مجادلات شعـراء

00:07 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. يوسف الحسن

في مجالسة الشعراء، تقتضي الآداب إظهار التبسط والإيناس، حتى ولو أنشدوا شعراً مكسوراً، أو كان الشاعر «يسير وسط المعمعة»، أو آخر «لا تشتهي أن تسمعه»، أو حتى شاعر «لا تستحي أن تصفعه»، وفقاً للقول الشهير: «الشعراء، فاعلمن أربعة»، «فواحد يجري ولا يُجرى معه».. إلخ.
وتحضرني قصة تعود لأكثر من عقدين من الزمان، لشاعرين من النوع الأول: «يجري ولا يُجرى معه»، حدثت ذات ليلة من أمسيات أنشطة «المجمع الثقافي» في أبوظبي، وفي إطار الفعاليات المصاحبة لمعرض أبوظبي الدولي العاشر للكتاب.
صعد الشاعر محمد مفتاح الفيتوري إلى منصة قاعة المسرح في «المجمع الثقافي» وضجت القاعة بتصفيق المئات من رواد الثقافة وعشَّاق الشعر، ترحيباً بضيف أبوظبي، وصعد معه الشاعر حبيب الصايغ ليقدمه للجمهور، ويرحب به نيابة عن «المجمع الثقافي». قدم الصايغ ضيفه كما يليق، ووصفه بأنه «دم شجاع»، وأنه يملك أصابع أسطورية، تسيطر على اللوحة، وقال متوجهاً إليه٬ «حان لك يا سيد الشعر، أن تتوجه إلى الشعر الأبيض»، وقال الصايغ متوجهاً إلى الجمهور: «إن الفيتوري يزور أبوظبي للمرة الأولى، وكأنما بقيت قاعة المجمع الكبرى، التي استضافت عمالقة الشعر العربي، من قبل، منتظرة قدومه، وكأنما لا يكتمل مجدها إلا به». (من نص مكتوب، احتفظت به بين أوراقي).
وعبَّر الصايغ في تقديمه للشاعر الفيتوري، عن إعجابه البالغ بشعر الضيف، لكن ما حدث بعد ذلك كان شيئاً مفاجئاً للجمهور في القاعة.
بدأ الفيتوري بإلقاء قصائد من شعره تتعلق بالقضية الفلسطينية، وطوَّف بقراءاته ملامساً جروحاً عربية، وردد «أصبح الصبح فلا السجن والسَّجان باقِ».
وفي أثناء قراءاته الشعرية، توقف ليقول: «يبدو أنني مطالب بأن أبرئ ساحتي، وأن أقرأ شعراً عن فلسطين، وأنا الذي أكتب عنها منذ الستينات».
تذكرت لحظة سماعي لتعليقه الأخير ما جرى من أحاديث سريعة، أثناء جلوسنا في قاعة الاستقبال، قبيل بدء الأمسية الشعرية، حينما اتهمه أحد الحاضرين بأنه لا يكتب عن فلسطين على نحو كافٍ، وقد لاحظت أن شاعرنا الضيف قد استفزه هذا الاتهام ومر الأمر بهدوء، ولم أحسب أنه سيتفجر أمام الجمهور.
وعلّق الشاعر حبيب الصايغ خلال الأمسية بأن «الشعر الجميل، ليس بالضرورة أن يرتبط بالقضية الفلسطينية».
وحتى تلك اللحظات كان جمهور القاعة يتابع بالتصفيق قصائد الفيتوري، ولكن حينما قال الصايغ «اقرأ لنا شعراً خالصاً صافياً» انفجر المشهد وتوقف الفيتوري عن القراءة، وقال للصايغ: «هل هناك شعر خالص، وشعر غير خالص»، فرد حبيب: نعم، وتواصل الأخذ والرد.
ظننت لحظتها، أن هذا «الحوار» هو نوع من «المداعبة الفكرية»، لكن المفاجأة أن احتد الفيتوري قائلاً: «أنا الفيتوري، تريد أن تقول لي ماذا أقرأ، وأنا الذي لديه أكثر من عشرين ديواناً شعرياً»، فما كان من الصايغ، مقدم الأمسية، إلا أن ترك المنصة، وخرج من القاعة، تاركاً الضيف وحده، مثيراً جواً من الارتباك، وخيّم صمت وذهول في فضاء القاعة، وبقي الضيف الفيتوري صامتاً لا يدري هل يواصل إلقاء الشعر، أم يغادر المكان.
نظرت حولي، في الصف الأول، في مقاعد قاعة المسرح، أبحث عن حل وعمّن يمكنه استكمال دور الصايغ من موظفي «المجمع الثقافي». لم يستجب أحد وبدا لي أن الموقف سيشكل حرجاً كبيراً للمجمع، فاستدركت الأمر، وصعدت إلى المنصة، وجلست بجوار الفيتوري، وطلبت منه مواصلة إلقاء أشعاره، معتذراً له عما حدث، ومحيياً إياه ومعتزاً في الوقت نفسه بالصايغ كشاعر متميز نعتز به.
مرت الأمسية بإيقاعها الدراماتيكي، وسط تصفيق الحضور، وكلمات مني «دبلوماسية»، أزالت الكدر والذهول.
وقلت وقتها مستغرباً: «كنت أحسب أن المشادات في النقاش السياسي، وعلى طريقة «الاتجاه المعاكس» هي الوحيدة التي تنتهي إلى افتراق، ومغادرة «الاستوديو» قبل انتهاء الحلقة النقاشية، أما «قرابة» الشعر فهي أقوى من قرابة الدم».
......
رحم الله الشاعرين حبيب الصايغ، ومحمد الفيتوري، افترقا في تلك الليلة، كما العشاق في الحياة، وبقيت لدي هذه الذكرى، وبقي الشعر.

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"