.
لكن الوجه الأخطر هو «أزمة الهيمنة»: حين تتراجع القدرة على الإقناع والوساطة السياسية، ويزداد الاعتماد على الأمننة.
ويتصل ذلك بما ترصده آليات أممية لحقوق الإنسان من استمرار القمع والتصعيد الأمني في التعامل مع الاحتجاجات، وما يرتبط بها من قتل، واعتقالات، وإجراءات تقييدية.
في المعنى السياسي، هذا المسار يرفع كلفة إدارة الداخل، ويضاعف فجوة الثقة، فتغدو «شرعية النتائج» (المعيشة والخدمات والفرص)، معياراً أكثر حسماً من «شرعية التعبئة».
ومن هنا تُفهم سردية «إيران النظام»: فصورة إيران -داخلياً وخارجياً- لم تعد تُقرأ عبر الدولة-الأمة وحدها، بل عبر بنية الحكم التي تحدد حدود الاقتصاد، والمجال العام، ونمط العلاقة مع الإقليم. ومع اشتداد التداخل بين الداخل والخارج، يتحول الإقليم إلى ساحة اختبار مزدوج: إما تخفيف الاستنزاف عبر تهدئة محسوبة، وإما زيادة الكلفة عبر تصعيد يضغط على الداخل اقتصادياً، ويغلق نوافذ التخفّف.
إقليمياً، تتغذّى «نبرة الحرب» من ديناميات ردع متبادلة، ومن سوء تقدير محتمل.
وفي الأسابيع الأخيرة، ظهر خطاب دولي وإقليمي يُركز صراحة على «تفادي الصراع»، و«منع التصعيد»، ما يعكس إدراكاً لكلفة الانزلاق على المنطقة بأسرها.
كما أن مسار الاجتماعات والتصريحات الإقليمية حول التهدئة، يعكس رغبة في احتواء التوترات، ومنع اتساعها.
في المقابل، تُظهر وثائق رسمية خليجية أن الإقليم -خاصة الخليج- يحافظ على مقاربة ثنائية: رفض واضح لأيّ مساس بالسيادة أو الاستقرار، مع إبقاء الباب مفتوحاً لمسارات تخفيف التوتر، وفق قواعد حسن الجوار. وعلى خط موازٍ، يبرز في وثائق مشتركة (EU–GCC)، مطلب صريح لإيران بالسير نحو خفض التصعيد الإقليمي، وضمان الطابع السلمي للبرنامج النووي، ووقف الانتشار المتصل بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
ضمن هذه اللوحة، يبدو خيار «تغيير سياسة النظام» أقرب إلى الواقعية من «تغيير النظام»، ليس بوصفه تنازلاً، بل بوصفه هندسة بقاء: براغماتية اقتصادية تقلل الانكشاف، وتهدئة اجتماعية تخفف الاحتكاك، وتموضع إقليمي يحدّ من الاستنزاف من دون التفريط في أدوات الردع.
وما يهم الإقليم هو أن تُترجم أيّ إشارات تهدئة إلى سلوك قابل للقياس، لا إلى إعادة تموضع تكتيكية قصيرة.
خاتمة القول: يستقر الإقليم حين تراجع طهران كلفة الصراع المنهكة، ومقاربة حسن الجوار الفعال، ويوازن من في الإقليم العربي بين الردع، والانخراط المشروط والمتوازن بواقعية.

