تعاظم العنصرية في مناهج التعليم «الإسرائيلية»

00:50 صباحا
قراءة 6 دقائق
حلمي موسى
منذ نشأتها والعرب يتهمونها بالعنصرية، لكن «إسرائيل» على الدوام كانت تناقض هذا الاتهام بادعاء أن من كان ضحية للعنصرية لا يمكنه أن يمارسها. ومع ذلك وبمنطق «التماثل مع المعتدي» شكل السلوك الحربي والسياسي والإيديولوجي والتعليمي «الإسرائيلي» مرآة لسلوكيات أشد الأنظمة فاشية وعنصرية.

العربي لم ينجح كثيراً في مهمة إظهار العنصرية «الإسرائيلية» وأحياناً لا يستطيع ذلك بسبب التأييد الأمريكي و«عقدة الذنب» الأوروبية، لكن مع تنامي دور وسائل الإعلام وانكشاف السلوكيات «الإسرائيلية» تغيرت الحال ولم تعد الاتهامات بالعنصرية ل «إسرائيل» تنطلق من العرب فقط بل صارت جهات مختلفة واسعة في أرجاء العالم تتحدث عنها.

ووفر الأسبوع الفائت نموذجين بارزين لقدرة «إسرائيل» على ليّ الحقائق والتعامل مع الواقع بمنظور عنصري فاضح. فعندما التقى عدد من أعضاء الكنيست العرب عائلات شهداء تحتجز «إسرائيل» جثامينهم قامت الدنيا ولم تقعد. وشنت وسائل الإعلام «الإسرائيلية» عليهم أبشع حملة دعائية معتبرة إياهم تجاوزوا كل الحدود فيما كان دافعهم التعاطف مع عائلات من حقها دفن أبنائها وفق ما تقتضيه كل الأديان والأعراف والقوانين. وبدأ رئيس الحكومة «الإسرائيلية» حملة لإقرار «قانون التنحية»، الذي يسمح بتعليق عضوية أعضاء كنيست يخالفون المنحى العام حتى نهاية ولايتهم. وعملياً يعني القرار طرد نواب منتخبين من جانب خصومهم في الكنيست. ورغم أن القانون لا ينص على أن المطرودين سيكونون من العرب، فإن كل المعطيات تشير إلى أنه مفصل على مقاسهم.
لكن وفي حمى هذه الحملة قامت وزيرة العدل من حزب «البيت اليهودي» الفاشي، أييلت شاكيد، بالاجتماع بعائلة المتهم الأول بحرق عائلة الدوابشة. ورغم أن أفراداً عدة من حزبها أعلنوا تضامنهم مع القتلة ومنفذي هذه الجريمة البشعة التي أسهمت في إذكاء الهبة الشعبية الفلسطينية، ارتأت وزيرة العدل الاجتماع بعائلة المجرم الأول. وعند عرض هذه المسألة على لجنة الكنيست، اعتبرت اللجنة أنه ليس في هذا اللقاء ما يشبه لقاء أعضاء الكنيست العرب مع عائلات تريد ممارسة حقها في دفن جثامين أبنائها. والواقع أن هذا المثال ليس سوى استكمال لأمثلة لا تعد ولا تحصى، آخرها الحملة على مذيع «إسرائيلي» حاول القول إن آلام الثكل واحدة لدى عائلات القتلى سواء كانوا من «الإسرائيليين» أم الفلسطينيين. حينها انبرى كل قادة «إسرائيل» للتوضيح للمذيع مقدار خطئه: فالدم اليهودي مختلف، ولا شيء يشبهه أو يقارن به.
وفي الأسبوع الفائت أيضاً، وفي ذروة الحملة «الإسرائيلية» الرسمية على السلطة الفلسطينية باتهامها بالمشاركة في التحريض على الهبة الشعبية وطعن ودهس المستوطنين من خلال المناهج الدراسية، كشفت صحيفة «هآرتس» النقاب عن توصية وزارة التعليم الصهيونية بشأن إدخال كتب عنصرية فجة لمناهج التدريس. وتحمل هذه الكتب تعبيرات عنصرية واضحة ضد العرب والفلسطينيين. وفي إطار ما تعده الوزارة تشجيعاً للتلاميذ في المرحلة الابتدائية على القراءة أدخلت مجموعة من الكتب كانت حتى وقت قريب مقتصرة على تلاميذ المرحلة الإعدادية.
وبين الكتب التي أوصت الوزارة بقراءتها كتاب «مغامرات مكتبة ريمونيم» وهو من تأليف الحاخام «يكهيت روزين»، وكتب فيه: «الأغيار العرب يعيشون بقرى خاصة بهم، ولا يوجد لدينا أي رغبة في أن يبدؤوا بالتجول بيننا، فخلال ذلك، ربما يمسون بنا أو سيتجسسون علينا». ويعرض الكتاب لأوصاف ونوايا ينسبها للعرب وهم هنا أيضاً مواطنون داخل فلسطين المحتلة 1948 وليس فقط... الفلسطينيون في المناطق المحتلة. ويقول: «إن العرب لن يقفوا مكتوفي الأيدي، لن يوافقوا على التوقف حتى، لا سمح الله، يمحوا كل بلدة وكل نقطة يهودية على الخريطة، فلتعلموا: العرب يملكون خطة واضحة للانقضاض على كل بلدة لاحتلالها، وحرق كل بيوتها، وإلقائنا جميعاً في البحر». ويعقد الكتاب مقارنة بين «الأغيار العرب في أوروبا» و «الأغيار العرب في البلاد، الذين يجب ألا يتجولوا في البلدات اليهودية».

