صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
محمد الحمادي
كاتب
أحدث مقالات محمد الحمادي
5 يونيو 2026
الوعي الخليجي بعد مطار الكويت

لا يمكن النظر إلى الاعتداء الإيراني على مطار الكويت، ولا إلى الاعتداءات التي سبقته على البحرين والإمارات، باعتبارها حوادث منفصلة.. فمع دخول الحرب شهرها الرابع، بدأت قناعة خليجية تتشكل بأن دول الخليج أصبحت هدفاً مباشراً لمحاولات الانتقام الإيرانية، رغم أنها ليست طرفاً مباشراً في الصراع.

فمن استهداف محطة براكة للطاقة النووية إلى الاعتداءات المتكررة على البحرين ومنذ يومين مطار الكويت، كل هذه الهجمات وقعت خلال فترة الهدنة ووقف إطلاق النار، يتضح أن هذه الاعتداءات لا تستهدف تغيير موازين الحرب بقدر ما تستهدف فرض كلفة على دول الخليج وإشعارها بأنها ستدفع ثمن صراع لم تكن طرفاً فيه.

لكن الواقع أن النتيجة جاءت معاكسة لما أراده النظام الإيراني، فبدلاً من إرباك الخليج أو إضعافه، ساهمت هذه الاعتداءات في رفع مستوى الوعي بطبيعة التهديد، وعززت القناعة بأن الأمن الخليجي مسؤولية جماعية لا يمكن التعامل معها بمنطق الدولة المنفردة.. من الواضح أن النظام الإيراني حاول اختبار تماسك الخليج، لكنه ساهم عملياً في تعزيز هذا التماسك، وحاول إرسال رسائل قوة، لكنها دفعت دول المنطقة إلى مزيد من التنسيق وتوحيد الرؤية تجاه التحديات المشتركة.

ولعل أهم ما كشفته الأشهر الماضية أن الاعتداءات الإيرانية لم تعد تُقرأ خليجياً باعتبارها أحداثاً منفصلة أو رسائل موجهة إلى دولة بعينها، ومن هنا تبرز أهمية الدعوة التي أطلقها الدكتور أنور قرقاش إلى موقف خليجي صلب وموحد، لأن المرحلة لم تعد تحتمل مقاربات متفرقة أو ردود فعل منفردة، فالتجربة أثبتت أن أمن دول الخليج مترابط، وأن أي اعتداء على الكويت أو البحرين أو الإمارات أو السعودية أو قطر أو عُمان هو في جوهره اعتداء على الجميع، وكلما ازدادت وحدة الموقف الخليجي، تراجعت قدرة الآخرين على اختبار هذا التماسك أو الرهان على وجود ثغرات فيه.

ولعل ما يستحق التأمل أيضاً أن ردود الفعل الدولية على بعض هذه الاعتداءات لم تكن دائماً بمستوى خطورتها، كما تراها دول الخليج، فحين يُستهدف مطار مدني أو منشأة حيوية في المنطقة، قد ينظر إليه البعض باعتباره تفصيلاً ضمن صراع أكبر، بينما يراه الخليجيون تهديداً مباشراً لأمنهم واستقرارهم وحياة مجتمعاتهم، وهنا تتجدد حقيقة سياسية مهمة وهي أن لا أحد يمكن أن يكون أكثر حرصاً على أمن الخليج من دول الخليج نفسها، ولهذا فإن كل اعتداء جديد لا يعزز فقط الحاجة إلى التضامن الخليجي، بل يعزز أيضاً الحاجة إلى رؤية خليجية أكثر استقلالاً ووضوحاً في حماية المصالح والأمن والاستقرار.

وربما يكون التغيير الأهم الذي أفرزته هذه الحرب أن دول الخليج لم تعد تنظر إلى أمنها بالطريقة نفسها التي كانت تنظر بها قبل أشهر، فالتجربة أثبتت أن التهديد قد يأتي حتى عندما لا تكون طرفاً في الصراع، وأن حسابات القوى الكبرى ليست دائماً مطابقة لأولويات المنطقة، ولذلك فإن الوعي الخليجي الجديد لا يتعلق فقط بإدراك حجم الخطر الإيراني، بل أيضاً بإدراك أن حماية الاستقرار الإقليمي تتطلب رؤية خليجية أكثر استقلالاً وتنسيقاً وقدرة على التحرك المشترك.

