محمد ولد محمد سالم
تتواصل مهرجانات الشعر العربي وتتوسع وتصل إلى مساحات جغرافية جديدة، وتستقطب ألواناً شعرية مختلفة، بفضل الجهود المتواصلة التي تبذلها دائرة الثقافة في الشارقة متسلحة بتوجيهات ودعم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذي أراد للشعر العربي أن لا تخبو شعلته، وللقصيدة أن يظل وهجها يتعاظم ويضيء دروب الإنسان العربي ويتمدد للعالم، من خلال العمل الدؤوب الذي تقوم به بيوت الشعر التي ترعاها الشارقة في عدد من الدول العربية، على مدار الأسابيع والشهور والسنوات، والذي لم يتوقف منذ أن وجه سموه بإنشاء تلك البيوت عام 2015.
كان مهرجان الشعر المغربي السابع علامة بارزة على اتساع مساحة تأثير مبادرة بيوت الشعر والأنشطة المرتبطة بها، والمدى الذي وصل إليه الشعر العربي في ظلها، حيث شارك فيه أربعون شاعراً من مختلف أطياف الشعر المغربي، إضافة إلى مشاركة دولية لافتة تمثلت في شعراء أفارقة يكتبون الشعر العربي الفصيح، وكذلك شاعرة صينية مثلت الصين في المهرجان، فعكس ذلك التنوع الزخم الذي أحدثته هذه المبادرة الثقافية الكبيرة التي أطلقها صاحب السمو حاكم الشارقة لتعم أقطاراً متعددة.
لم يقتصر المهرجان على الأمسيات الشعرية، بل شهد تكريمات وجوائز عدة، فقد كرم عدة شعراء تقديراً لعطائهم الأدبي وتثميناً لجهودهم الفكرية وإسهاماتهم في المشهد الشعري المغربي، كما كرم الفائزين بجائزتي «النقد الشعري» و«أحسن قصيدة» اللتين تندرجان ضمن برامج دار الشعر بمراكش الرامية إلى دعم التجارب الشعرية والنقدية الجديدة وتشجيع المواهب الشابة، وقد عبر ذلك التنوع في أنشطة المهرجان عن اتساعه وشموله لكل ما يرتبط بالشعر والشعراء وما من شأنه أن يدعم مسيرتهم في مختلف محطات حياتهم.
ما عكسه مهرجان مراكش الشعري من تنوع في آفاق الشعر والمشاركين فيه واحتضانه الأدباء هو نموذج لما تمثله كل مهرجانات الشعر وملتقياته التي ترعاها دائرة الثقافة من خلال بيوت الشعر في الوطن العربي، وكذلك الملتقيات الشعرية التي ترعاها في عدد من دول إفريقيا جنوب الصحراء، التي يتنامى فيها الشعر الفصيح وتتسع مساحاته بفضل تلك الملتقيات، ولقد مثلت الأنشطة المختلفة فاتحة خير على الشعراء الذين ينقصهم الدعم في كثير من دولنا ومجتمعاتنا، وهو نقص يقلل حوافز ممارسة الشعر والاهتمام به، ويدفع إلى تركه، ما ينعكس بشكل خاص على أصحاب المواهب الجديدة الذين يصدمهم الواقع، فلا يواصلون تطوير مواهبهم والبحث عن آفاق إبداعية مبتكرة، فجاءت المبادرة لتجديد الحوافز ودفع المواهب نحو الأمام، وهو ما أتى أكله اليوم في مشاركات شعرية واسعة في المهرجانات، وفي الجمهور الكبير الذي أصبح يتابع تلك المهرجانات.
[email protected]
يُشكّل شعار «تجليات» الذي اختارته دائرة الثقافة في الشارقة للدورة الخامسة والعشرين من مهرجان الفنون الإسلامية التي انطلقت قبل أيام، استمراراً لجملة الشعارات التي اختارتها للدورات السابقة التي تدور جميعها حول مفاهيم الفنون الإسلامية والمعاني العميقة الكامنة خلف إبداعاتها، ومن تلك الشعارات على سبيل المثال: «فنون، أقف، بنيان، مدى، تدرجات» إلى آخره، وقد شكّلت تلك الشعارات على مدى الدورات الماضية اقتراحات حرة لتحفيز رؤى الفنانين في اتجاهين، يتعلق أولهما بمحاولة فهم ملمح من ملامح الفنون الإسلامية، كما استقرت عبر العصور الإسلامية الطويلة، ويتعلق الثاني باستلهام ذلك الملمح في عمل معاصر يتناصّ مع الأعمال الفنية الإسلامية التقليدية، ويدخل معها في حوار حضاري فني حديث.
