تهيئة أجواء المذاكرة بداية نجاح التحصيل

مسؤولية الوالدين تنتهي مع المراحل التأسيسية
12:37 مساء
قراءة 7 دقائق

يرى كثير من التربويين أن تهيئة الأجواء الدراسية للطلبة أثناء المذاكرة أمر في غاية الأهمية، بهدف تشجيعهم على التحصيل العلمي الفعال والتركيز، ويتحقق ذلك من خلال توافر عوامل عدة أهمها تهيئة الطالب نفسياً لهذه المهمة، إضافة إلى تهيئة المكان والجو العام المحيط به، ويؤدي الوالدان دوراً رئيسياً في هذه الخطوة، خاصة في المراحل التأسيسية للطالب، حتى يعتاد على هذا الأمر، ويصبح جزءاً من عاداته الشخصية، لتصبح هذه مسؤوليته بالدرجة الأولى، فهو الأقدر على تهيئة الأجواء الدراسية المناسبة له، التي ستساعده على تحقيق النجاح الذي يتطلع إليه .

وفي هذا التحقيق يتحدث الطلبة عن أجوائهم الدراسية، وطريقتهم في تهيئتها، ودور أولياء الأمور في مساعدة أبنائهم الطلاب على استذكار فعال .

يقول سعيد علي الكتبي، طالب جامعي: الأجواء الدراسية بالنسية إلي تتمثل في الدراسة الجماعية، إذ إنني نادراً ما أدرس بمفردي، ومن خلال تجربتي وجدت أن تثبيت المعلومة في حالة الدراسة الجماعية أسرع بكثير وأقوى من الدراسة الفردية، إذ إن شرح المعلومة بوساطة أحد الزملاء وتكرار سماعها وقراءتها يجعلان من الصعب جداً نسيانها .

وأفضل عدم الخلط في الموضوعات خلال الدراسة، ما يسهل عليّ تذكر ما حفظته في الجلسة نفسها، لذا فإنني أخصص لكل موضوع أو مادة جلسة منفصلة، أتوقف بعدها عن الاستذكار لوقت محدد، وأعود لمراجعة موضوع أو مادة جديدة .

ويؤكد محمد حسن، طالب جامعي إن تهيئة الأجواء الدراسية من أهم أسباب النجاح والتفوق، ويقول: كثير من الطلاب يبذلون جهوداً كبيرة في المذاكرة، ويقضون ساعات طويلة فيها، ولكن بلا نتائج مرضية، والسبب في بعض هذه الحالات وجود خلل كبير في تهيئة الأجواء الدراسية، وكثيراً ما أرى زملائي في الجامعة يدرسون معاً وسط ضجيج لا يمكن احتماله أو التركيز فيه، وأحياناً يطلب مني الانضمام إليهم، ولكني أرفض ذلك، لأنني لا أستطيع الدراسة في مثل هذه الأجواء، كما أنني أفضل الدراسة في المنزل وفي غرفتي تحديداً، لأنني قمت بترتيبها بطريقة تناسبني وتلبي احتياجاتي، وأغلب أوقات دراستي تبدأ بعد صلاة العشاء وتمتد إلى ساعة متأخرة من الليل .

دانة رائد، طالبة في الصف العاشر تقول: أفضل أن أكون وحدي لأنني أذاكر بصوت مرتفع وأحرص على ألا أسهر كثيراً، لأنني أفقد القدرة على التركيز في الساعات الأخيرة من الليل، ولست من الذين يفضلون الدراسة الجماعية، لأنني أعتمد في حفظي للمعلومات على التكرار والتسميع بصوت عالٍ، وأحب أن أتوقف عن الدراسة فور شعوري بالإرهاق، وأجدد نشاطي من خلال التحدث مع أحد أفراد أسرتي أو تناول وجبة خفيفة، أو مشاهدة فقرة تلفزيونية قصيرة . وفي أيام الامتحانات أزيد من ساعات مذاكرتي، وأقلل من ساعات نومي، ولكني لا أستغني عن القيلولة مهما كانت الأسباب، لأنني أجدد من خلالها نشاطي وأستطيع مواصلة الدراسة لفترة أطول .

يقول سيف ربيع الظاهري، طالب جامعي: من أهم عاداتي الدراسية التي لا يمكن أن أتخلى عنها، التنقل من مكان لآخر أثناء المذاكرة، فتجدني أدرس في البيت، وبعدها أنتقل إلى الشارع أو الحديقة أو السيارة .

وغيرها من الأماكن التي تريحني، وللأسف هذه العادة لم تجد قبولاً لدى والدي، وحاولا مراراً إقناعي بتغييرها، والبقاء في مكان واحد خلال فترة الدراسة، حاولت تنفيذ نصيحتهما، ولكني شعرت بملل كبير، ولم استطع مواصلة المذاكرة، عندها اقتنعا بأنني افعل ما يحقق أفضل النتائج على صعيد تحصيلي العلمي . وبالنسبة إلي فإنني مؤمن بأن لكل طالب أسلوبه وطريقته في المذاكرة، وعلى الآباء أن يثقوا بأبنائهم، ويعرفوا أن أهم ما يحتاج إليه الأبناء منهم هو الدعم والثقة بهم .