وكانت وزارة التعليم «الإسرائيلية» قد حظرت مؤخراً كتاب «السياج الحي» الذي كتبته دوريت رابينيان، الذي تدور أحداثه حول قصة حب بين «إسرائيلية» وفلسطيني. وجاء رفض الكتاب تحت تبرير وجوب الحفاظ على «الهوية وتراث كل القطاعات» وأن «العلاقات الحميمة بين اليهود وغير اليهود تهدد الهوية الخاصة». وأكدت الوزارة أن هناك خشية من أنه «ليس للشباب في سن المراهقة رؤية منظوماتية تشمل اعتبارات الحفاظ على هوية الشعب ومعاني عدم الاختلاط».

والواقع أن هذا السلوك ليس جديداً ولا ينطوي في الواقع على أي غرابة، لأن هذا تجسيد لأهداف التعليم كما وردت في قانون التعليم «الإسرائيلي» لعام 1953. وتنص المادة الثانية من هذا القانون على أن التعليم في دولة «إسرائيل» يجب أن يرتكز على قيم الثقافة اليهودية والولاء لدولة «إسرائيل» والشعب اليهودي، والعمل على تحقيق مبادئ الريادة في العمل الطلائعي «الإسرائيلي». كما أن وزير التعليم في حكومة نتنياهو الأولى، عام 1996، زفولون هامر أكّد أن التربية والتعليم في «إسرائيل» تهدف إلى خلق صلة وثيقة بين الطلبة والجيش عبر برنامج تعزيز الجاهزية للخدمة في الجيش «الإسرائيلي». ومعروف أن في وزارة التعليم برنامجاً خاصاً، يسمى «تسافتا»، لدمج الضباط في مناصب إدارية وتعليمية في المدارس بعد إنهاء خدمتهم العسكرية بغرض ترسيخ هذا الهدف.
وتتزايد الدراسات، ليس فقط العربية، التي تظهر الطابع العنصري لمناهج التعليم «الإسرائيلية». وكانت الباحثة «الإسرائيلية» نوريت بيلد ألحنان، نشرت قبل بضع سنوات دراسة بينت فيها مظاهر التربية العنصرية والتمييز ضد فلسطيني 48. وأثبتت الباحثة أن المنظومة التعليمية «الإسرائيلية» تهدف إلى إعداد النشء لتقبل وتبرير الأعمال الإجرامية التي يقترفها الجيش الصهيوني في الأراضي المحتلة وضد العرب.

