اعتمدت د. مريم الهاشمي في دراستها العلمية الوازنة «تطور الحركة الشعرية في الإمارات - جماعة الحيرة»، على العشرات من المراجع الموثوقة من دراسات ومجاميع شعرية ومصادر نقدية تتصل مباشرة بأصول الشعر في الإمارات، ولعلّ جماعة الحيرة هي أحد أهم هذه الأصول حين كانت هذه الجماعة في النصف الأول من القرن العشرين بمثابة توجه ثقافي إماراتي عربي، محوره الشعر وكتابته وقراءته أيضاً بذائقة فنية رفيعة قبل نحو مئة عام، وقامت جماعة الحيرة، كما هو معروف، على ثلاثة شعراء مؤسسين: سلطان العويس (1925-2000)، والشاعر صقر القاسمي (1924-1994)، والشاعر خلفان مصبح (1923- 1946) بحسب التصنيف التاريخيّ الذي اعتمدت عليه الباحثة د. مريم الهاشمي.
جهد بحثي محترم، من حيث سياقاته ومنهجه والتوثيق التاريخيّ الوارد فيه، إضافة إلى معلومات مهمّة جاءت في هوامش الكتاب أتوقف عند بعضها لأهميتها التاريخية الموازية للأهمية الثقافية لهذه الدراسة الجادّة فعلاً، والجديرة بقراءة ثانية هادئة وموسعة، غير أن ما يلفت النظر هنا هو اهتمام أدباء وشعراء تلك المرحلة بالتعليم النوعي، وتعلم اللغة الإنجليزية في الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين.
على سبيل المثال، تخبرنا هوامش هذا البحث الثقافي المهم، أن عمران بن سالم العويس حصل على دبلوم اللغة الإنجليزية من المعهد العالي للغات في الهند، و«ساعدته دراسته في الهند وتعلمه الإنجليزية على الاطلاع والقراءة في المصادر التاريخية العربية والأجنبية وتقارير الوكلاء والمندوبين والإنجليز والرحالة».
معلومة مهمة أخرى تقول إن عبدالله بن صالح المطوع (1874-1958)، وهو أيضاً من رجالات وأدباء ومفكري الحيرة «أسهم بدور كبير في تنشيط التعليم وأرسى دعائم أوّل بلدية ظهرت في الإمارات عام 1927 وهي بلدية الشارقة».
معلومة ثالثة مهمة أيضاً نحصل عليها من دراسة د. مريم الهاشمي وهي أن محمد علي زينل من ذلك الرعيل الثقافي الأول والتأسيسي أنشأ مع إخوانه العرب المدرسة العربية في بومباي «ونشطت المكتبات الثلاث التي تبيع الكتب العربية، وكذلك المطبعة العربية هناك والتي كانت تقوم على طبع كتب التراث العربي وكتب الحديث والفقه، ومطبعة أخرى هي مطبعة الجامعة العثمانية في حيدر آباد التي طبعت عدداً كبيراً من الكتب العربية».
هذا جزء سريع من التاريخ الثقافي للإمارات، ومنبعه من الحيرة، بلدة الشعراء والمثقفين وعشاق السفر من أجل العمل والتجارة والثقافة حيث الكتب والمكتبات كانت ملازمة لحيوات رجال وأعلام تلك المرحلة الذهبية قبل عشرات السنوات.
أحتفظ بالعدد 1495 سبتمبر 2017 من مجلة «الهلال»، وكان بمناسبة مرور 125 عاماً على صدور واحدة من أهم المجلات الثقافية العربية المصرية، ومؤسسها في القاهرة الكاتب اللبناني جورجي زيدان في عام 1892، ولأن العدد هو تاريخ ثقافي وصحفي للمجلة التي تربّى عليها أجيال وأجيال من القرّاء وحتى الكتّاب العرب، فقد سعدت دائماً بالجانب الفوتوغرافي من هذا التاريخ، كاميرا الأبيض والأسود التي حفظت للذاكرة الثقافية صور المئات من السياسيين، والكتّاب، والأدباء، والفنانين، وبعض زعماء العالم الكبار الذين زاروا مصر في النصف الأول من القرن العشرين.
