عادي

كل شيء عن «ألف ليلة وليلة»

موسوعة تبرز مكانتها في الأدب العالمي
22:14 مساء
قراءة 6 دقائق
1601

الشارقة: «الخليج»
«الليالي العربية» كما يطلق عليها الأوربيون، أصلها هندي أم فارسي أم عربي؟ مخطوطاتها تواريخ ظهورها مؤلفها (أو مؤلفيها) حكاياتها الأصلية أو المنتحلة، ما جرى عليها من تعديلات، وما تعرضت له من حذف وتهذيب وإضافات على مر العصور، الأثر الذي خلفته على المستمعين والقراء، وعلى المبدعين من شعراء وروائيين ورسامين وموسيقيين وكتاب مسرح في الشرق والغرب، طرق تأليفها، موضوعاتها، وسياقاتها التاريخية والثقافية والاجتماعية، وتفاعلها مع نصوص أخرى، لها مكانتها وسط المنتج الأدبي العالمي.

هذه الأسئلة وغيرها تجيب عنها «موسوعة الليالي العربية»، في جزأين، التي ألفها، وجمع مادتها اثنان من أبرز المتخصصين في الدراسات العربية، هما أورليش مارزوف وريتشارد فان ليفن الأول يعمل أستاذاً للدراسات الإسلامية بجامعة «جورج أوجست» بجوتنجن بألمانيا، والثاني في قسم الدراسات الدينية بجامعة أمستردام بهولندا، وتضم أعماله المنشورة الترجمة الهولندية ل «الليالي العربية» وقد ترجم الموسوعة إلى العربية، المترجم الكبير سيد إمام الذي تم تكريمه أخيراً عن طريق دائرة الثقافة بالشارقة.

شهرة كبيرة

حقق نص الليالي شهرة عالمية، منذ أن قدمه «أنطوان جالان» إلى الغرب لأول مرة مترجماً إلى اللغة الفرنسية ما بين عامي 1704-1717 واستهلت الترجمة موجة «الهوس» بالليالي التي اجتاحت أوروبا، منذ أوائل القرن الثامن عشر فصاعداً، وهي الموجة التي شملت جمهور القراء والباحثين والمفكرين والكتاب والفنانين على حد سواء، لقد حققت هذه الترجمة نجاحاً جماهيرياً في فرنسا ثم في باقي أنحاء أوروبا، وأقبل المترجمون على نقلها إلى شتى اللغات.

ترجم نص الليالي إلى أغلب لغات العلم الحية، وتراوحت طبعاتها بين مهذبة وأخرى صريحة، تضرب عرض الحائط بالمعايير السائدة في أوروبا وقتذاك؛ هناك طبعات أمينة وكاملة، وأخرى مختصرة، تلائم الأذواق السائدة، طبعات للأطفال وأخرى للبالغين أو الكبار، وفضلاً عن هذا كله، أسهم نص الليالي في خلق الصورة النمطية عن الشرق، وفتح باب الاستشراق على مصراعيه، وساعد على دفع الحركة الرومانسية في أوروبا إلى الأمام، ومن ثم شارك في تحرير الفن والأدب من أسر القيود الكلاسيكية الصارمة، التي فرضت عليهما طوال عصور، وأصبح مصدر إلهام بالنسبة للعديد من الفنانين والمفكرين وكتاب المسرح والروائيين والشعراء في الشرق والغرب.

يوضح المترجم الكبير سيد إمام في تقديمه للموسوعة أن فولتير صرح بأنه لم يصبح قاصاً إلا بعد أن قرأ «ألف ليلة وليلة» أربع عشرة مرة، وتمنى أن يصاب بفقدان الذاكرة، حتى يعيد قراءتها، ويستمتع بها مرة أخرى، ويقر الكاتب الكولومبي جابرييل جارثيا ماركيز بدينه لليالي قائلاً: «لولا عثوري مصادفة في مكتبة جدي على كتاب مهمل، أوراقه صفراء، تكاد تتمزق من فرط قدمه بعنوان «ألف ليلة وليلة» ما كان لي أن أصبح أديباً، إن هذا الكتاب هو ما صنع مني أديباً بعد أن سحرتني حكاياته».