هذا المسعى التحفيزي جعل من المهرجان على مدى ربع قرن ورشة مستمرة لتطوير الفنون الإسلامية، وخلق تأثير مباشر لها في إبداعات الفنانين المعاصرين من مختلف بلدان العالم ومن كل الثقافات، وكذلك للترويج لها في العالم والتعريف بها على أوسع مدى، واستقطاب الفنانين المسلمين وغير المسلمين للتعاطي بها، وهي الهدف الذي كان صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، يسعى إليه منذ أن وجّه بتأسيس هذا المهرجان عام 1998.
يشير شعار «تجليات» إلى جملة من المفاهيم المؤسسة للرؤية الإسلامية، فكرياً أولاً، ثم فنياً بالاستتباع، فالتجلي من الناحية الفكرية، وبشكل خاص في العقيدة هو التعرف إلى الخالق من خلال المخلوقات، حيث يتعرف المسلم إلى ربه من خلال تأمل بديع صنعه في هذا الكون المنتظم المتناقض، المنسجم المتضاد، المتنوع المتحد، الدقيق الهائل، المتوازن توازناً دقيقاً يجعل ذلك التقابل بين ثنائياته تقابلاً محسوباً، بحيث لا يطغى بعضها على بعض، وتحكمه قوانين دقيقة تحفظ له كل تلك الأوصاف، وتجعل الحياة فيه ممكنة مستمرة، ما يدل على خالقه العظيم، ذلك هو مفهوم التجلي عقدياً، ومن الناحية الجمالية فإن كل مخلوق، من الذرة إلى المجرة، هو مخلوق جميل بما يتألف فيه من نظام وانسجام داخلي، وبما يربطه مع العالم من نظام خارجي، وهذه الرؤية الجمالية هي التي حركت مخيلة وعقل الفنان المسلم على مر العصور من أجل مقاربتها فنياً، والتعبير عنها في آثاره المختلفة، كالخط والزخرفة والعمارة والنمنمة والفنون الاستعراضية وغيرها، فليس الخط بانسيابه ومرونته، وانفصاله واتصاله، وتركيباته، سوى تجلٍّ أصيل لما أودعه الله في الكون من انسجام ومرونة واتصال وانقطاع وتراكيب كثيرة، وليست هياكل العمارة وأقواسها ومقرنصاتها إلا بعض تلك التجليات، وليست الدائرة في القباب والأقواس والحروف والحركات الصوفية إلا تجلياً لاستدارة كبيرة وما تحت ذلك من استدارات كثيرة، وليست الزخارف النباتية والهندسية إلا استلهاماً لتجليات الأعراض المتحيزة في الزمان والمكان، بأشكالها وألوانها المختلفة.
تلك التجليات الكثيرة في الفنون الإسلامية هي ما اقترحته دورة هذا العام من المهرجان على الفنانين المشاركين فيها، وقد استجاب الفنانون لهذا الاقتراح مستلهمين تلك التجليات، ففي عمل بارز بعنوان «مأوى» يقدم استديو توي من المملكة المتحدة شكل قبة دائرية مضلعة بأقواس منتظمة ومزخرفة بزخارف تستلهم زخرفة المشربيات، وهي مقصوصة باستخدام الحاسب الآلي، لكن شكل القبة مخرّم بفجوات كبيرة في عدة أماكن منه إشارة إلى عدم الاكتمال، وإلى أن الكمال هو لله وحده.