صدرت المجلة في زمن الملكة فيكتوريا، واللورد كرومر، واللورد سالزبوري، نعم، زمن اللوردات، والدوقات، والباشوات، وزمن الطرابيش والشنبات المفتولة التي يقف عليها الصقر.
ما أجمل الفوتوغراف بكاميرا الأبيض والأسود. إنه تاريخ ليس صامتاً إذا أردت قراءة الصورة وتأويلها الثقافي والجمالي، وأحسب هنا، أن ملحق الصور الفوتوغرافية في عدد «الهلال» ذلك، هو مادة ثقافية، وليس مجرد ألبوم صور، إنه نصّ فوتوغرافي يُقرأ اليوم، كما كان قد قرئ بالأمس، ويبقى حيّاً لمئات السنوات المقبلة، والتي سوف نبحث فيها عن تاريخ مصر ليس من خلال الوثيقة المكتوبة، بل من خلال الصورة، ذلك أن الوثيقة تحتاج أحياناً إلى مراجعة وتصحيح وتحقيق، في حين أن الصورة تقدّم نفسها كما هي بلا تحريف أو تكييف، إنها صورة الناس، وثيابهم، وطريقة لبسهم، صورة ضحكهم وامتعاضهم وجدّيتهم. صورة الشوارع والشجر والجلابيب، وبدلات العسكر، كما هي صورة أناقة جيل بأكمله كان أجمل وأرقى وهو بالأبيض والأسود.
أحب الفوتوغراف من هذه الزاوية التاريخية والجمالية، ولكن دعك من تداعيات ثقافة الصورة، واذهب إلى الصورة المباشرة في زمنها البعيد ذاك، وهذه صورة الشيخ محمود شلتوت وهو يفتتح معرضاً للفن التشكيلي في الأزهر، ولك أن تتأمل هنا معرضاً للرسم في مؤسسة دينية عظمى كالأزهر، قبل نحو قرن من الزمان، وإلى جانب هذه الصورة إطار آخر لطه حسين وهو يطوف الكعبة في ستينات القرن العشرين، ذلك الرجل التنويري الذي لم يسلم آنذاك من مرارة التعصب وثقافة الانغلاق.
أجاثا كريستي في قطار متوجّه إلى الأقصر، ومونتغمري في الصحراء المصرية عام 1940، والشاعر الروسي يفتوشينكو عام 1968 في زيارة لمصر، وبرنارد شو في بوابة الشرق عام 1931، وريا وسكينة كما هما تماماً بلا سينما، ولا دراما ولا مكياج.
ارتبط جيل السبعينات والثمانينات الأدبي والثقافي والتشكيلي والمسرحي في الإمارات بقاعة إفريقيا التي أُنشئت في عام 1976بالقرب من البريد المركزي في الشارقة، وهي منطقة جميلة يتخلّلها دوّار واسع ينبثق منه شارع صغير هو شارع الميناء الذي يؤدي إلى الخور المينائي المكتظ بالسفن والقوارب المحمّلة بالكثير من البضائع، وفوقها تحلّق دائماً طيور النورس.
أوّل مرة رأيت هذا المنظر الرائع كان في عام ١٩٨٤، في الصيف تحديداً، وإن لم تخنّي الذاكرة، سأدخل أوّل مرّة في حياتي معرضاً للكتاب، وكان معرض الشارقة الدولي للكتاب والمقام آنذاك إمّا في عام ١٩٨٥، أو عام ١٩٨٦ في خيمة أو خيمتين كبيرتين منصوبتين بالقرب من شارع الميناء، أي قريباً من قاعة إفريقيا.
ترتبط قاعة إفريقيا في ذاكرتي بالشعراء والصحفيين والقصّاصين والكتاب الذين كانوا عصب الحياة الأدبية والثقافية في الإمارات في النصف الأول من ثمانينات القرن العشرين.
في القصة القصيرة: عبدالحميد أحمد، وإبراهيم مبارك، وناصر جبران، وناصر الظاهري، وسلمى مطر سيف، ومريم جمعة فرج، وسعيد الحنكي، وعلي أبو الريش، وغيرهم من كتاب القصة القصيرة في تلك المرحلة الحيوية من الإبداع الأدبي.