وتفضل منيرة الشيباني، طالبة جامعية، الدراسة في هدوء تام، وتقول: لا يمكنني التركيز أثناء المذاكرة وسط أصوات الآخرين وأحاديثهم، حتى لو كانت بصوت منخفض، وأبتعد عن أي عامل تشتيت خلال وقت المذاكرة، ومن أهم هذه العوامل الهاتف المتحرك، فأضعه دوماً على الوضع الصامت، ولا أعاود الاتصال إلا بوالدي، باعتبار أنني مقيمة في السكن الجامعي . وتضيف: أفضل أن أتناول وجبة خفيفة قبل الدراسة بنصف ساعة تقريباً، وغالباً ما تكون عبارة عن صنفين من الفواكه، لأنها تشعرني بالشبع من دون أن تثقل على معدتي، إضافة إلى فوائدها المعروفة .

وتقول رنا بخيت، طالبة في الصف التاسع: أحب الدراسة مع صديقتي، لأننا نشجع بعضنا بعضاً على المذاكرة، ونتعاون في فهم ما يستعصي علينا، ولكن والدتي لا تسمح لي بذلك، بالرغم من أنني أتعهد لها بالحصول على أعلى الدرجات، لأنها تعتقد أن الأحاديث الجانبية ستجذبنا عن الدراسة، وبالتأكيد أنا أدرك أهمية الدراسة بمفردي لتثبيت المعلومة جيداً، ولكني في بعض الأحيان أفضل الدراسة مع صديقتي خاصة عندما أشعر بملل من الدراسة .

وتقول مها عبدالله، ربة بيت وأم لخمسة أبناء عن دورها في تهيئة الأجواء الدراسية لأبنائها: أربعة من أبنائي في مراحل دراسية مختلفة، وأكبرهم تخرج في الجامعة العام الماضي، وبفضل الله جميع أبنائي متفوقون دراسياً، وأستطيع أن أقول إن تفوقهم الدراسي يرجع لأسباب عدة في مقدمتها توفير جو دراسي إيجابي داخل المنزل، إضافة إلى الجو الأسري الحميم الذي نعيش فيه جميعاً .

وتضيف: عندما كان أبنائي صغاراً كنت أتولى مهمة توفير جو دراسي يناسب كلاً منهم، وكنت أستثمر علاقتنا الجميلة في جذبهم للدراسة وتشجيعهم عليها، ومن خلال هذه العلاقة أيضاً كنت أعرف الأسلوب الأنسب لتحفيز كل منهم للاستذكار، وكان وجودي بجانبهم أثناء المذاكرة ضرورياً لمتابعتهم وتوجيههم إلى الطريقة الصحيحة في الاستذكار، واستمررت على هذا المنهج في تهيئة الأجواء الدراسية لهم، حتى اجتازوا المرحلة التأسيسية بنجاح، وبدأت بعدها أنسحب تدريجياً من جانبهم، من دون أن أتخلى عن دوري في متابعتهم وتشجيعهم على الدراسة، ودعمهم في بعض الحالات، خاصة عندما يمر أحدهم بمشكلة شخصية أو دراسية .

وتعترف منى حمدان، ربة بيت وأم لأربعة أبناء، بخطئها لأنها لم تعود أبناءها على الطريقة الصحيحة للاستذكار . وتقول: حرصي على حصولهم على أعلى الدرجات، كان يدفعني إلى محاصرتهم دراسياً، فلم أعودهم على الدراسة بمفردهم وجعلتهم يعتمدون علي في مراجعة دروسهم، وكان ابني الأكبر يفضل الدراسة بمفرده، ولكني كنت ألزمه بالرجوع لي لتسميع مع حفظه، وعندما كان يتوقف عن الدراسة، لأنه أنهى مراجعة دروسه، كنت لا أثق بتقييمه للأمور، وأعيده للدراسة مرة أخرى، والنتيجة انه عندما سافر لإكمال دراسته الجامعية في دولة أخرى، اكتشف انه غير قادر على الاعتماد على نفسه دراسياً، و كان هذا سبباً في رسوبه في أغلب مساقات السنة الأولى، وبالرغم من أنني كنت ألومه على عدم جديته في الدراسة، كنت أدرك تماماً أنني السبب الرئيسي في فشله . وتضيف: أحاول حالياً تصحيح خطئي من خلال تشجيع بقية أبنائي على الاستذكار من دون التدخل بشكل مباشر في دراستهم، وبالرغم من أني أواجه صعوبة في ذلك، بسبب قلقي الشديد على تحصيلهم العلمي، أخشى أن تتكرر تجربة ابني الأكبر مع إخوته، لأن ابنتي أصبحت تطالبني بعدم الخروج من المنزل أثناء دراستها، خاصة في أيام الامتحانات، وتنتظر عودتي بفارغ الصبر، وهذا مؤشر سلبي يجب أن أتعامل معه بطريقة مختلفة .