وفي عمله الفني «تمدد الزمن» يستلهم الفنان فرانسيسكو مراندا مفاهيم التجلي والوضوح والوحدة الموجودة في الفنون الإسلامية، من خلال تجهيز تتفاعل فيه عدة وسائط فنية، فهناك منحوتات خشبية ذات عقد تستلهم الزخارف الخشبية في العمارة الإسلامية، ومرآة ذهبية وألوان أكرليك ومصابيح، بحيث يعكس انعاكس الضوء على القطع الزخرفية والألوان، وفي المرآة، أشكالاً من التجليات المختلفة لمعاني الوحدة والوضوح.
وتستمر الأعمال -مجمل أعمال المهرجان- على هذا المنوال، في استدعاء متجدد لتأمل جماليات الفنون الإسلامية وتجلياتها المختلفة.
[email protected]
أخيرا تحقق الحلم.. فعلها مسرح الشارقة الوطني وفاز ب «جائرة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي» في الدورة الثالثة عشرة من مهرجان المسرح العربي، التي عقدت في الدار البيضاء بالمغرب..
حلم، كثيراً ما راود الثنائي المبدع الكاتب إسماعيل عبد الله والمخرج محمد العامري، وكثيراً ما عملا عليه في مسرحياتهما المشتركة السابقة التي أنتجها مسرح الشارقة الوطني، والتي وصلت إلى المهرجان ومثلت الإمارات فيه.. وها هو يتحقق بمسرحية «رحل النهار»، التي تميزت نصاً وعرضاً، وقالت كل شيء عن واقعنا، وقدمت نماذج لشخصيات استغلالية على جميع المستويات وبكل الوسائل، نعرفها في واقعنا العربي، في كثير من بلداننا وبلدان العالم.. كشفت الاختلالات على عدة مستويات، وعبرت عن فكر إنساني يرفض الظلم والمهانة ويتوق إلى الحرية والقيم الإنسانية النبيلة.. أبدع الكاتب إسماعيل عبدالله في اختياره لنماذج شعرية لمبدعين عرب كبار أطلقوا صرخات ضد الواقع الراهن وقام بتوليفها في مسرحية شاعرية شيقة، وأبدع محمد العامري في تحويل تلك الأصوات والمواقف إلى نص بصري جذاب، مزج فيه كل عناصر المسرح الحديث، وتقنيات السينوغرافيا.. وأبدع الممثلون أبناء المسرحي الكبير أحمد الجسمي.
إنه تتويج لمسيرة طويلة لفرقة مسرحية أعطت بلا توقف واحتضنت بلا حساب كل الفنانين المسرحيين الإماراتيين وقدمت لهم الدعم، ومر بها فنانون كبار بعضهم رحل تاركاً صدى ذكرى جميلة، وبعضهم لا يزال يقف مكانه قابضاً على جمر الإبداع، يشارك في العروض ويحرك عجلة الإنتاج.. مسيرة طويلة تتوجها جوائز كثيرة وطنية وخليجية وعربية.. لكنها اليوم تتوج بأثمن جائزة عربية في المسرح «جائرة الشيخ الدكتور سلطان القاسمي لأفضل عرض مسرحي» في دورته التاسعة.
ثماني دورات مرت، فازت بها عروض من مصر وتونس والمغرب والكويت وفلسطين والجزائر.. وكان الحلم في كل مرة يقترب من مسرح الإمارات، ومن فرقة مسرح الشارقة بالذات، ثم يتأجل إلى دورة قادمة يتجدد معها الأمل وتتعزز معها الإرادة، ويتضاعف الإصرار على الوصول.. ليس الفوز سهلاً، فالعروض المشاركة عروض مختارة لفرق عربية عتيدة، ومسارح لها تاريخ طويل، ويقودها فنانون عرب مبدعون وأصحاب أسماء كبيرة.. المنافسة صعبة، والجديد المتميز وحده هو الذي يفرض نفسه.. الإبداع وحده هو الذي يفوز..
الفرحة كبيرة للإمارات.. وفرحة فرقة الشارقة للمسرح العربي، ليست واحدة، بل أفراح، فرحة بأنها جائزة كبيرة، وفرحة بأنها جائزة باسم صاحب الجائزة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وفرحة بأنها أجمل هدية يهديها أبناء مسرح الشارقة الوطني لوالدهم صاحب السمو حاكم الشارقة الذي رعاهم ووجههم، وكتب لهم مسرحيات كثيرة، اشتغلوا عليها، وأبدعوا في عرضها، وحفزهم بكل الوسائل ليصلوا إلى هنا.. إلى هذا التتويج العربي الكبير..