في الشعر: حبيب الصايغ، عارف الخاجة، أحمد راشد ثاني، ظاعن شاهين، عبدالعزيز جاسم، عادل خزام، وغيرهم، وفي الرسم والفنون التشكيلية: حسن شريف، وحسين شريف، وعبدالرحيم سالم، وعبداللطيف الصمودي، وغيرهم من رسّامي وخطّاطي أوائل الثمانينات.
في المسرح شهدت قاعة إفريقيا عرض مسرحية «شحيفان القطو» وبطلها سلطان الشاعر، أما خشبة القاعة، فقد وقف عليها غالبية المسرحيين النجوم اليوم في الإمارات، وقد كانوا آنذاك شباباً في بدايات تلمّسهم لثقافة أبي الفنون، وقد أصبحوا اليوم علامات مسرحية نجومية في المسرح العربي.
أتذكر ذات مساء، كيف كان عدد من المسرحيين منهمكين في تركيب ستارة المسرح ولمبات الإضاءة وسمّاعات الضوء، وقد كان مشهداً مؤثراً لأنه ارتبط أولاً بالكيفية الأولى التي يبدأ بها العرض المسرحي، وكان الممثلون هم من يصنعون العرض منذ تركيب الستارة، وحتى إسدالها في نهاية العرض.
يعرف الكثير من المسرحيين العرب قاعة إفريقيا، وفي القاعة قرأ شعراء إماراتيون وعرب وأفارقة.
قاعة إفريقيا جزء وجداني عزيز في تاريخ الثقافة الإماراتية الحديثة ورمزها الضميري مشروع الشارقة الثقافي الذي أحيا قاعة إفريقيا في التاريخ والذاكرة بمعمار جديد في العام ٢٠١٨، لتصبح القاعة ذاكرة حية، وليست عرضة للنسيان.
لا شيء يُنسى في الشارقة؛ لأنها عين وقلب وضمير.
[email protected]
يقف قارئ أحاديث صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، (الجزء الأول) على أكثر من خمس عشرة كلمة افتتاحية ألقاها سموّه في مناسبات محدّدة تتعلّق بالطفل، ومهرجاناته وثقافته، وتوجيهه وتوجيه بيئته الثقافية والأسرية الى الوعي المبكر في حياة هذا الكائن المستقبلي الجميل، وبنائه، تربوياً وتعليمياً وثقافياً بحيث يكون فعلاً هو جوهر وروح هذا المستقبل.
لماذا نجد هذا التعدد الثقافي في أحاديث سموّه حول الطفل، وتحديداً في الجزء الأول من هذه الأحاديث؟ ذلك أن هذا الجزء يغطي الأعوام من 1972 إلى 1999، أي أنها المرحلة التأسيسية لثقافة الطفل ضمن مشروع الشارقة الثقافي، وحين نقف على أكثر من خمسة عشر حديثاً لسموّه خلال تلك الفترة ومحورها كلّها الطفل ومركزيته في مشروع الثقافة الذي تقوده الشارقة، نعرف هنا على أرض الواقع أهمية ثقافة الطفل في فكر صاحب السمو حاكم الشارقة، ونعرف أيضاً أن هذه الأحاديث التخصصية هي في الواقع تاريخ موثّق لحركة مهرجان ثقافة الطفل في الشارقة، ويستطيع كل من يرغب في تقصّي هذا التاريخ والاستفادة منه أن يعود إلى هذه الأحاديث الملهمة المؤكدة دائماً على موقع الطفل في الحاضر الثقافي، وامتداد هذا الموقع الى المستقبل.
جاء أوّل حديث لصاحب السمو حاكم الشارقة موثّقاً في الجزء الأول بمناسبة المهرجان الأول لثقافة الطفل في الشارقة، وذلك في مساء التاسع من شهر فبراير عام 1985، وفي ذلك المساء افتتح سموّه المهرجان الذي نظمته دائرة الثقافة في الشارقة، واستمر على مدة أسبوع، وقال سموّه في الافتتاح: «إن الطفل هو قائد ورجل المستقبل، ومنه، تبدأ عملية صناعة أثمن رأسمال، وإن الاهتمام به يجب أن يكون في أوّل خطط وتوجّهات أي مجتمع يريد الخير لنفسه»..