*باحث في الشؤون الأمنية

6 ديسمبر 2025
الإمارات.. الاتحاد والممكن العربي

د.عبدالله أحمد آل علي

يشكّل الإعلان عن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر/كانون الأول عام 1971، نقطة تحوّل مفصلية في التفكير السياسي العربي. ففي لحظة كان فيها العالم العربي يمرّ بحالة من التشتت البنيوي، ظهرت الإمارات بمقاربة جديدة للوحدة تقوم على تحويل التعدد إلى مصدر قوة، والاختلاف إلى رافعة للتكامل، والوحدة إلى مشروع مؤسسي قابل للقياس لا إلى شعار عاطفي.
هذا التحوّل لم يكن مجرد تجربة محلية عابرة، بل أصبح لاحقاً نموذجاً عربياً مستقراً يبرهن أن الإرادة السياسية، حين تقترن برؤية واضحة وبنية مؤسسية مرنة، قادرة على إنتاج اتحاد ناجح قابل للتطور.
ورغم التحديات التي واجهت الدولة الناشئة في سنواتها الأولى، من تباين البنى الاقتصادية إلى اختلاف الهياكل الإدارية ومحدودية القدرات التنموية، فقد استطاعت القيادة المؤسسة، وعلى رأسها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أن ترسّخ صيغة اتحادية متوازنة تُبقي على خصوصية الإمارات الأعضاء، بينما تمنح الحكومة الاتحادية القدرة على صياغة السياسات الكبرى وتوجيه مسارات التنمية.
هذه الصيغة التي جمعت بين اللامركزية الرشيدة والمركزية الفاعلة أثبتت قدرتها على إنتاج نظام سياسي مستقر حافظ على تماسك الدولة طوال أكثر من خمسة عقود.
وقد تكرّس نجاح التجربة الإماراتية عبر بناء منظومة مؤسساتية حديثة باتت اليوم محوراً رئيسياً في تفسير صعود الإمارات إقليمياً ودولياً.
ومن بين أبرز ركائز هذه المنظومة المؤسسات المالية الكبرى، وعلى رأسها «صندوق أبوظبي للاستثمار» (ADIA)، الذي يُعد أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم، وقد أسهم في تحويل الاستثمارات الخارجية إلى مصدر استراتيجي لتعزيز الاستقرار الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل الوطني. وإلى جانبه، شكّلت «شركة مبادلة للاستثمار» نموذجاً متقدماً للاستثمار السيادي الذي يتجاوز إدارة الأصول نحو بناء قطاعات مستقبلية تشمل التكنولوجيا المتقدمة، والصناعة، والفضاء، والرعاية الصحية، ما منح الدولة أدوات عملية للمنافسة في الاقتصادات الحديثة.
وفي الحقل المالي، برز «مركز دبي المالي العالمي» (DIFC) بوصفه منصة تشريعية وتنظيمية وفق المعايير العالمية، مكّنت الإمارات من جذب أعداد كبيرة من المؤسسات المالية العالمية، وجعلت من الدولة مركزاً إقليمياً يستقطب رؤوس الأموال ويوفر بيئة أعمال قادرة على دعم أي مشروع تكاملي عربي مستقبلي. إن هذا النجاح القانوني والتنظيمي ليس تفصيلاً إدارياً، بل هو أحد العناصر الجوهرية التي جعلت الاتحاد الإماراتي نموذجاً ملهماً في الحوكمة الاقتصادية.
وفي قطاع الطاقة، اتبعت الإمارات مقاربة تقوم على المواءمة بين إدارة موارد النفط التقليدية عبر «شركة أدنوك»، وبين الاستثمار المكثّف في الطاقة النظيفة عبر «شركة مصدر». هذه الثنائية، التي تجمع بين واقعية الحاجة الاقتصادية وتطلعات الاستدامة، جعلت الدولة لاعباً رئيسياً في التحول الطاقي العالمي. أما استضافة الإمارات لمؤتمر الأطراف COP28، فقد جاءت لتؤكد أن الدولة الاتحادية لم تعد فقط نموذجاً عربياً ناجحاً، بل أصبحت منصة دولية قادرة على قيادة ملفات عالمية مركبة. وتعكس شركات وطنية كبرى مثل «طيران الإمارات» و«الاتحاد للطيران» بُعداً آخر من أبعاد القوة الإماراتية الحديثة، إذ تحولت إلى أدوات قوة ناعمة عززت موقع الدولة في شبكات النقل والتواصل الدولي، وأصبحت امتداداً لقدرة الاتحاد على توظيف الاستقرار السياسي والاقتصادي في بناء مؤسسات قادرة على المنافسة عالمياً.
أما على مستوى المؤشرات الدولية، فقد حققت الإمارات مراتب متقدمة في منافسات عالمية تشمل جودة الحياة، والأمن، والبنية التحتية، والاستثمار، وسهولة ممارسة الأعمال.
هذه النتائج لا تمثّل مجرد تقدم اقتصادي، بل تجسّد قدرة النموذج الاتحادي على بناء بيئة تنموية مستدامة قادرة على جذب العقول، واستقطاب الاستثمارات، وتوسيع نطاق التأثير الإقليمي للدولة.
انطلاقاً من كل ذلك، لم تعد التجربة الإماراتية مجرد حالة وطنية ناجحة، بل أصبحت مشروعاً عربياً قابلاً للتكييف في بيئات تبحث عن صيغ وحدوية أو تكاملية تتجاوز إرث التجزئة والتنافس السلبي. إن النموذج الإماراتي لا يقوم على الاندماج القسري، ولا على إلغاء الخصوصيات، بل على شراكة مؤسسية واعية تُبنى على الثقة وتُدار بأدوات حديثة وتنجح بفضل وضوح الرؤية واستدامة السياسات.
خاتمة القول، يغدو الاتحاد الإماراتي اليوم أحد أبرز النماذج العربية التي أعادت تعريف الممكن السياسي في المنطقة.
وإنّ الطريق الذي فتحته الإمارات منذ 1971 لا يزال مفتوحاً أمام دول عربية عديدة تبحث عن نموذج يقودها إلى المستقبل بثقة ورصانة واستقرار وتنمية في محيطنا العربي المضطرب.