واللافت أن الأشهر الماضية كشفت أيضاً عن حقيقة أخرى لا تقل أهمية، فعلى الرغم من التهديدات والهجمات المتواصلة، واصلت دول الخليج عملها، واستمرت مؤسساتها واقتصاداتها ومجتمعاتها في أداء أدوارها بثقة واستقرار، وفي المقابل، أظهرت تطورات الحرب أن التصعيد وحده لا يصنع نفوذاً، وأن القدرة على الصمود والاستمرار تبقى المعيار الحقيقي للقوة.

لقد راهن البعض على أن تؤدي هذه الحرب إلى إرباك الخليج، لكن ما حدث كان العكس تماماً، ولهذا فإن الرسالة التي تخرج من الخليج اليوم واضحة، وهي أن الوقوف مع الكويت هو وقوف مع الخليج كله، والوقوف مع البحرين هو دفاع عن الأمن الجماعي للمنطقة، أما الرهان الإيراني على ترهيب دول الخليج أو تفكيك مواقفها أو التعامل معها كملفات منفصلة، فقد أثبتت الأشهر الماضية أنه رهان خاسر.

وربما تكون هذه هي النتيجة الأهم التي لم تكن في حسابات طهران، فالهجوم على مطار الكويت لم يُنتج خوفاً خليجياً جديداً، بل أنتج وعياً خليجياً جديداً، وعياً يرى أمن الخليج قضية واحدة، ومصيره واحد، وتحدياته واحدة، وهذا الوعي، أكثر من أي صاروخ أو تهديد، يكون الإرث الحقيقي لهذه المرحلة.

@MEalhammadi

كاتب صحفي

2 يونيو 2026
من النفايات إلى الثروة

في الاقتصاد الحديث، لم تعد التنمية تقاس فقط بحجم المصانع والاستثمارات، بل بقدرة الدولة على تحويل الفاقد إلى قيمة، فالدول التي تراهن على المستقبل لا تسأل فقط: ماذا ننتج؟ بل: ماذا نفعل بما نهدر؟ وكيف نحوله إلى ثروة جديدة؟

ومن هنا يمكن قراءة إطلاق المبادرة الوطنية لإعادة تدوير المنسوجات «نسيج»، تنفيذاً لتوجيهات صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ليس باعتبارها مجرد مبادرة بيئية أو حملة توعوية، بل خطوة اقتصادية وصناعية ذات أبعاد استراتيجية طويلة الأمد.

الأرقام هنا مهمة؛ فالإمارات تنتج سنوياً نحو 220 ألف طن من مخلفات المنسوجات، وفي الاقتصاد التقليدي، ينتهي هذا الحجم الهائل إلى مكبات النفايات أو الحرق والهدر، أما في الاقتصاد الدائري، فإن هذه الكميات تتحول إلى مواد أولية جديدة، وسلاسل توريد، وصناعات وفرص استثمار ووظائف، وقيمة اقتصادية مضافة.

العالم المتقدم أدرك هذه الحقيقة مبكراً، فرنسا، على سبيل المثال، تبنت نظاماً وطنياً لإعادة تدوير المنسوجات ضمن مفهوم «مسؤولية المنتج الممتدة»، بحيث تصبح دورة حياة المنتج جزءاً من النموذج الاقتصادي نفسه، بينما وضعت هولندا أهدافاً واضحة لرفع استخدام المواد المعاد تدويرها في قطاع الأقمشة والملابس، واستثمرت دول أوروبية في تقنيات تحويل الملابس المستهلكة إلى ألياف جديدة تعود مرة أخرى إلى دورة الإنتاج.

اللافت في التجربة الإماراتية أنها لا تنقل النماذج العالمية نقلاً حرفياً، بل تعيد توظيفها ضمن فلسفتها الاقتصادية الخاصة، فالإمارات اختارت منذ سنوات أن تتحرك بمنطق الاستباق. رأينا ذلك في الطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي، والموانئ، والخدمات اللوجستية، والصناعة المتقدمة، واليوم نراه في الاقتصاد الدائري للمنسوجات.