لا بد من نظام عام وتعاون الأسرة

تؤكد أسماء الظاهري، اختصاصية توجيه وإرشاد نفسي أهمية تهيئة أجواء دراسية صحية لكل طالب، موضحة أن توفير أجواء إيجابية للطالب أثناء المذاكرة يشجعه على الدراسة، ويزيد من قدرته على الفهم والاستيعاب والتركيز، وتقول: يعتمد نجاح هذه الخطوة على وجود نظام عام يضبط عملية الاستذكار يسبقه فهم عميق لطبيعة الطالب وما يناسبه، حتى لا تصبح هذه الأجواء عامل ضغط على الطالب، بدل أن تكون عامل جذب وتشجيع له على الاستذكار .

وعن دور الأسرة في تهيئة هذه الأجواء تقول: للأسرة دور رئيسي في تهيئة الجو المناسب لأبنائها داخل البيت أثناء المذاكرة، وتؤدي هذا الدور في جميع مراحلهم الدراسية، خاصة في المراحل التأسيسية التي يفتقد فيها الطالب القدرة على تهيئة هذه الأجواء لنفسه، فيكون دور الوالدين مهماً في مساعدته على اكتساب العادات الصحيحة لاستذكار فعال، وتعويده على هذه العادات لتصبح جزءاً من شخصيته، فالأم والأب اللذان يحرصان على متابعة أبنائهما وتشجيعهم وإعطائهم الثقة الكبيرة في نفوسهم هما الناجحان في جعل أوقات دراستهم فعالة ومفيدة، وترى أن المطلوب لنجاح هذه المهمة توعية الطالب بأهمية النجاح الدراسي، وأنه جزء من نجاحه في الحياة، إضافة إلى مساعدته في ما يختص بتنظيم وقته والبعد عن التفكير السلبي والخوف من الدراسة، وإبعاده عن المشكلات الأسرية والضوضاء . ومن المهم أيضاً، كما توضح، تبصير الطلبة بمتطلبات الاستذكار الفعال كاستغلال أفضل أوقات اليوم التي يكون فيها الإنسان في أفضل حالاته الجسدية والعقلية، واختيار المكان المناسب للدراسة، الذي تتوافر فيه احتياجات الطالب أثناء المذاكرة، ومن الضروري توعية أبنائنا بأهمية التغذية الصحيحة، وتأثيرها المباشر في تحفيز القدرات الذهنية للطالب ومساعدته على التركيز أثناء الدراسة، فكل هذه العوامل تشكل أجواء دراسية صحية .

وتحذر اختصاصية التوجيه والإرشاد النفسي من حالة القلق التي تصيب بعض الآباء وتنتقل إلى الأبناء، وتقول: كثير من الطلاب يستذكرون دروسهم تحت ضغط آبائهم، ما يجعلهم في حالة من القلق والملل وكره للدراسة، وبالتالي يكون ذلك سبباً في تأخرهم الدراسي في كثير من الأحيان، وفي أحسن الحالات يصبحون كآلات تنفذ من دون فهم واستيعاب .

وتضيف: إذا قام الوالدان بمسؤوليتهما بصورة صحيحة، فإن الطالب سيعتاد على المذاكرة في أجواء دراسية صحية، وسيكون مؤهلاً لتحمل مسؤوليته في تهيئة هذه الأجواء لنفسه، بعد أن تجاوز المرحلة التأسيسية وامتلك عادات ومهارات المذاكرة الفعالة، ومن الضروري في هذه المرحلة أن يدرك الوالدان أن دورهما اختلف عما كان عليه في المرحلة السابقة، فلا يجبران أبناءهما على ظروف معينة للدراسة، وأن يثقا في قدرتهم على توفير الأجواء الدراسية المناسبة لهم، وأن يقتصر دورهما على المتابعة والدعم والتشجيع، وإذا لم يدرك أولياء الأمور هذه الحقيقية فإنهم قد يكونون سبباً في فشل أبنائهم الدراسي، بل فشلهم في الحياة، لأن الأبناء سيكبرون ولديهم شعور بعدم الثقة بالنفس وعدم القدرة على تحمل مسؤولياتهم، ولعل هذا ما يفسر شكوى كثير من الأبناء في مرحلة المراهقة والشباب، من عدم ثقة والديهم بقدراتهم، وافتقادهم إلى مساحة مناسبة لتحديد اختياراتهم وفقاً لطبيعتهم .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"