المهم هنا أن نتابع فكر سموّه في هذه الأحاديث ونقف على قيمها النبيلة، ونتعلم منها، ذلك أن هذه الأحاديث هي فعلاً خريطة طريق رسمها سموّه منذ العام 1972 بلغة إنسانية صافية تطالب بنمو الطفل وحاجاته الجسدية والعقلية والانفعالية كما قال سموّه في المهرجان الخامس لثقافة الطفل مساء السبت الرابع من فبراير 1989.
ما من حديث لسموّه في إطار ثقافة الطفل إلّا ويحمل رؤية أو مبادرة أو منهجاً عملياً شفّافاً يؤدي إلى خزانة معارف موجّهة مباشرة إلى كينونة هذا الكائن الجميل المرتبط بالمستقبل.
ومن كان يتوجه سموّه إليهم من أطفال السبعينات والثمانينات والتسعينات هم اليوم رجال الأمل والتفاؤل، شهود العيان على خطاب وفعل حاكم مثقف حوّل الوعود إلى حقائق وفكر وثقافة.
[email protected]
كنت أمس في شوارع القاهرة قبل عشرين عاماً، ليس بالمعنى الزمني أو الساعاتي إن جازت العبارة، بل، كنت فعلاً هناك في (تاكسي) خالد الخميسي، كتاب السوّاقين، وحواديت الليل والنهار في مدينة لا تنام إلّا على إيقاع النكتة التي أكثر ما يجيدها أولئك الحكواتية الذين يمضون أعمارهم وراء مقود السيارة، من دون حساب لأمراض العمود الفقري، وغيرها من تبعات هذه المهنة المتحركة في الهواء الملوّث عادة بعوادم ناقلات البشر، ومعهم حكاياتهم، وضحكهم الخارج من المعدة لا من القلب، كما عرفه خالد الخميسي.
قبل عشرين عاماً كان المؤلف وهو روائي، وسينمائي، وباحث، يتجوّل في شوارع القاهرة، ويلتقط سردياتها اليومية من أفواه السواقين: هنا النكتة، والنقد، والسخرية، والمرارة المالحة، هنا دراسة في المجتمع المصري قبل عشرين عاماً، وأحسبها ليست دراسة ميدانية مصرية فقط، بل، تنسحب في حكاياها وقصصها على الكثير من المجتمعات العربية، غير أن الفارق هنا هو أن الحكاية مصرية، واللسان مصري، ذلك اللسان الحاذق في صناعة الضحك، وتحويله من قهقهة إلى ثقافة، إلى سخرية، ونقد، وأحياناً، دموع.
إذا أردت قياس نبض أي مجتمع وأحواله الاقتصادية، والسياسية، والأخلاقية، والنفسية، فاركب سيارة أجرة، وافعل ما فعله خالد الخميسي قبل عشرين عاماً الذي عثر على الحكمة في الشارع، من دون حاجة إلى سم سقراط، وعثر على معنى الغضب حين ينمو وسط رغيف خبز يابس، وفي الوقت نفسه، عثر على نبل القلب والروح، حتى لو كانت تلك الروح معطوبة بشيء من الإحباط.
مجتمع السائقين، هو مجتمع الضحك رغم رائحة الديزل، والكوشوك، وعلى مهلك، هناك من يحمل الماجستير والدكتوراه في هذا المجتمع الذي يصحو عادة مع أذان الفجر، وأحياناً، يعود إلى أعشاشه أيضاً مع أذان الفجر.
أترك الكثير من الضحك لك في هذا الكتاب المضمّخ بالعرق والدمع، وأنقل إليك قصة هذا السوّاق باختصار..