تعجبني فلسفة الإمارات الاقتصادية اليوم، فهي تفكر بمنطق العقود المقبلة، وتبني اقتصاداً أكثر ذكاء، أقل هدراً، وأكثر قدرة على الاستدامة والتنافسية، لكن الأهم أن تتحول هذه الفلسفة إلى ثقافة مجتمع أيضاً، فحين تنتج الدولة نحو 220 ألف طن من مخلفات المنسوجات سنوياً، أي ما يعادل قرابة 20 كيلوغراماً للفرد الواحد، فإن السؤال لا يتعلق بالسياسات والمصانع وحدها، بل بعلاقتنا اليومية بالاستهلاك والهدر. نجاح مثل هذه المبادرات لا يبدأ من القرار الحكومي فقط، بل من وعي مجتمعي يرى في الحفاظ على الموارد أسلوب حياة، فبناء المستقبل يبدأ بحسن إدارة ما نملك.

@MEalhammadi

2 يونيو 2026
من النفايات إلى الثروة

في الاقتصاد الحديث، لم تعد التنمية تقاس فقط بحجم المصانع والاستثمارات، بل بقدرة الدولة على تحويل الفاقد إلى قيمة، فالدول التي تراهن على المستقبل لا تسأل فقط: ماذا ننتج؟ بل: ماذا نفعل بما نهدر؟ وكيف نحوله إلى ثروة جديدة؟

ومن هنا يمكن قراءة إطلاق المبادرة الوطنية لإعادة تدوير المنسوجات «نسيج»، تنفيذاً لتوجيهات صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، ليس باعتبارها مجرد مبادرة بيئية أو حملة توعوية، بل خطوة اقتصادية وصناعية ذات أبعاد استراتيجية طويلة الأمد.

الأرقام هنا مهمة؛ فالإمارات تنتج سنوياً نحو 220 ألف طن من مخلفات المنسوجات، وفي الاقتصاد التقليدي، ينتهي هذا الحجم الهائل إلى مكبات النفايات أو الحرق والهدر، أما في الاقتصاد الدائري، فإن هذه الكميات تتحول إلى مواد أولية جديدة، وسلاسل توريد، وصناعات وفرص استثمار ووظائف، وقيمة اقتصادية مضافة.

العالم المتقدم أدرك هذه الحقيقة مبكراً، فرنسا، على سبيل المثال، تبنت نظاماً وطنياً لإعادة تدوير المنسوجات ضمن مفهوم «مسؤولية المنتج الممتدة»، بحيث تصبح دورة حياة المنتج جزءاً من النموذج الاقتصادي نفسه، بينما وضعت هولندا أهدافاً واضحة لرفع استخدام المواد المعاد تدويرها في قطاع الأقمشة والملابس، واستثمرت دول أوروبية في تقنيات تحويل الملابس المستهلكة إلى ألياف جديدة تعود مرة أخرى إلى دورة الإنتاج.

اللافت في التجربة الإماراتية أنها لا تنقل النماذج العالمية نقلاً حرفياً، بل تعيد توظيفها ضمن فلسفتها الاقتصادية الخاصة، فالإمارات اختارت منذ سنوات أن تتحرك بمنطق الاستباق. رأينا ذلك في الطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي، والموانئ، والخدمات اللوجستية، والصناعة المتقدمة، واليوم نراه في الاقتصاد الدائري للمنسوجات.

تعجبني فلسفة الإمارات الاقتصادية اليوم، فهي تفكر بمنطق العقود المقبلة، وتبني اقتصاداً أكثر ذكاء، أقل هدراً، وأكثر قدرة على الاستدامة والتنافسية، لكن الأهم أن تتحول هذه الفلسفة إلى ثقافة مجتمع أيضاً، فحين تنتج الدولة نحو 220 ألف طن من مخلفات المنسوجات سنوياً، أي ما يعادل قرابة 20 كيلوغراماً للفرد الواحد، فإن السؤال لا يتعلق بالسياسات والمصانع وحدها، بل بعلاقتنا اليومية بالاستهلاك والهدر. نجاح مثل هذه المبادرات لا يبدأ من القرار الحكومي فقط، بل من وعي مجتمعي يرى في الحفاظ على الموارد أسلوب حياة، فبناء المستقبل يبدأ بحسن إدارة ما نملك.