وعن فضل الليالي على الحركة الرومانسية التي اجتاحت أوروبا، منذ أواخر القرن الثامن عشر وطوال القرن التاسع عشر يقول الكاتب الأرجنتيني بورخيس: «عندما نشر جالان مجلده الأول عام 1704 سحر فرنسا العقلانية، التي كان يحكمها لويس الرابع عشر، وعندما نفكر في الحركة الرومانسية، فإننا نفكر عادة في تواريخ جاءت متأخرة، ويمكن القول إن الرومانسية بدأت في نفس اللحظة، التي قرأ فيها شخص ما في باريس أو النرويج كتاب «ألف ليلة وليلة».

وفى ذات السياق يتوقف المستشرق الفرنسي «سلفستر دي ساسي» الذي رفض صراحة فرضية الأصل الهندي أو الفارسي لنص الليالي، وشكك في صحة الفقرة التي أوردها المسعودي في «مروج الذهب» حول أصل الكتاب، مؤكداً أن الكتاب مشبع بالأجواء العربية والإسلامية، إلى حد يدحض أي ادعاء بأصل غير عربي له.

يقول: «يجب أن نعد العرب معلمين لنا في ابتكار الأحداث الشيقة، وفي العناية والاهتمام بالتنويع المستمر من خلال عالم الأساطير المتألق للسحرة والعجائب، ما يجعل العالم أكثر اتساعاً وثراء، وينمي القوى الإنسانية، وينقلنا إلى آفاق الروعة، ويثير دهشتنا حيال المفاجآت».

ويؤكد أمبرتو إيكو أن الروايات الكبرى في الثقافة الغربية من «دون كيشوت» إلى «الحرب والسلام» ومن «موبي ديك» إلى «الدكتور فاوست» كتبت بتأثير من «ألف ليلة وليلة» وهناك حقيقة لا بد من الاعتراف بها، وهي على الرغم من حضور نص الليالي الطاغي في الذاكرة، والتداول الواسع الذي حظي به، فإنه لم يحتل المكانة اللائقة به، التي يسوغها تأثيره الملموس في دائرة التفكير العربي، إبداعاً وموروثاً، كما يرى سيد إمام في مقدمته الضافية للترجمة، ومع ذلك ستظل ألف ليلة وليلة حكايات تشبه نصاً مفتوحاً ولغزاً عميقاً وشفافاً، يتشكل معناه في كل زمن وفي كل عقل.

إهمال

الغريب أن نص الليالي الذي حظي بكل هذا التقدير والاهتمام، ظل مهملاً بين أصحابه، يتناقله العامة في ما بينهم، طوال قرون، دون أن يرقى إلى مرتبة الأدب، وفقاً للمعايير التي أقرتها مؤسسة الأدب الرسمية، التي تتألف من علماء اللغة العربية ورجال الدين والتي كانت حريصة على التمييز بين أدب رفيع جاد، وأدب عابث ذي طابع شعبي، يستخدم اللغة الدارجة، ويهدف إلى التسلية، لا يستحق أن يكون أدباً.

لقد تجاهله المسعودي في «مروج الذهب» بوصفه سمرا من النوع الرخيص، ويلخص الحكم الذي أطلقه ابن النديم في القرن العاشر، الذي ذكر في كتاب «الفهرست» أنه رأى الكتاب بتمامه باللغة العربية، في عدة مجلدات، هذا الموقف؛ حيث وصف الكتاب بأنه «غث بارد الحديث».

لكل هذا وذاك ظل نص الليالي غريباً، مستبعداً ومهمشاً، منبوذاً ومستهجناً من قِبل النخبة الثقافية يرويه القُصّاص الشعبيون للجمهور، ويضيفون عليه من عندهم جيلاً بعد جيل، ويرجع الفضل للمستشرقين في رد الاعتبار لهذا الأثر العظيم، وإبراز ما ينطوي عليه من سحر وجمال، وكان على رأس هؤلاء المستشرق الفرنسي أنطوان جالان الذي قام لأول مرة في تاريخ أوروبا الأدبي بترجمة الكتاب إلى اللغة الفرنسية في اثني عشر مجلداً.

