«ميكيافيلي» ما زال حيّاً

00:02 صباحا
قراءة 3 دقائق

د.يوسف الحسن

على طول التاريخ الإنساني، كانت السياسة تحاول دوماً أن تتخذ وسائل وذرائع لما تسعى إلى تحقيقه، وأن تجد لما ترومه مبادئ «أخلاقية» ترفع أعلامها وشعاراتها، وكانت تنجح حيناً، إلا أنها في أغلب الأوقات يكون نصيبها الفشل والانكشاف.

في بدايات عصر الفلسفة الإغريقية، حاول فلاسفة إقامة جسر بين الأخلاق والسياسة، وفي حروب الفرنجة (الصليبية)، أحاطوا غزواتهم العدوانية والبربرية بالباباوات والرهبان، للتمويه على مطامعهم الاقتصادية والسياسية. وجاء ميكيافيلي في النصف الثاني من القرن الخامس عشر ليهدم الجسر بين السياسة والأخلاق، ونادى ب«الغاية تبرر الوسيلة» أي بالمكر والخداع، وانتشرت هذه النظرية عبر العصور في كثير من بلاد العالم، ومن بين أفكاره الأخرى قوله: «إن السياسة ليس لها أي علاقة بالأخلاق».

 ومن أسف، فإن فلاسفة وكُتّاباً كباراً في عصره، وفي عصور تالية، قد دافعوا عن نظرية ميكيافيلي وفشلت قوى أوروبية في تصوير غزواتها الاستعمارية، في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وكأنها غزوات عادلة، ومقدسة، تهدف إلى تحقيق التقدم والعدل والحماية والحريات، فضلاً عن فِرية بناء «الديمقراطية»!! 

وقد جرت حركة الاستعمار الأوروبي، بصفة عامة، تحت مبررات إن «عبء الرجل الأبيض، ومسؤولياته» والتي يتحملها أمام الله والتاريخ، هي تحرير الشعوب المتخلفة، وهي شعوب ملونة، كما جرت عمليات السيطرة على الموارد والأسواق تحت دعوى «حرية التجارة»، وقيل إن الحرب العالمية الأولى كانت حرب الديمقراطية ضد الاستبداد والهيمنة، في حين أن الحرب العالمية الثانية كانت حرب الليبرالية ضد الفاشية، أما الحرب الباردة، فهي حرب الحرية والعالم الحر، ضد العبودية القابعة وراء الستار الحديدي.. إلخ.

في العام 1993، شهد العالم عراكاً بين الزعيم الروسي يلتستين والبرلمان الروسي، انتهى إلى ضرب مبنى البرلمان بالمدفعية والدبابات، وبدعوى الدفاع عن الديمقراطية.

ويمكن القول إن كل القوى السياسية تحاول دائماً أن تُلفِّق «جسراً» بين السياسة والأخلاق، حتى لا تبدو حركتها وأفعالها عارية من الأخلاق، ولعل أشهر «الجسور» في هذه الأزمنة، هي دعاوى حقوق الإنسان.

في العام 1980، كان الشاه محمد رضا بهلوي، إمبراطور إيران، الصديق والحليف للأمريكيين، وللذين توَّجوه «شرطياً» لحماية مصالحهم في الخليج، مشرداً ومريضاً بالسرطان، وطلب اللجوء إلى أمريكا، وكان يعتقد أنه أهم أصدقائها في الشرق الأوسط، ووقف معها في كل معاركها، إلا أن أمريكا صدَّته، ورفضت طلبه اللجوء، وسمحت له بالعلاج فقط في نيويورك، وقبل استكمال علاجه، أُبلغ بقرار طرده من أمريكا، بحجة أن تظاهرات شعبية قامت في طهران، وهاجمت السفارة الأمريكية، فتم تهريب الشاه المريض إلى بنما، ومنها إلى القاهرة؛ حيث قدم له الرئيس المصري الأسبق أنور السادات ملجأ ومستشفى للعلاج؛ حيث توفي بعد خضوعه لعملية جراحية خطرة.

وقيل في التفسير الإعلامي لمبادرة السادات باستضافة الشاه المريض أن «أخلاق القرية» كانت وراء هذه المبادرة، وقيل أيضاً غير ذلك، ولم تكن ظلال «عملية السلام» التي كانت قد بدأت خطواتها الأولى، بعيدة عن أهداف المبادرة، فضلاً عن رغبة السادات في مساعدة أمريكا التي كانت تعيش «ورطة» حرجة بسبب الشاه.

وسيشهد العالم، بعد ذلك بنحو عقدين من الزمان، احتلالاً أمريكياً للعراق، مبنياً على الكذب، ولا مكان للأخلاق في مسبباته ووسائله وتداعياته.

وحينما تخلو السياسة من قيم الأخلاق الإنسانية، تتسرب ممارساتها إلى مألوف الناس اليومي، فتشيع ثقافة الإقصاء والتمييز، وتزدهر حاضنات الانتهاكات الفظة لحقوق الإنسان الأساسية والعدالة، وتضعف المسؤولية المجتمعية والدولية، فضلاً عن ضعف الوفاء بالعهود والتعهدات الدولية.

وحينما يتم عزل القضايا السياسية عن أسسها الأخلاقية، تصبح السياسة أمراً محصوراً بالأقوياء، وبمصالحهم، ولا علاقة لها ببناء عالم أكثر أمناً وعدلاً، وصالحاً للعيش المشترك.

إن دولاً ديمقراطية عديدة تتحدث بصوت عالٍ عن حقوق الإنسان، لكنها ترفض التوقيع على إعلان للأمم المتحدة حول حقوق الشعوب الأصلية، وتمارس في سياساتها الدولية الكيل بمكيالين، كما أن بعضها لم يوقع على معاهدة المحكمة الجنائية الدولية، وتعفي نفسها من احترام أي التزامات تجاه هذه المحكمة، لكنها من أكثر الدول إلحاحاً على الآخرين للالتزام بهذه المحكمة.

حينما تضيع الروح الأخلاقية للسياسة، يُصبح الآخر عندها «لا يشبهنا» فلا يتحرك ضميرها، حتى لو أدت سياساتها إلى تدمير حياة البشر أو البيئة أو الموارد.

إن الاستهتار بالقيم والمعايير الأخلاقية الإنسانية في السياسة، وبخاصة في العلاقات الدولية، يؤذي الحاضر، ويُدِّمر ممكنات المستقبل.

خمسة قرون مضت، وما زالت «الميكيافيلية» مدرسة للفكر السياسي الخالي من المعايير الأخلاقية، إن على مستوى امبراطورية أو دولة، أو حتى على مستوى بلدية في مدينة صغيرة.

........

ميكيافيلي لم تُطوهِ صفحات الزمان.

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"