وبحسب بيليد فإن العربي يظهر في كتب التعليم «الإسرائيلية» دائماً مع الجَمَل، بلباس تقليدي. ويوصف في الكتب كنذل، منحرف ومجرم، لا يدفع الضرائب، ولا يريد أن يتطور. كما أن الموقف من فلسطينيي 48 هو أنهم مشكلة ديموغرافية قد تتسع لتغدو خطراً ديموغرافياً. ومع حرمان مناهج التلاميذ العرب من كل ما يرسخ هويتهم العربية، ومنع دراسة أفكار ونتاج كتّاب وشعراء مثل محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد تضخ المناهج في عقولهم نتاج كتّاب صهاينة.

وكان الدكتور إيلي فودا قد عرض أيضاً الصورة النمطية التي تحاول الكتب الدراسية «الإسرائيلية» عرضها للعربي بوصفه «البدائي والمتخلف» على النقيض من اليهودي ك«جالب للحضارة». وبين ما يعرض كتاب «ديرخ هميليم» (طريق الكلمات) للصف الرابع، الذي يرد فيه: «جاء الطلائعيون (اليهود) لحراثة أرضهم بسلام وطمأنينة، لكن جيرانهم العرب لم يعجبهم ذلك وحاولوا طردهم من أرضهم، ومن مرة لأخرى كانوا يحرقون الحقول ويسرقون الأبقار أو المواشي من القطيع وحتى إلحاق الأذى بأعضاء المجموع، لكن الطلائعيين لم يتمكنوا من العيش بهدوء دائماً فقد كانت رياح شريرة تهب عند الجيران (العرب) وكانت شوكة المحرضين تتقوى باستمرار، وظل العرب يحاولون المس بأرواح اليهود وممتلكاتهم».
وبحسب تحليل فودا للكتب التعليمية «الإسرائيلية» فإنها تكون أفكاراً مسبقة عن العربي جوهرها أنه «لص» و«غاش» ويستحيل التعايش معه. وترسخ الكتب هذه الصورة من خلال عرض التاريخ بشكل مزيف ومشوه. وهكذا تصف الكتب إنشاء أولى المستوطنات اليهودية، بتاح تكفا: «أن اليهود حين شرعوا في بناء هذه المستوطنة كانت بقربها قرية يقطنها العرب، وجوههم صفراء والذباب على وجوههم ولا يحاولون طرده، وكثيراً من العرب كانوا عمياناً يمشون وهم يمسكون بأيدي بعضهم، أما الأطفال فكانوا حفاة، بطونهم منفوخة من الأمراض، وآثار لسعات حشرات الصحراء بادية على مناطق عديدة من أجسادهم شبه العارية.
وفي كل الأحوال لم تعد خافية أهداف التعليم «الإسرائيلي» الرامية إلى بناء أجيال قادرة على تحقيق الهدف الصهيوني وهو إنشاء الدولة اليهودية على أرض فلسطين. ولا يمكن قراءة مناهج التعليم دون الأخذ في الحسبان تأثيراتها وتأثرها بالواقع السياسي الفاشي الذي يزداد تبلوراً في الدولة العبرية. ومن المؤكد أن مساعي سن قوانين ضد العرب تؤكد الطابع العنصري للكيان خصوصاً في العقد الأخير، حيث تبين أن أهداف التعليم الصهيوني تحققت على نطاق واسع. فالميل نحو الفاشية والعنصرية قاعدة تترسخ في الحياة العامة، بحيث صار يغيب وبشكل متواصل عن الساحة دعاة الديمقراطية لصالح أنصار الفاشية والدولة الدينية.

[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"