عادي

عذب الكلام

23:11 مساء
قراءة 3 دقائق

إعداد: فوّاز الشعّار

لُغتنا العربيةُ، يُسر لا عُسرَ فيها، تتميّز بجمالياتٍ لا حدودَ لها ومفرداتٍ عَذْبةٍ تُخاطب العقلَ والوجدانَ، لتُمتعَ القارئ والمستمعَ، تُحرّك الخيالَ لتحلّقَ بهِ في سَماءِ الفكر المفتوحة على فضاءات مُرصّعةٍ بِدُرَرِ الفِكر والمعرفة. وإيماناً من «الخليج» بدور اللغة العربية الرئيس، في بناء ذائقةٍ ثقافيةٍ رفيعةٍ، نَنْشرُ زاوية أسبوعية تضيءُ على بعضِ أسرارِ لغةِ الضّادِ السّاحِرةِ.

في رحاب أمّ اللغات

يُسمَّى التشبيهُ تمثيلاً إِذا كان وجهُ الشَّبه فيهِ صورةً مُنْتَزَعَةً منْ متعددٍ؛ كقول ابن المعتز:

قَدِ انقَضَتْ دولةُ الصيام وقَدْ

بَشَّرَ سُقْمُ الهلالِ بالعيدِ

يَتلوُ الثريّا كفَاغِرٍ شَرِهٍ

يفتحُ فاهُ لأكلِ عُنْقُودِ

(صورة شيء مقوّس يتبع شيئاً مكوناً من أجزاء صغيرة بيضاء).

وقول الشاعر:

وَتَرَاهُ في ظُلَمِ الوَغَى، فتَخالُهُ

قَمَراً يَكرّ عَلى الرّجالِ بكَوْكَبِ

(ظهور شيء مضيء يلوح بشيء متلألئ في وسط الظلام).

وغيْرَ تَمْثِيل إِذَا لم يَكُنْ وجْهُ الشَّبَهِ كذلك، كقول أبي الطيّب في الرثاء:

وما الموْتُ إلاّ سارِقٌ دَقّ شَخْصُهُ

يَصولُ بلا كَفٍّ ويَسعَى بلا رِجْلِ

(الخفاء وعدم الظهور)

دُرر النّظم والنّثر

عَلَيكَ السَلامُ

البُحتري (من الطويل)

