عادي

«الصندوق».. تراجيديا تتخفى وراء الضحك

عرض يعتمد على الفرجة والتجريب
00:20 صباحا
قراءة 4 دقائق
DSC_0082

دبي: عثمان حسن

ضمن عروض مهرجان دبي لمسرح الشباب، عرضت مساء أمس الأول على خشبة مسرح للجميع في «مول الإمارات» في دبي مسرحية «الصندوق»، من إنتاج وتقديم جمعية شمل للفنون والتراث الشعبي والمسرح، ومن تأليف الشيخة سارة بنت محمد القاسمي، ومن إخراج عبدالله الحريبي الذي يقوم أيضاً بدور رئيسي في العرض، ومن خليفة البحري الذي يجسد شخصية «ماجد» وعبدالله أنور بدور «أحمد».

وقام على تنفيذ هذا العمل طاقم فني مؤلف من: حسن الكاس «الديكور»، وجمعة مبارك «مؤثرات صوتية»، وعلي فضل «إدارة خشبة وتصميم صوت»، ومحمد جاسم «الماكياج»، وأشرف خالد الشحي «تصميم الملابس»، شريف محسن «هندسة الصوت» وعبد الرحمن الكاس «إشراف فني عام».

يبدأ العرض بثلاثة أفراد يظهرون في قبو تحت الأرض، بين مجموعة صناديق، ودافعهم أن يعثروا على الذهب.

تدريجياً، تبدأ الشخصيات بالبوح، ونعرف تباعاً قصة كل منها، فالأول يتذكر بيتهم المحترق الذي جاء على جميع أفراد العائلة، أما الثاني فهو عاشق متيم، عانى الشرود والضياع بسبب رفض والد حبيبته زواجه منها. أما الثالث، فهو ابن يعاني فقد والده، الذي اختفى دون أن يستدل على هويته الحقيقية، وتراوده أحلام تكسر فؤاده بأنه لقيط ومشرد.

ضمن هذه الحبكة الدرامية التي يكشفها (النص – العرض) يعمل الممثل ومخرج العمل على بناء مشاهد مشغولة بمنحى فرجوي تجريبي، يستند إلى مقابلات ضدية، حيث يكشف العرض عن ثنائية الموت والحياة، ضمن صياغات فنية أو مشهدية، تظهر في الحوار بين الشخصيات، كما تظهر في الأداء المسرحي وفي الحركة والإيماءة وفي لعبة الجسد.

مستويان

يستمر العرض في التعبير عن هذه الثنائيات في مستويين واضحين الأول: يميل إلى الفكاهة وإضحاك الجمهور، أما الثاني، ففيه قدر عال من القسوة والسوداوية من أداء 3 ممثلين، استطاعوا أن يجذبوا الجمهور إلى فكرة النص، ليتفاعل مع الأداء البارع على الخشبة.

تستمر الشخصيات في البوح، وفي غمرة الانهماك في البحث عن الذهب، يود العاشق أن يعثر في الصناديق على صورة والد حبيبته، لينتقم منه، وحين يعثر عليها في أحد الصناديق، يقوم بتحطيمها بعنف على خشبة العرض، في صورة كاريكاتورية، أراد المخرج من خلالها أن يعبر عن حجم المعاناة وجرعة القهر التي يعانيها هذا العاشق.

يعثر العاشق في صندوق آخر على فستان، يتوهم أنه فستان حبيبته، وهنا يتفاعل الجمهور مع لقطة بارعة، حين يقوم الممثل بإلصاق الثوب على جسده، ودفع كم الثوب على يده، فيقوم بمراقصته في مشهدية جميلة، فنشاهد جسدين يتمايلان لراقصين محترفين، يتمايلان على الخشبة، بخفة عاشقين بارعين.

يجيء على لسان العاشق عبارة ذات مغزى حيث يقول: «هم هكذا أصحاب المال يعيشون وكأننا غير موجودين، الجميع ينظر للأعلى ولا يعير اهتماماً لم هم في الأسفل».

في مشهد ثان، تظهر شخصية الممثل الذي فقد والده، وهو يدير حواراً مع نفسه، يخاطب من خلاله أمه ويقول: «كل ما أردته هو أن أخبر الناس أنني طفل شرعي.. ما ذنبنا أن نتحمل أخطاء غيرنا.. حتى وإن متنا فلن تموت أخطاؤنا.. أمي ضحت بحياتها من أجلي.. كانت الأب والأم بالنسبة لي. أسألها أين أبي؟.. أريد أن أراه.. أعطتني صورة وكانت الأمل الوحيد».

في المشهد الختامي للعرض يعمد المخرج إلى نهاية مفتوحة على التأويل، فقد عثرت الشخصيات على الذهب، لكن المفاجأة أنهم قد تهاووا صرعى، فاقدين أي أمل في الاستمرار، في مشهد سوداوي واضح، لكنه –كما يبدو- يفتح على قراءات ثانية وثالثة.

يلاحظ في العرض أن المخرج، قد لعب على أزمة الشخوص من خلال العديد من الثنائيات، وهذه الثنائيات تغوص عميقاً في النفس البشرية، ويبدو أنها تترجم فكرة النص بما يحمل من إسقاطات إنسانية، فثمة عالمان متناقضان: العالم «الفوقي» وعالم «الأسفل» حيث الحرمان والفقد والظلم والانكسارات المتوالية، والعرض يوحي كما جاء على لسان الشخصيات بأن الضحايا في العالم السفلي، هم نتاج العالم الآخر، حيث تسود ثقافة الاستهلاك والتسليع، وتفقد الإنسانية بعضاً من قيمها ومثلها التي يجب أن تكون. في ذات السياق، فقد بدا واضحاً أن مخرج العرض، قد عمد إلى استثمار قدرة الممثلين على الأداء،، حيث بناء الشخصية ذهنياً ووجدانياً، وإعداد الممثل إعداداً جيداً..

فالأداء اللافت، هو جهد لاحظه جمهور المتفرجين ومعظمهم من الشباب، وبعضهم مارس مهنة التمثيل والتأليف والإخراج من خلال مهرجان دبي لمسرح الشباب في دورات سابقة على هذه الدورة.

ندوة تطبيقية

في أعقاب العرض أقيمت ندوة تطبيقية أدارها الفنان غانم ناصر، بحضور المخرج عبد الله الحريبي.

بداية أثنى غانم ناصر على العرض فكرة وسينوغرافيا، كما أشاد بطاقم العمل، وقدرة الممثلين على تقديم فرجة مسرحية، نجحت في جذب الجمهور، وقال: «قدمت مسرحية الصندوق، ما يمكن وصفه بالسهل الممتنع، من خلال نص جميل وإخراج لافت». وقد طرح كثير من الفنانين مداخلات أشادت بالعرض، الذي قدم جهداً لافتاً على الخشبة، ومما أثارته الندوة، تلك الملاحظات التي بدا فيها الممثلون وكأنهم يوجهون أداءهم وانفعالاتهم إلى الجمهور، في حين كان يجب ضبط الحوار والانفعالات تبعاً للعبة الدرامية التي يطرحها النص.

بدوره قدم عبدالله الحريبي مداخلة أشاد من خلالها بفريق العمل وخاصة الممثلين، كما أشار إلى كاتبة النص، وتعرض إلى كثير من التفاصيل والبروفات والجهود المبذولة من الناحية الفنية وصولاً إلى نسخته النهائية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/dat7k4t6