لماذا تراجع دور المؤسسات الثقافية في مصر؟

مواجهة بين ناقد وروائي
02:20 صباحا
قراءة 5 دقائق
القاهرة - عيد عبدالحليم:

علاقة المثقف بالمؤسسة الثقافية المصرية خلال السنوات الماضية كانت "علاقة شائكة" كما يراها البعض، نظرا لتدخل لعبة المصالح والأهواء الذاتية، وسيادة ثقافة الاحتفاليات في مقابل تهميش الثقافة الجادة، كما يرى البعض، في حين يرى فريق آخر أن المؤسسة الثقافية من الممكن أن تلعب دورا في التغيير المجتمعي في الفترة المقبلة . هنا مواجهة بين الناقد د .صلاح السروي والروائي أحمد أبو خنيجر .

*****

يؤكد الناقد د .صلاح السروي، أستاذ الأدب المقارن في كلية الآداب جامعة حلوان، أن دور المؤسسة الثقافية الرسمية في مصر في رعاية الثقافة الجادة قد تراجع بشكل كبير نظرا لتداخل السياسي مع الثقافي، وتهميش الفعل الثقافي الحقيقي وإقصائه عن المشهد، ويقول: كلمة مؤسسة تحيل إلى الكيان الثقافي بالمعنى الشامل للدولة، أما إذا خصصنا القول إلى المؤسسة الثقافية للدولة مثل المجلس الأعلى للثقافة وقصور الثقافة، فإن الإجابة عن سؤال التراجع تكمن في عنصرين أساسيين:
العنصر الأول هو السياسة الثقافية، والعنصر الثاني هو الاعتمادات المالية والرشد الإداري .
أما عن السياسة الثقافية، فإنني أتصور أنه خلال ما يربو على أربعين عاما خلت، فإنه لم تكن هناك سياسة ثقافية معلنة يمكن إجراء حساب على مكوناتها، ولكن أكاد أجزم بأن هناك سياسة ثقافية أخرى غير معلنة ألا وهي محاولة تدجين المثقفين وتجييرهم لحساب مصالح النظام وأهدافه السياسية، سواء فيما يتعلق بما سمي في الثمانينات والتسعينات والآن بمكافحة الإرهاب أو لتجميل وجه النظام، ووضع الثقافة باعتبارها وردة في عروة جاكيت سياسة الدولة وهو الأمر الذي أدى من وجهة نظري إلى تقنين الفعاليات الثقافية التي ترعاها الدولة بحيث تأخذ شكل التظاهر الاحتفالي، أكثر مما تؤسس لتراكم ثقافي حقيقي ومنتج يمكنه أن يرتقي بالوعي العام من ناحية أو بتطور الفعل الثقافي لدى المبدعين من ناحية أخرى .
وقس على ذلك فيما يتعلق بدور النشر والمهرجانات والجوائز وما أشبه التي عانت جميعا من قلة الاعتمادات وسوء الإدارة وعدم الشفافية في ممارسة أنشطتها، فوجدنا أن دور النشر الحكومية لم تعد قادرة على تلبية كم الإبداع والإنتاج الثقافي الذي يتزايد عاما بعد آخر بما يؤدي إلى أن يبقى العمل في دار النشر الحكومية لأكثر من أربع سنوات حتى يدخل إلى المطبعة .
وهو الأمر الذي أدى إلى دفع المثقفين لأن يصبحوا فريسة لدور النشر الخاصة التي لا تأخذ جهدهم الإبداعي دون مقابل فقط، بل قد تجعلهم يدفعون من قروشهم القليلة مبالغ ليست بالهينة لكي يظهر إبداعهم ويرى النور .
وربما كانت هذه الوضعية مخططة على غرار ما حدث في مجال الصحة ومجال التعليم . . الخ، من حث تراجع دور الدولة لحساب أدوار أنيطت بالقطاع الخاص وبالطبقة الرأسمالية التي تدعم وتحفز منذ عصر السادات، إلى جانب ذلك فقد شاب عمل المؤسسة الثقافية في مصر ما انتاب باقي المؤسسات في الدولة من ترهل إداري وفساد ومحسوبية . . إلخ، ما أدى إلى تعويقها زيادة على عجزها وفشلها من حيث افتقادها سياسة ثقافية راشدة ومعلنة أو سياسة ثقافية فاسدة كما سبق . ويضيف: بالنسبة إلى دور المثقف أعتبر أن المثقف لكي يحقق الهدف من وجوده لا بد أن يكون سابقاً على السياسي وليس لاحقاً له، لأنه هو الذي يمتلك القدرة على رسم الآفاق وتحديد المآلات وطرح الرؤى والتصورات، فهو بتكوينه مستقبلي النظرة تقدمي الرؤية، ثوري النزعة .
وتلك خصيصة ضرورية للتجاوز والتخطي والوصول إلى ما يمكن تحقيقه من دون أن يكون مدرجاً في برامج السياسيين، بَيْدَ أن هذا المثقف، خاصة في عالمنا الثالث، تتناوشه مشاكل كبيرة جداً، أولاً عدم الاعتراف بدوره الارتيادي ذاك، وثانياً: محاولة تدجينه وترويضه إن لم يكن تعويقه والقضاء على استقلاليته وقدرته على الحلم، وهو ما يؤدي إلى عقم رؤيوي شامل وغياب وعي الأمة وضميرها .