هنيئاً لمسرح الشارقة الوطني، هنيئاً لدائرة الثقافة في الشارقة.. ولإمارة الشارقة وللإمارات.
[email protected]
بثت قناة الشارقة يوم الخميس 6 يناير الجاري تقريراً عن حصيلة أنشطة دائرة الثقافة بالشارقة في 2022، وأظهر التقرير تسارع وتيرة العمل وكثافته حيث استأنفت الدائرة كل أنشطتها الداخلية والخارجية التي كانت متوفقة أثناء جائحة كورونا، وعززت عملها الثقافي بأنشطة جديدة، نشطت المشهد الثقافي المحلي والعربي.
سار عمل الدائرة في العام المنصرم على خطين متوازيين، محلي وخارجي، محليا، استأنفت الدائرة جميع الأنشطة التي كانت تنظمها، كالمهرجانات المسرحية والشعرية والمعارض الفنية والخطية، بدءاً بأيام الشارقة الثقافية، الحدث المسرحي الأبرز إماراتيا والذي يشكل مناسبة فنية تجمع المسرحيين الإماراتيين، وهو موعد سنوي محفز تنشط جميع الفرق للمشاركة فيه، وتبرز فيه المواهب المسرحية والأطروحات الجديدة على مستوى الدراما المحلية، هذا إلى جانب مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة، ومهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي ومهرجان الشارقة للمسرح الكشفي ومهرجان الشارقة للمسرح المدرسي، وغيرها.
في العام المنصرم أيضاً نظم مهرجان الخط العربي وهو حدث ثقافي محلي ذو طابع عربي وعالمي يستقطب فنانين محليين وعرب وعالميين في مجال فن الخط العربي ويبرز مساهمته في تنمية هذا الفن العريق والتعريف به وبفنّانيه في مختلف دول العالم.
هذا إلى جانب الأنشطة الدورية التي تقام على مستوى بيت الشعر، وأنشطة المراكز والإدارات التابعة للدائرة في مختلف مدن الإمارات، كالأمسيات الشعرية والملتقيات الثقافية والفنية في الشرقية والوسطى وفي الشارقة، ويتعزز ذلك النشاط بحركة النشر التي لم تتوقف، ولم تتأثر بالجائحة، فقد ظلت إصدارات الدائرة تتوالى ومجلاتها تصل إلى القارئ بانتظام حاملة الجديد والمفيد في مجالات الثقافة والفكر.
على المستوى الخارجي والعربي كان من أبرز الأنشطة الثقافية للدائرة تنظيم ملتقى الشارقة للسرد العربي في مصر وحضرته نخبة من الروائيين والنقاد العرب، وتناول المتخيل السردي وأسئلة ما بعد الحداثة في الرواية المعاصرة، وقدمت خلاله أفكار وأطروحات ذات طابع جديد، وكان لبيوت الشعر التي ترعاها الدائرة في عدد من الدول العربية نشاطها الذي لم يتوقف، والذي ينعش بشكل مباشر الساحات المحلية في تلك الدول، وكذلك نظمت ملتقيات الشارقة للتكريم الثقافي التي تكرم المثقفين العرب ممن لهم إسهامات بارزة في الثقافة العربية.
وكان هناك حدث نوعي وجديد وهو إقامة ملتقيات الشعر في عدة دول إفريقية بتوجيهات من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، حرصاً منه على تعزيز حضور اللغة العربية والثقافة العربية في تلك البلدان، وهكذا أقامت الدائرة ملتقى الشعر العربي في تشاد، وملتقى الشعر العربي في داكار بالسنغال، وملتقى الشعر العربي في النيجر، وهي مبادرة نوعية والتفاتة حصيفة من صاحب السمو حاكم الشارقة نظراً لعراقة الثقافة العربية وتأصلها في تلك المجتمعات الإفريقية، وحاجتها اليوم إلى الدعم لكي تواصل وجودها وتعزز حضورها وانتشارها في المجتمع.
[email protected]