[email protected]

26 سبتمبر 2025
معادلة الاستقرار تبدأ بدولة فلسطين

د. عبدالله أحمد آل علي*

منذ عقود طويلة شكّل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أحد أعقد ملفات السياسة الدولية، وأحد أبرز مصادر التوتر في الشرق الأوسط. وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية الراهنة، تبرز قناعة متزايدة في أوساط عدد من مراكز الفكر الغربية ومنها ما أشار إليه باحثون مثل جولي نورمان في معهد RUSI بأن الأمن الإسرائيلي الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة.
هذه الرؤية، التي تستند إلى معادلة متوازنة في إدراك الأمن والسلام، تمثل اليوم أحد المسارات الواقعية لفك عقدة الصراع وإعادة صياغة مستقبل المنطقة.
الأمن الإسرائيلي، وفق هذا الطرح، لا يقوم على التفوق العسكري وحده، ولا على منظومات الردع المتقدمة، بل على وجود تسوية سياسية مستدامة تنهي جذور الصراع. فقيام دولة فلسطينية ذات مؤسسات راسخة وحدود معترف بها، لا يعني فقط تلبية الحد الأدنى من حقوق الفلسطينيين، بل يشكّل في الوقت نفسه الضمانة لاندماج إسرائيل في محيطها الإقليمي على قاعدة الاعتراف المتبادل والمصالح المشتركة.
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن إدارة الصراع من دون حل جذري تزيد من هشاشة الأمن الإسرائيلي ذاته، حيث تبقى جبهات المواجهة مفتوحة، كما نشهده في تداعيات الحرب على غزة.
أما معادلة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، فإنها تنقل العلاقة من منطق الهيمنة إلى منطق الشراكة، وهو ما يشكل جوهر السلام العادل الذي تسعى إليه الأطراف الجادة.
خطوة الاعتراف التي أقدمت عليها دول مثل بريطانيا وفرنسا وأستراليا وكندا والبرتغال وكندا وبلجيكا ولوكسمبورغ ومالطا وأندورا وموناكو لا يمكن النظر إليها بمعزل عن التحولات العميقة التي أحدثتها حرب غزة.
فهذه الحرب لم تكشف فقط عن حجم الكلفة الإنسانية الباهظة، بل أظهرت أيضاً حدود القوة الإسرائيلية في ضمان الاستقرار. وقد دفعت هذه الوقائع عواصم غربية إلى مراجعة قناعاتها، والاقتراب أكثر من المقاربة الواقعية: إن أمن إسرائيل لا يستقر إلا إذا رُسّخت أسس الدولة الفلسطينية.
هذا الاعتراف الدولي يحمل ديناميات جديدة تؤثر في مسار العملية السياسية، فمن جهة يفتح نافذة لإعادة إحياء حل الدولتين ضمن إطار زمني واقعي، ومن جهة أخرى يضغط على الأطراف الرافضة لهذا الحل لتبني نهج أكثر براغماتية.
إن السياق الدولي الحالي، حيث تتشابك مصالح القوى الكبرى مع استقرار الشرق الأوسط، يعزز من أهمية البحث عن تسوية عادلة. الولايات المتحدة، وإن بدت مترددة أحياناً، تدرك أن غياب الأفق السياسي يُضعف مكانتها في إدارة ملفات المنطقة.
أما الاتحاد الأوروبي، فقد أصبح أكثر وضوحاً في ربط أمن إسرائيل بقيام دولة فلسطين.
وعلى المستوى الإقليمي، فإن دول الخليج، ومعها الأردن ومصر، ترى في هذا المسار حجر الزاوية في ضمان استقرار إقليمي أوسع.
يمكن القول إننا أمام لحظة مفصلية تفرض على صانع القرار الإسرائيلي مراجعة استراتيجياته الأمنية. فالمعادلة لم تعد قائمة على القوة الصلبة وحدها، بل على إدماج عنصر الشرعية السياسية.
إن بناء جدار عالٍ أو امتلاك ترسانة عسكرية متطورة لن يحقق سلاماً داخلياً طويل الأمد، بينما الاعتراف بالدولة الفلسطينية يمنح إسرائيل ما هو أعمق: القبول الإقليمي والدولي كدولة طبيعية لا ككيان دائم التهديد.
وفي الختام، إن إدراك أن الأمن الإسرائيلي يتطلب قيام دولة فلسطينية ليس مجرد طرح أكاديمي، بل هو استنتاج عملي تؤيده الوقائع الميدانية والاعترافات الدبلوماسية المتصاعدة.
فالفلسطينيون بحاجة إلى دولة تحفظ كرامتهم وحقوقهم، والإسرائيليون بحاجة إلى بيئة آمنة ومستقرة. وبين هذين المطلبين تتشكل المعادلة التي يمكن أن تنقل المنطقة من دوامة الصراع إلى أفق التسوية التاريخية وتعيد مسار الاستقرار والنماء في منطقة الشرق الأوسط وتعيد تسريع عجلة التوافقات في كافه القضايا الدولية لمسار الازدهار المستدام.

*باحث في الشأن الأمني

[email protected]