ذات يوم كان المؤلف يحمل لوحة فنية حين استوقف سائقاً كان كما وصفه مريح الملامح، عذب الصوت، كان هذا السائق يحب الرسم ويمارسه، ويسأله المؤلف:.. ليه سبت الرسم؟.. السائق: ياه، أنا سبت حاجات كتير أوي، طول ما انت ماشي بتسيب حاجات وراك.. وعشان ترجع تاني مستحيل، العقارب بتتحرك لقدّام بس. رحلة العمر طويلة، وانت بتجري فيها، جريت كتير (وإلى آخر المشهد) الذي كله جري وليس له آخر.
تاريخ الضحك يبدأ من مصر، وأحياناً، يبدأ منها تاريخ الدموع، مثل دموع الغلابة الذين التقط صورهم خالد الخميسي.
[email protected]
جاءت الدورة السادسة عشرة لبينالي الشارقة 2025 تحت شعار «رحالنا»، وفي دورات سابقة جاء البينالي تحت شعارات فكرية ثقافية تعكس المستوى الجمالي والإبداعي الذي وصل إليه البينالي منذ إطلاق دورته الأولى في عام 1993، وإلى اليوم. ومن بين تلك الشعارات التي تنطوي على مفاهيم فلسفية ومعرفية: «الانتماء»، «الماضي، الحاضر، المستقبل»، «التاريخ حاضراً»، في حين جاءت الدورة السابعة عشرة للبينالي من 21 يناير/ كانون الثاني حتى 13 يونيو/ حزيران 2027، تحت شعار «أجيجُ فيما تبقّى)»، وهو شعار يستوقف من يتأمله أولاً من ناحية لغوية، وبحسب المعجم، فإن مصدر «أجيج» هو الفعل «أجَّ»، وأجيج النار: توهّجها، وأجيج الماء: هو صوت انصباب الماء.
لغوياً: تحيل كلمة أجيج إلى الكثير من المعاني وذلك بحسب ارتباط الكلمة بسياقها اللغوي والبلاغي، أما من حيث موقع هذه الكلمة في سياقها الفني والجمالي والفكري في تجارب البينالي، فهي تحيل إلى تفعيل ما تبقّى من مشاريع فكرية تتصل بالتاريخ والتحوّلات والحداثة وقدرة الفن على استيعاب وهضم كل هذه المفاهيم ذات الطابع الفكري أولاً.
في ضوء هذه الإحالات التي تنطوي عليها كلمة الشعار «أجيج»، تندرج أعمال 109 من فنّاني وفنّانات العالم في دورة البينالي السابعة عشرة، وسوف يرى روّاد البينالي هذه الأعمال الأصلية الحرفية في مواقع عديدة في الشارقة، وبالطبع تندرج هذه الأعمال في إطار رؤية تقييمية لكل من القيمتين: أنجيلا هاروتيونان، وباولا ناسيمنتو.
شعار هذه الدورة لافت وشعري في الوقت نفسه، ففي كل ما يتبقى من الذاكرة، والتاريخ، والثقافة هناك ما يتأجج، ويبعث الحياة من جديد في الأفكار والمشاريع والاجتهادات، فلا بد دائماً من جمرة ولو صغيرة تحت الرماد، وإذا أردت أن أجتهد أكثر في تأمل هذا الشعار، فإنني أستحضر هنا أسطورة طائر العنقاء الذي يحترق ثم ينهض حيّاً من رماده.
وتلك هي روح الفنون الإنسانية العظيمة في كل الثقافات والحضارات الحيّة في العالم، إنها توجّج في الذات البشرية روح الأمل، وتجعل من كل ما يتبقى من الموروث والثقافة والفكر مادة قابلة للحياة من جديد، تماماً مثل نهر أو ينبوع مهجور وجاف يعود إليه الماء، ويواصل جريانه على الرغم من الجفاف واليباس.
هذه الأفكار الحية، الحديثة والمعاصرة التي تجري في شرايين البينالي سهرت عليها وعمقّتها في الثقافة الإماراتية والعربية والعالمية الشيخة حور بنت سلطان القاسمي من خلال فكر حرّ وثقافة تشكيلية رفيعة المستوى، وذات صلة مباشرة بتاريخ وذاكرة الفنون في العالم كلّه.