@MEalhammadi

31 مايو 2026
عُمان وسؤال التوازن في الخليج الجديد

حين تُذكر عُمان في سياق التهديدات الإقليمية، لا يجب أن يبدأ النقاش من السياسة، بل من المسلّمات، وأول هذه المسلّمات أن أمن سلطنة عُمان وسلامة أرضها وشعبها ليسا محل نقاش خليجي، ولا مساحة للحياد تجاههما.

وأي تهديد يستهدف عُمان، سواء جاء بلغة التصعيد أو التلويح بالقوة، لا يُقرأ خليجيّاً بوصفه شأناً عُمانياً منفصلاً، بل باعتباره مساساً بجزء أصيل من الجغرافيا والمصير المشترك.

في اللحظات الكبرى نتمسك بالحقائق الأساسية وهي أن عُمان ليست مجرد جار، بل امتداد تاريخي وإنساني وسياسي ليس للإمارات فقط وإنما للخليج كله، وما يربط دولنا بعُمان لا تصنعه المصالح الظرفية وحدها، بل ذاكرة مشتركة، وروابط اجتماعية، وإدراك عميق بأن استقرار أي دولة خليجية ينعكس على الجميع.

وبعد تثبيت هذه الحقيقة، يبدأ السؤال الأكثر حساسية وهو كيف ينظر الخليجيون إلى السياسة الخارجية العُمانية، خصوصاً في لحظة إقليمية تبدو مختلفة عن كل ما سبق؟

الحرب الأخيرة وما رافقها من هجوم أمريكي-إسرائيلي على إيران، ثم الاعتداءات الإيرانية السافرة التي طالت دول مجلس التعاون الخليجي بدرجات متفاوتة، فرضت واقعاً جديداً على المنطقة، لم يعد الخطر نظرياً أو مؤجلاً، بل تجربة حقيقية عاشها البشر والمدن والمجتمعات الخليجية، وهو ما أعاد النقاش حول طبيعة الأدوات السياسية والأمنية المناسبة للتعامل مع هذه الحالة الجديدة.

في هذا السياق، عادت السياسة العُمانية إلى واجهة النقاش الخليجي، ولطالما بدت عُمان، في المخيال الخليجي، دولة تتحرك بإيقاع مختلف، فبينما تختار دول خليجية أخرى وضوحاً أكبر في الاصطفافات السياسية والأمنية، تفضل مسقط عبر عقود طويلة سياسة تقوم على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، والحفاظ على مساحة للحوار، بما في ذلك مع إيران.

هذه المدرسة العُمانية لم تأتِ من فراغ، فهي تعكس فلسفة سياسية ترى أن خفض التوتر قد يكون أحياناً جزءاً من إدارة الخطر لا تعبيراً عن القبول به، ولهذا يرى كثيرون في الخليج أن عُمان لعبت أدواراً مهمة كجسر للحوار ووسيط في أوقات التعقيد.

لكن المشهد اليوم يبدو أكثر تعقيداً مما كان عليه في أزمات سابقة، فما يزيد الإحساس الخليجي بأن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة هو تبدّل طبيعة القلق نفسه، فبالأمس كانت دول الخليج تواجه اعتداءات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، بينما تجد عُمان نفسها اليوم أمام لغة ضغط وتهديد غير مألوفة من شريك دولي هي الولايات المتحدة التي ارتبطت معها بعلاقات طويلة تعود إلى قرنين من الزمان، وهذا ما يدفع إلى سؤال خليجي مشروع وهو هل لا تزال الأدوات التقليدية قادرة على إدارة واقع أكثر خشونة واضطراباً؟

وربما تكمن خصوصية اللحظة الحالية أيضاً في أن البيئة التي منحت السياسة العُمانية مساحة واسعة للحركة تبدو في طور التغير، فعلى مدى سنوات، نجحت مسقط في الموازنة بين شراكاتها الغربية وقنواتها المفتوحة مع طهران، لكن التوترات الأخيرة تطرح تساؤلات جديدة حول قدرة هذا التوازن على الاستمرار بالصيغة ذاتها في بيئة إقليمية أقل استقراراً وأكثر استقطاباً.

