عادي

روايات مكتوبة على مدار عقود من السنين

أمضوا فترات طويلة في تأليف أعمالهم
22:46 مساء
قراءة 4 دقائق
1803
1802

الشارقة: «الخليج»
ربما يمكن القول إن الرواية هي لعبة مع الزمن بالنسبة لكاتبها، إنها طريقته في استخدامه، كذلك هي أسلوبه في التعامل معه خارج الرواية نفسها، حين تستغرق كتابتها سنوات عديدة تصل أحياناً إلى عقود.

حين يحتاج الكاتب لسنوات تتعدى أصابع اليد الخمسة على الأقل، كي يكتب عمله الروائي، فإن أسئلة عديدة تهجس في نفس القارئ قبل القراءة وبعدها: كيف تشكلت شخصيات وأحداث تلك الرواية على مدى الفترة الزمنية التي كُتبتْ فيها؟، هل حافظ المؤلف عليها كما شكلها أول مرة؟، هل اضطر إلى إلغاء بعضها لأن الزمن ومروره غيرا الحاجة إليه؟، هل عاد للتفاصيل الدرامية والحبكة مرات ومرات كي يرسمها من جديد لأن الزمن تغير بالنسبة للقارئ الذي ستتجه إليه الرواية؟.

كان الروائي والفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو ينادي بأن يُمنح الكتاب الروائيون سنوات لنصوصهم، قبل أن يصدروها، كان يرى أن ذلك يمنح الفكرة تخمراً ونضجاً مطلوباً، ويجعل النص الروائي يُبنى بالشكل الصحيح.

في سنة 2011 أصدر إيكور روايته «مقبرة براغ» والتي كانت السادسة في مجمل رواياته، وجاءت بحسب العديد من القراء والنقاد دون مستوى نصه الأول «اسم الوردة» بمراحل، ودون أن تدخل إلى النفس تلك البهجة التي تحدثها عادة رواية مكتوبة بتدفق، بسلاسة، بل إن البعض وصفها دون تردد بأنها رواية مملة، وحتى أن إيكو نفسه يعترف بذلك ضمنياً حين يقول متحدثاً عن الرواية وغيرها مما لم يلق رواجاً من رواياته: «إن كتبي على الدوام تُصنّف باعتبارها واسعة المعرفة وفلسفية أكثر مما ينبغي، وصعبة أكثر مما ينبغي».

ذاكرة ومخيال

الملاحظة الأساسية التي يمكن استخدامها لفهم مدى اختلاف الرواية المذكورة وبقية روايات إيكو عن روايته الأولى «اسم الوردة»، والتي تلقى إلى حد اللحظة رواجاً كبيراً تتعلق بالزمن، بمروره قبل الكتابة، أي قبل أن يسجل إيكو ما أبدعته ذاكرته ومخياله على شكل بناء سردي، والواقع أن إيكو لا يقول لنا بشكل مباشر رغم أنه فيلسوف ومفكر كيف يتعامل مع الزمن الذي يستغرقه في كتابة رواية ما، إنه يكتفي بإشارات تبدو من جهة ما مبهمة حين يقول في كتابه «اعترافات روائي ناشئ»، «إن كل كاتب عليه أن يحتفظ ببعض أسرار الصنعة» ولا يفصح عنها، ومن ثم فهو لا يجيبنا عن تعامله مع شخصياته، وهل اضطر لتبديل بعض ملامحها وبعض علاقاتها مع الشخصيات الأخرى، أم أن النفس التاريخي لرواية «مقبرة براج» مثلاً، ظل يمنحه قدرة على التحكم في الأحداث، وفي اللغة، وفي بقية عناصر العمل السردي، باعتباره يتحدث عن الماضي، وليس عن حاضر أو مستقبل متحرك ومتطور؟.