كان جالان قد عثر على مخطوطة عربية تحوي حكايات السندباد فشرع في ترجمتها عام 1701 لكنه سرعان ما تبين أنها جزء من مجموعة أشمل فقام بترجمتها على الفور في سبعة مجلدات، بعد أن أضاف إليها حكايات السندباد، التي عثر عليها في بدابة الأمر، ولاقت الترجمة انتشاراً واسعاً، وذاع أمرها في أنحاء أوروبا، وسرعان ما ترجمت إلى العديد من اللغات، وعنها استمد الغرب صورته عن الشرق، بوصفه موطن السحر والخيال والكنوز والجمال.

وفى أوائل القرن التاسع عشر طبعت «ألف ليلة وليلة» لأول مرة إلى اللغة العربية في كلكتا بالهند عام 1814 وفي عام 1835 ظهرت طبعة بولاق وهي أول طبعة للمخطوط المصري، وتبعتها طبعة بولاق الثانية، بعد ذلك بثمانية وعشرين عاماً، ثم استكملت طبعة كلكتا الثانية ما بين عامي 1883-1842 في أربعة مجلدات، وما بين عامي 1888 و1890 أصدرت مطبعة الآباء اليسوعيين الكتاب في خمسة مجلدات ومن أشهر طبعات الليالي طبعة صبيح المزودة بالرسوم الشعبية، وهي الطبعة التي تمت مصادرتها في مصر عام 1985.

لفتت ترجمة جالان الانتباه إلى الأصل العربي فاتجه المترجمون إلى هذا الأصل ينقلون عنه ومن بين هؤلاء المستشرق الإنجليزي إدوارد لين الذي ظهرت ترجمته ما بين عامي 1839 و1841 ومع ظهور الحركة الرومانسية في أوائل القرن التاسع عشر، وثورتها على القواعد الكلاسيكية الصارمة، وفصلها الصارم بين الفن والأخلاق، واحتفائها بقيمة الخيال في الإبداع، وإعادة الاعتبار إلى فنون الشعب، بدأ التنقيب في العالم العربي عن تلك الآثار المهملة، والاعتراف بقيمتها، بوصفها التعبير الحقيقي عن روح الجماعة الشعبية، التي أهملتها مؤسسات الأدب الرسمية طويلاً.

التفات

غير أن الالتفات الحقيقي إلى «ألف ليلة وليلة» في الدراسات العربية، لم يبدأ إلا مع رسالة الدكتوراه، التي تقدمت بها سهير القلماوي إلى كلية الآداب جامعة القاهرة، بتشجيع من طه حسين عام 1941 وهي أول دراسة باللغة العربية حول «ألف ليلة وليلة» أعقبتها مجموعة من الدراسات، قام بها عدد من الدارسين الكبار، ممن اهتموا بالأدب الشعبي وفنونه، من بينهم الدكتور عبد الحميد يونس وأحمد رشدي صالح وفوزي العنتيل وفاروق خورشيد من بين آخرين.

رؤية للعالم

استطاعت «ألف ليلة وليلة» على الرغم من كل أسباب الإهمال والتهميش، التي قوبلت بها من جانب المؤسسة النقدية القديمة، أن تحافظ على وجودها بين الطبقات الدنيا، على مدى قرون، لأنها تمثل فضاء يكشف عن رؤيتها لعالم، يسوده القهر والتسلط؛ فضاء يجسد في الوقت ذاته أحلام هذه الطبقات وتطلعاتها إلى عالم يسوده العدل والمساواة، تذوب فيه كل التمييزات الثقافية، التي تقوم على أساس اللون أو العرق أو الجنس أو الطبقة الاجتماعية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"