وربما هنا تحديداً يبرز تحول أوسع في طبيعة السياسة الإقليمية والدولية نفسها، ففي لحظات الاستقرار، قد تمنح القوى الكبرى مساحة أوسع للموازنة والوساطة والتموضع الحذر، لكن في لحظات الاستقطاب الحاد تصبح المطالبة بوضوح المواقف أكثر حضوراً... ويبدو أن الرسالة التي يقرأها كثيرون من التصعيد الأمريكي الأخير تجاه عُمان هي أن المرحلة الراهنة تبدو أقل تسامحاً مع المناطق الرمادية وأكثر ميلاً إلى طلب مواقف أوضح وحدود أكثر تحديداً للشراكات والرهانات.

هنا تحديداً لا يدور النقاش الخليجي حول عُمان بقدر ما يدور حول طبيعة المرحلة نفسها، فهناك من يرى أن اللحظة تتطلب وضوحاً وردعاً أكبر، فيما يعتقد آخرون أن الاحتفاظ بخيوط الحوار يظل ضرورة استراتيجية حين تصل المنطقة إلى حافة التصعيد.

وربما لهذا السبب تبدو هذه المرحلة اختباراً يتجاوز عُمان إلى مجلس التعاون الخليجي نفسه، ففي ظل العواصف الإقليمية، تصبح الحاجة إلى مزيد من التقارب والتنسيق الخليجي أكثر إلحاحاً، ليس فقط لحماية الأمن الجماعي، بل لحماية المشاريع الاقتصادية الكبرى والاستقرار الاجتماعي والطموحات التنموية التي بنت عليها دول الخليج رؤيتها للمستقبل.

فالاختبار الحقيقي اليوم ليس في إلغاء اختلاف المقاربات بين دول الخليج، بل في قدرتها على إدارة هذا الاختلاف داخل مساحة أوسع من الثقة والتنسيق والمصلحة المشتركة، لأن سؤال المرحلة الحالية هو هل يستطيع مجلس التعاون أن يتحول، في لحظة اختبار تاريخية، إلى إطار أكثر تماسكاً وقدرة على حماية المصالح الخليجية المشتركة؟

في النهاية، ربما تكون الطريقة الأكثر إنصافاً لقراءة عُمان ألا تُقرأ بوصفها استثناءً خليجياً، بل مدرسة مختلفة داخل البيت نفسه، مدرسة يراها البعض حكمة سياسية، ويراها آخرون حذراً مفرطاً، لكنها في كل الأحوال تبقى جزءاً أصيلاً وجميلاً من الحكاية الخليجية الكبرى، لا خارجها.

@MEalhammdi

كاتب صحفي

26 مايو 2026
ثماني ساعات ابتسامة

هناك مهن لا تُكتب تفاصيلها كاملة في الوصف الوظيفي، لكنها تُحدث الفرق الحقيقي في تجربة الناس.

مؤخراً، لاحظت عند زيارتي للقليل من الجهات الخدمية العامة منها والخاصة، شيئاً أثار انتباهي، فلم يكن هناك خطأ، ولا تأخير، ولا سوء تعامل بالمعنى المباشر، فالموظف كان يؤدي عمله كما ينبغي، يجيب، يوجّه، وينجز المطلوب، لكن شيئاً صغيراً كان غائباً، أو هكذا شعرت: الابتسامة.

قد يبدو الأمر تفصيلاً بسيطاً، وربما يقول البعض: وهل أصبحت الابتسامة جزءاً من الواجبات الوظيفية؟ بالطبع لا، فلا يوجد بند في عقد عمل ينص على أن الموظف يجب أن يبتسم ثماني ساعات يومياً، لكن هناك أموراً لا تحتاج إلى لوائح مكتوبة كي تصبح جزءاً من الاحتراف.

الابتسامة ليست مجاملة فارغة، ولا ترفاً سلوكياً، بل لغة إنسانية راقية، خصوصاً في الأماكن التي تتعامل مع الناس يومياً، هي الرسالة الأولى التي تصل قبل الكلمات، والانطباع الذي يبقى أحياناً بعد انتهاء المعاملة.