من جهة أخرى يقدم إيكو في كتابه ذاك، إشارات أكثر وضوحاً، فتجده يتحدث عن بعض ما «أنفق» فيه الزمن الذي استغرقه قبل كتابة بعض رواياته التي سبقت «مقبرة براج»، ويعتبر تلك الفترة بمثابة «أعوام الحمل الأدبي»، فيتحدث مثلاً عن روايته «بندول فوكو» التي استغرقت كتابتها ثماني سنوات، وعن روايتيه «جزيرة اليوم السابق»، و«باودولينو» اللتين استغرقت كل منهما ست سنوات فيقول:« أجمع الوثائق، أزور أماكن، وأرسم خرائط، أسجل تصميمات المباني، أو السفن، كما في حالة رواية (جزيرة اليوم السابق)، ثم يضيف قائلاً: «عندما كنت بصدد التخطيط لرواية بندول فوكو، كنت أقضي الليالي المتتالية، حتى لحظة الإغلاق، أذهب وأجيء عبر ممرات المعهد الوطني للفنون والحِرَف، حيث تقع بعض أحداث قصتي، حتى أتمكن من وصف سير كازاوبون الليلي عبر باريس، من المعهد إلى ميدان دي فويس، قضيت عدداً من الليالي متجولاً عبر المدينة، بين الثانية والثالثة صباحاً، وأنا أُملي على جهاز تسجيل صغير، كل شيء يمكن أن أراه، حتى لا أخطئ في أسماء وتقاطعات الشوارع، وحين كنت أجهز لكتابة «جزيرة اليوم السابق» ذهبت بطبيعة الحال، إلى بحار الجنوب، بالضبط إلى الموقع الجغرافي الذي حدده الكتاب، لرؤية ألوان البحر والسماء في ساعات مختلفة من اليوم، والتلاوين الشفيفة للأسماك والشعاب المرجانية.

و«كذلك قضيت، عامين أو ثلاثة أعوام في دراسة رسوم ونماذج السفن السائدة في تلك الفترة، لأعرف كيف كان حجم القُمرة أو الكابينة، وكيف يمكن للشخص أن يتحرك من إحداها إلى الأخرى».

أجواء

وعلى نفس النمط من الطول الزمني والاتجاه نحو التاريخ عند كتابة رواية ما، نجد الروائية الألمانية من أصل بولندي كريستا فولف، والتي قدمت سنة 2016 روايتها «مدينة الملائكة» والتي استغرقت في كتابتها أكثر من عشر سنين، وتدور أحداثها في الفترة التي كانت فيها ألمانيا مقسمة بين جزأين شرقي وغربي، وتتحدث فيها عن أجواء القمع والمتابعات التي كانت تتعرض لها ألمانيا الشرقية حيث كانت تعيش.

رواية « الجانب المظلم للحب» للكاتب السوري الألماني رفيق شامي، هي رواية من ألف صفحة وكُتبت في الأصل بالألمانية قبل أن تترجم إلى أكثر من ثلاثين لغة عالمية من بينها اللغة العربية، وتصدرت قائمة المبيعات في عدة دول أوروبية، واستغرقت كتابتها ثلاثين سنة، وغطت في أحداثها وبنيانها السردي حوالي 120 عاماً من تاريخ سوريا.

لقد قام الشامي بتجميع وشراء وثائق عتيقة وأرشيفات كاملة لمجلات صدرت في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وحتى أنه استطاع الحصول على وثائق سرية تتعلق ببعض محاضر التحقيق في سجن يدعى سجن تدمر، واعتمد على مكتبة في منزله تضم 200 كتاب عن الفترة التاريخية التي كتب عنها، ورغم الزمن الطويل الذي استغرقه في كتابة روايته إلا أنه نجح في أن يجعلها تتجاوزه، لتخرج وكأنها كُتبت في ليلة واحدة، لقد استطاع بطريقة ما فصل السردي الروائي عن التاريخي النمطي، واستطاع كذلك فصل نفسه والتغيرات الكثيرة التي يمكن أن تحدث له خلال ثلاثة عقود، عن ذاته الإبداعية.

خط مستقيم

الروائي السنغالي صمبا فال، كتب روايته « حب في عمق المحيط» خلال 13 سنة، وكان يحكي فيها عن الموت الذي يستهدف عاشقين خرجا على التراتبية الاجتماعية في قرية سنغالية، وقررا أن يهربا ليتزوجا بعيداً عن قريتهما، لكن الموت كان الحاضر الذي وضع النهاية. إن الزمن هو ذلك الخط المستقيم الذي لا ينحني بين نقطتين أو مكانين، هكذا تعلمنا تعريفاً موجزاً للزمن، لكنه في الرواية خصوصا في إعدادها وكتابتها، عليه أن يكون طيّعاً، مرناً، قابلاً للتشكل في يد الروائي، وإلا فسيفقد مشروعه السردي الذي قد يكون تعمد أن يخصص له زمناً طويلاً ليتقنه.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"