*****

يرى الروائي أحمد أبو خنيجر أن الرهان على المؤسسة الثقافية يكمن في إعادة هيكلتها من جديد، بحيث تحتوي كل التيارات وتقدم الثقافة الراقية، وهذا يتطلب أموراً عدة، منها: إلغاء المركزية الثقافية، ونزول الثقافة إلى الشارع، وفي ردّه على سؤال:
هل تعتقد أن المؤسسة الثقافية الرسمية تراجع دورها في الفترة السابقة؟ . . قال أبوخنيجر: بعد الثورة أصبح هناك رهان على المؤسسة الثقافية لكي تقوم بدورها، مع أنه بمراجعة يسيرة لدور وزارة الثقافة والثقافة الجماهيرية التي أنشأتها الدولة المصرية في الخمسينات وما تلاها يمكن ببساطة القول إن الدولة صبت هدف الثقافة في الجانب الأمني، بمعنى أن أنشطتها وتوجهاتها لم تكن معنية بنشر الثقافة وإيصالها لكافة قطاعات الجماهير، وإن كان ذلك يتم بشكل أو بآخر لكن تحت النطاق الأمني، وبالتالي السيطرة على المثقف، ذلك المنفلت الذي يدعو إلى قيم الحرية والتنوير التي ترى الدولة في ذلك الوقت أنها غير متناسبة مع الشعب المصري وطبيعته، فكان لزاماً عليها لجم ذلك المثقف وتقييد حريته بقيود شديدة النعومة، التي قد لا يستشعرها المثقف ذاته، فيؤدي ما يطلب منه وفق تلك التصورات، بل ويجند كل خبراته ومعرفته لخدمة تلك الأهداف، وهو يتصور أنه يبدع وفق ما يمليه عليه وعيه وضميره الحر .
لنأخذ مثالا ما يجري في المسرح حينما جاءت الثقافة الجماهيرية كانت الفرق المستقلة والفنانون الهواة يقدمون عروضهم في الشارع والمقاهي والمنتديات والقرى والساحات الشعبية من دون رقابة على ما يقدمون اللهم إلا وعي الفنان وضميره، وهو ما رأته الدولة المصرية في الستينات مناسبا لتغيير خطتها، فعملت على إقامة المسارح داخل بيوت وقصور الثقافة التي لن تقدم عرضاً إلا من خلال المحددات التي تخطها الدولة وتنفذها وزارة الثقافة .
يقول أبوخنيجر: كان الإغراء شديداً أمام فرق الهواة مثلاً، فبدلاً من التشرد والعمل في ظروف قاسية، ها هي الدولة، راعية الفنون، تقدم له المسارح المجهزة وتوفر له المال اللازم لإنتاج عرضه، وإشباع رغبته كفنان مبدع وجد أخيراً المكان المناسب لتقديم مواهبه، ليس هذا فحسب، بل بدأت الدولة تقديم المهرجانات وتقديم الجوائز للعروض المتفوقة فنياً، وهنا لنا أن نتساءل: كيف لعرض مسرحي وحيد في السنة لا يتجاوز عرضه أحد عشر يوماً ومحاصراً داخل بيوت وقصور الثقافة بلا دعاية وفي حراسة رجال الأمن أن يترك أثراً ثقافياً في البيئة المحيطة به .
والأمر في المسرح يمكن قوله بالطريقة نفسها على كافة الأنشطة المحاصرة داخل أروقة وزارة الثقافة، وكأنها أنشطة سرية، لا يستقبلها ويستفيد منها إلا نفر قليل من رواد الثقافة، وللأسف أغلبهم منتجون لتلك الفنون والأعمال أو مشاركون فيها .
بسبب هذا الدور وغيره طالب الكثيرون بإلغاء وزارة الثقافة والإعلام في مصر، ولديهم بعض الحق في ذلك، خاصة فيما تقدمه هاتان الوزارتان من ثقافة محدودة وموجهة تمشي على السطر دون أن تحيد عنه لإيجاد طرق ووسائل مختلفة، وهنا لنا أن نتساءل: كيف انتشرت الأفكار الظلامية المتطرفة خلال الثلاثين عاماً الماضية في ظل حصار أمني شامل لا يهتم بأمن الوطن والمواطن قدر اهتمامه بتأمين السلطة وتأييد حكمها؟ ومع ذلك يظل هناك أمل في أن تغير المؤسسة الثقافية من سياساتها نحو طريق إصلاحي .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"