رقص العلوم على الحبال

00:49 صباحا
قراءة دقيقتين

عبد اللطيف الزبيدي

ما هي مفاجآت العلوم الإنسانية، التي قد تكون لها أبعاد سياسية في المدى المنظور؟ حقيقة الداعي إلى السؤال هي أن القلم أدرك أن العلوم الإنسانية لم تعد الإنسانيات التي تعارف عليها أساتذتها الأوّلون. صار كل علم منها يرقص على حبال شتى. القضايا جذورية مهمّة، واستشراف المستقبل قد يكشف لنا أن مفاهيمنا للتاريخ والهويّة والتراث والجذور الثقافية، ستواجه وقائع واستدلالات لم تخطر على بال المدوّن في المكتبة العربية.

بعض العلوم الإنسانية لم يعد علوماً إنسانية جليّة مثل التاريخ، الأدب، اللسانيات، الفلسفة إلخ. منذ بضعة عقود صار للأنثروبولوجيا فروع كثيرة، من بينها الأنثروبولوجيا الوراثية. منطقيّاً، في هذا النطاق لا يستطيع علم وصف الإنسان أن يتحرّك قيد أنملة من دون البيولوجيا. مثال ذلك جاء في مقال قيّم للمجلة الفرنسية العلميّة «لا روشيرش» (البحث. يوليو 2020): أراد الفرنسيون أن يعرفوا من أين مأتاهم. أخذت الأنثروبولوجيا الوراثية عيّنات من مورّثات 243 فرنسيّاً ممّن يرون أربعة أخماس الفرنسيين دخلاء. أثبتت الاختبارات أن تلك المورّثات تغطّي نماذج على امتداد سبعة آلاف عام. هنا يغوص علماء الأحياء في أعماق المعلومات المستودعة في سلاسل الحمض النووي. كشفت قراءة البيانات أن تلك النماذج التي خضعت للفحص والاختبار، تنحدر من موجتين من المهاجرين الفلاحين القادمين إلى الجغرافيا الفرنسية، بحدودها اليوم، من أراضي الأناضول. الأولى تعود إلى العصر الحجري الحديث قبل 6300 سنة، والأخرى إلى العصر البرونزي قبل 4200 عام.

معاذ الله أن يتجرّأ القلم على القول للمناهج العربية: هل لديك شيء ما يمتّ بصلة قرابة إلى الأنثروبولوجيا الوراثية؟ مع التوسّع في المسألة: هل في ديار العرب مراكز بحوث لها مختبرات فيها تنقيب عن خبايا الخلايا، وسبر المكتوب على لوح الحمض النووي؟ الغرض من طرح هذه المجهولات الكامنة في أعماق المورثات، هو أن عدم ريادة هذه الآفاق العلمية من قبل بحث علميّ عربي تأخر ظهوره دهراً، قد لا يكون مفيداً إذا تولىّ أمره غير العرب.

لزوم ما يلزم: النتيجة الاستباقيّة: هل ثمّة ما هو أجدر من أن تحكّ ظهرك بظفرك، حتى لا يتولى الغير أمرك. العلم صار سياسة مصيرية.

[email protected]

قيَم هذا المقال
0

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y3ytnbkd