كم من شخص دخل جهة خدمية متوتراً أو غاضباً، فخف توتره بسبب استقبال لطيف أو وجه بشوش؟ وكم من مراجع لم يُنجز طلبه بالكامل، لكنه خرج متفهماً، فقط لأنه شعر بالاحترام وحسن التعامل؟ وفي المقابل، كم من تجربة بسيطة تحولت إلى ذكرى مزعجة بسبب برود الملامح أو جمود الاستقبال، رغم إنجاز المعاملة كما يجب؟

الموظف المبتسم لا يمثل نفسه فقط، بل يعكس صورة المؤسسة وثقافتها واحترامها للناس، وفي زمن تتنافس فيه المؤسسات على جودة الخدمة، لم تعد الكفاءة تُقاس بسرعة الإنجاز وحدها، بل بجودة التجربة الإنسانية المصاحبة لها.

ولعل للابتسامة معنى أجمل في مواسم الفرح، مثل العيد، فالعيد ليس ملابس جديدة وموائد فقط، بل مناسبة يتبادل فيها الناس الطمأنينة والبهجة. في العيد، يبتسم الجار لجاره، والبائع لزبونه، والقريب والغريب، وكأن المجتمع كله يقرر، ولو لأيام قليلة، أن يكون أكثر لطفاً.

غداً يوم عيد، وربما أجمل ما يمكن أن نقدمه لبعضنا ليس شيئاً يشترى، بل شيء بسيط ومجاني: ابتسامة صادقة تقول للآخرين، دون كلمات كثيرة، عساكم من عواده.

@MEalhammadi

19 مايو 2026
الوصل.. الفكرة التي بنت دبي

رغم أنني من الأشخاص الذين لا ينقطعون كثيراً عن دبي، إلا أن هناك مناطق قد أغيب عنها لبعض الوقت، ثم أعود إليها فأشعر كأن المدينة سبقتني بخطوات.

جسر جديد ظهر هنا، ونفق جديد هناك، ومخرج توسّع، وحل مروري ظهر في مكان لم يكن موجوداً من قبل، أحياناً تحتاج فقط إلى بضعة أشهر حتى تشعر أن دبي أعادت ترتيب جزء من نفسها من جديد.

هذا ليس مجرد تطوير طرق عادي، بل جزء من طبيعة هذه المدينة، دبي لا تحب التوقف، ولا تؤمن بأن الازدحام يجب أن يتحول إلى قدر يومي للناس، ولهذا تبدو دائماً كأنها تتحرك أسرع من مشكلاتها.

وربما لا يمكن فهم هذا المشهد بعيداً عن الفكرة الأعمق التي قامت عليها دبي منذ زمن طويل: فكرة «الوصل»، فدبي التي عُرفت تاريخياً بهذا الاسم، ليست مجرد محطة تجارية على الخليج، بل مدينة بُنيت على الربط بين الناس، وبين الثقافات، وبين الفرص، واليوم تبدو هذه الفلسفة حاضرة بوضوح في رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الذي لم يتعامل مع دبي كمدينة تقليدية، بل كمدينة يجب أن تبقى متصلة بالعالم، ومتصلة بالمستقبل، ومتصلة بالناس أيضاً.

لهذا، فإن الجسور في دبي ليست مجرد خرسانة وحديد، بل انعكاس لفكرة أكبر هي إزالة العوائق، وتسهيل الحركة، وجعل الحياة أكثر سلاسة وانسيابية.

حتى المشاريع الكبرى التي قادت صورة دبي عالمياً، من المطارات إلى «طيران الإمارات» إلى الموانئ إلى «إكسبو دبي 2020»، قامت في جوهرها على فكرة الوصل والتواصل، أن تكون دبي نقطة لقاء للعالم، لا مدينة مغلقة على نفسها.

وفي كل مرة أعود فيها إلى منطقة تغيرت ملامحها بسبب جسر جديد أو حل مروري جديد، أشعر أن دبي تقول شيئاً واحداً لسكانها وزوارها، هو: إننا لا نبني طرقاً فقط، نحن نبني مدينة ترفض أن تتوقف.

MEalhammadi@