عَلَيكَ السَلامُ أَيُّها القَمَرُ البَدْرُ

ولازالَ مَعْموراً بِأَيّامِكَ العُمْرُ

وَداعاً لِشَهْرٍ إِنَّ مِنْ شاسِعِ النَّوى

على الكَبِدِ الحَرّى إِذا الْتَهَبَت شَهْرُ

هُوَ اسْمُ فِراقٍ طالَ أَو قَصُرَ المَدى

فَلِلصَّدْرِ مِنهُ ما يَحِرُّ لَهُ الصَّدْرُ

أَنا الظَّالِمُ المُخْتارُ فَقْدَكَ عالِماً

بِفَقدِ اللُّهى فيهِ وما ظَلَمَ الدَّهْرُ

مَلَأتُ يَدي فَاشْتَقتُ والشَّوْقُ عادَةٌ

لِكُلِّ غَريبٍ زَلَّ عَنْ يَدِهِ الفَقْرُ

وأَيُّ اِمْرِئٍ يَشْتاقُ مِن بُعْدِ أَرْضِهِ

إِلى أَهْلِهِ حَتّى يَكونَ لَهُ وَفْرُ

تَلافَيْتَني في ظَمْأَةٍ فَدَفَعْتَني

إِلى نائِلٍ فيهِ المَخاضَةُ وَالغَمْرُ

ويَدْنو قَرارُ البَحْرِ طَوْراً ورُبَّما

تَباعَدَ حَتّى لا يُنالَ لَهُ قَعْرُ

ولَمْ أَرَ مِثلي ظَلَّ يَمدَحُ نَفسَهُ

ويَأخُذُ أَجْراً إِنَّ ذا عَجَبٌ بَهْرُ

فَإِنْ بِنْتُ عَنكُم مُصْبِحاً حَضَرَ الهَوى

وإِنْ غِبْتُ عَنكُم سائِراً شَهِدَ الشِّعْرُ

وأَذْكُرُ أَيّامي لَدَيكَ وَنِعمَتي

وَآخِرُ ما يَبقى مِنَ الذاهِبِ الذِّكْرُ

من أسرار العربية

في تَقْسِيمِ الطُّولِ عَلَى مَا يُوصَفُ بِهِ: رَجُل طَوِيل وشُغمُوم. جارِيَةٌ شَطْبَة وعُطْبُولٌ. فَرَس أشَقُّ وأمَقُّ وسُرْحُوب. بَعِيرٌ شَيْظَم. ناقَةٌ جَسْرَة وقَيْدُود. نَخْلَة بَاسِقَة وسَحُوق. شَجَرَة عَيْدَانَة وعَمِيمَةٌ. جَبَل شَاهِقٌ وشَامِخٌ وبَاذِخٌ. نَبْت سَامِقٌ. وَجْه مَخْرُوط ولِحْيَة مَخْرُوطَةٌ، إذا كَانَ فيهما طُولٌ مِن غَيْرِ عَرْض. شَعْرٌ فَيْنَانٌ وَوَارِد كأَنَّة يَرِدُ الكَفَلَ وما تَحْتَهُ؛ وقدْ أحْسَنَ ابنُ الرُّومِي في قولِهِ:

وفَاحِم واردٍ يُقَبِّلُ مَمْ

شَماهُ إذا اخْتَالَ مُسْبِلاً عُذَرَهْ

وأَحْسَنَ في السَّرِقةِ منهُ، وزادَ عليه ابنُ مطْرَانَ، حيثُ قالَ:

ظبَاءٌ أعَارَتْها المَهَا حُسْنَ مَشْيِهَا

كما قَدْ أعَارَتْهَا العُيُونَ الجآذِرُ

فمن حُسْنِ ذاكَ المشْي جاءَتْ فقبَّلَتْ

مَوَاطئَ مِنْ أقْدَامِهِنَّ الضَّفَائِرُ

هفوة وتصويب

ترد مثل هذه العبارة، في وسائل الإعلام «ورَئسَ المديرُ الاجتماعَ»، وهي خطأ، والصَّوابُ «رأس»، ففي المعاجم «رَأَسَ القومَ يَرْأَسُهم»، رَآسَةً وهو رئيسهم: رَأَسَ عليهم فَرَأَسَهم وفَضَلهم، ورَأَسَ عليهم مثل «أَمَر عليهم»، وتَرَأَّسَ عليهم مثل «تَأَمَّرَ».

ورَأْسُ كلّ شيء: أَعلاه، والجمع في القلّة أَرْؤُسٌ، وفي الكثرة رُؤوس؛ قال النّمر بن تولب:

ويَوْمَ الكُلابِ رَأَسْنا الجُموعَ

ضِراراً وَجَمْعَ بَني منقرِ

ويقول آخرون «أخذَ المالَ عُنْوةً» (بضمّ العين)، والصّوابُ «عَنْوة» (بفتحها)، ففي المعاجم: العَنْوة: القَهْرُ. وأَخَذْتُه عَنْوةً أَي قَسْراً وقَهْراً. وعَنا يَعْنُو: أَخَذَ الشيءَ قَهْراً.

قال القطاميّ:

وَنأتْ بحاجتنا ورُبَّتَ عَنْوةٍ

لكَ مِنْ مَواعدها التي لَمْ تَصْدُقِ

من حكم العرب

الحِلْم زَيْنٌ، والسُّكوتُ سَلامةٌ

فإذا نَطَقْتَ فلا تَكُنْ مِكْثارا

ما إنْ ندمتُ على سُكوتي مَرَّةً

لكنْ نَدِمْتُ على الكَلام مِرارا

البيتان لأبي العتاهية، يقول فيهما حريّ بالعاقل أن يَنْطق بعلم، ويُنصتَ بحِلم، ولا يعجل في الجواب، وإن رأى أحداً أعلم منه أنصت للإفادة منه، فلا يتكلم فيما لا يعلم أو فيما هو غير واثق من مصدره. 

https://tinyurl.com/3yyaw9h3

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"