كتاب لم يكتبه الكواكبي

02:54 صباحا
قراءة دقيقتين

د. حسن مدن

كتاب لم يكتب للمصلح الديني والمكافح من أجل الحرية والعدالة عبدالرحمن الكواكبي، من المرجح أنه سيكون كتاباً عظيماً حكماً مما نعرفه عن مؤلفه. لسوء حظ ثقافتنا العربية أن الموت عاجل الكواكبي قبل أن يشرع في كتابة الكتاب الذي أعدّ له العدة، من خلال جولة قام بها في البلاد الإسلامية كي يتعرف إليها عن كثب، فبلغ سواحل إفريقيا الشرقية والجنوبية، ودخل الحبشة والصومال وسلطنة هرر، وتعرّف إلى شبه الجزيرة العربية، حتى أن الرحال حطت به في الهند وطاف بسواحل الصين الجنوبية وبعض إندونسيا.

كان قد عزم على كتابة مذكراته عما رآه، وانطباعاته عن اللقاءات التي أجراها مع أمراء وزعماء الأقاليم التي قصدها. يمكن القول إننا كنا بصدد كتاب يمكن تشبيهه بكتاب الرحالة أمين الريحاني: «ملوك العرب»، لكن مع الفارق في الزمن، وفي اتساع الرقع التي زارها الكواكبي قياساً لتلك التي رآها الريحاني، وربما أيضاً اختلاف مقصد وفلسفة كل منهما في رحلته، فلعل غاية مؤلف «طبائع الاستبداد» أرحب وأشمل من غاية مؤلف ملوك العرب.

قصد الريحاني شبه الجزيرة العربية آتياً من أمريكا التي أصبح يحمل جنسيتها مطالع القرن العشرين، أما الكواكبي فجال جولته منطلقاً من مصر. وذهابه إلى مصر واستقراره فيها حكاية جديرة، هي الأخرى، بالوقوف عندها، فالكواكبي الحلبي السوري الذي قارع الولاة العثمانيين على بلاده بما أوتي من شجاعة في الفكر والإرادة، صار هدفاً لهم بتدبير التهم والمكائد ضده، هو الذي اختار منازلة الاستبداد والجهل، لا في «طبائع الاستبداد» وحده، وإنما أيضاً في كتابه الثاني «أم القرى».

بعد خمسين عاماً من مواجهة الطغيان العثماني، وجد نفسه محمولاً على مغادرة حلب. لم يقل لأحد إلى أين هو ذاهب. حتى ابنه الأكبر كاظم الذي رافقه في الرحلة لم يكن يعرف وجهة والده، الذي كان قد اختار القاهرة مستقراً قادماً له. إنها الرحلة المعتادة لأحرار بلاد الشام ومفكريها ومثقفيها وأدبائها حين تضيق عليهم الدوائر في بلدانهم، ويطمحون للفضاء الأرحب، فلا يجدونه إلا في مصر.

ذات مساء من صيف 1902، ولم يكن قد مضى وقت طويل على عودته من رحلته في البلاد الإسلامية، وما كاد الكواكبي ينتهي من شرب فنجان قهوته في مقهاه المفضل في حديقة الأزبكية حتى أحسّ بآلام مبرحة في أمعائه. قطع جلسته وعاد إلى منزله مريضاً. حين أحضر ابنه كاظم طبيباً لمعاينته كان الوقت قد فات. عاجل الموت الكواكبي ومعه مات كتابه المنتظر.

[email protected]

عن الكاتب

كاتب من البحرين من مواليد 1956 عمل في دائرة الثقافية بالشارقة، وهيئة البحرين للثقافة والتراث الوطني. وشغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"