عادي

عارف الخاجة .. الشاعر بلا عمامة

قناديل إماراتية
00:10 صباحا
قراءة 5 دقائق
عارف الخاجة

يوسف أبولوز
في هذه الزاوية، نحتفي بمجموعة من أبرز مبدعينا الذين قدموا لمسات أدبية جمالية وإمتاعية، أثرت الوجدان، وارتقت بذائقة القراء، منحونا زاداً عبّر عن إنجازات الوطن وتحولات المجتمع وهموم البشر، كانوا ذاكرتنا التي تؤرخ للمكان ومدونتنا التي عبرت بصدق وإخلاص عن آمالنا وأحلامنا، هم قناديلنا التي نسترشد بها في دروب الحياة.

نجم شعري إماراتي ساطع في ثمانينات القرن العشرين، ولكن لا يعني ذلك أن هذا النجم قد أفل أو غاب، لا بل إنه ذاكرة، ونبض، ومعنى أدبي جميل، وروح كاتبة مقبلة على الحياة بتفاؤل دائماً، وأحياناً يخلط تفاؤله هذا بشيء من السخرية في شخصية واحدة أنيقة، مرتّبة.. شخصية لا تعرف الفصام ولا المراوغة ولا التلوّن بأقلام الزينة. صادق مع نفسه، وصادق مع قصيدته، وأبيض تماماً مع محيطه سواءً أكان وسطاً ثقافياً، أو فنياً، أو إعلامياً، وهو من خبر هذه الأوساط جيداً واشتغل في قلب تناقضاتها وصراعاتها وتلوّنها الفكري واليومي، وفي كل الأحوال بقي هُوَ هُوَ.. عارف الخاجة (1959) الذي سوف تقوده مصائره الثقافية للدراسة في الأزهر من دون أن يكون أزهرياً بمعنى العمامة والجُبّة، بل سيأخذه الشعر إلى الحياة، وتأخذه الحياة إلى فحص الكائنات والأشياء ليجعل من كل ما هو حيّ وكل ما هو جامد لغة طرية صديقة، هي لغة عارف الخاجة.

نبل

أشرت في البداية إلى الثمانينات، وأظنّ، وبعض الظنّ ليس شكّاً بقدر ما هو يقين أن ما من ناقد أدبي أو صحفي ثقافي أو إعلامي تلفزيوني أو إذاعي يذكر ثمانينات الشعر في الإمارات إلاّ ويضع اسم عارف الخاجة في رأس ملاحظاته وأوراقه إذا كان على قدر من الموضوعية والنبل الثقافي.

أصدر عارف الخاجة من 1983 وحتى 1989 ثلاث مجموعات شعرية: «بيروت وجمرة العقبة»، «قلنا لنزيه القبرصلي»، و«علي بن المسك يفاجئ قاتليه»، والمجموعات الثلاث تدور، كما هو واضح من عناوينها، في فلك إنساني، عروبي، وطني من الناحية المضمونية أو الموضوعية، أما من الناحية الشكلانية أو الشكلية فهو شاعر قصيدة العمود الوزني الخليلي، وهو أيضاً شاعر قصيدة التفعيلة، ولا أذكر شخصياً على الأقل أنني قرأت له قصيدة نثر، مع أنه لا يصدر في عدم كتابتها عن موقف رافض لها، بل لأن روح عارف الخاجة هي «كلاسيكية» صافية إن جازت العبارة، ولا ندري هنا، ربما أن دراسته الجامعية الأزهرية قد كان لها أثر مزدوج على طبيعته الشعرية، فهو من جانب كلاسيكي عمودي خليلي، وهو من جانب آخر لم يجرّب كسر هذه الكلاسيكية بقصيدة النثر، وفي كل الأحوال يستدرجنا هذا الرأي إلى القول إن بعض شعراء العمود والتفعيلة أكثر حداثة من بعض شعراء قصيدة النثر، ويأتي عارف الخاجة في مقدمة هؤلاء، فهو عمودي الشكل، لكنه في الوقت نفسه أفقي المضمون. أفقي الصور وأفقي الجماليات الشعرية الأصيلة، والمقصود ب «الأفقية» هنا معنى التعدّد، والتنوّع، والتجديد، والتجريب، قصيدته احتفال باللغة، واحتفال بالوزن واحتفال بالموسيقى الشعرية الأصيلة.

حضور ثقافي

كان عارف الخاجة شاعراً غزيراً أيضاً. غزيراً في الشعر، وغزيراً في الحضور الثقافي والشعري والأدبي عموماً في الإمارات وفي الخليج العربي، وحين تعرضت الكويت للغزو العسكري العراقي في العام 1990 كرّس يومياته لكتابة الشعر، كما لو أنه كان يوثق أدبياً بالشعر لذلك الغزو، فكان يكتب الشعر يومياً على مدى أيام الغزو والحصار بروح وطنية شجاعة، وفيما بعد جمع هذا الشعر الوطني - التوثيقي في مجموعة جاءت بعنوان: «ديوان من المعسكر» صدر في العام 1990 عن دار الخليج في الشارقة.

عند عارف الخاجة أيضاً طاقة إبداعية نادراً ما تتوفر عند الشعراء، فهو كاتب أوبريت شعري من طراز رفيع، وله 32 «أُوبريتاً» في مناسبات وطنية، ورياضية، ومهرجانية، وإلى جانب هذه الطاقة الاستثنائية في كتابة الأوبريت، وتحتاج هذه الكتابة إلى الصبر ثم الصبر، فهو كاتب أناشيد وأغنيات ماثلة في ذاكرة أهل الخليج العربي، وغنّى له العديد من ألمع مُغنّي العرب الكبار مثل محمد عبده، طلال مدّاح، أحمد الجميري، وغيرهم كثر من ملحّنين أيضاً وجدوا في شعر عارف الخاجة مرونة الكلمة وسلاسة اللحن، وقبل وبعد ذلك صدق العاطفة الإنسانية والعاطفة الشعرية.

شعرية

شعرية عارف الخاجة المستندة إلى ثقافة موسيقية شعرية وإيقاعية جعلت منه واحداً من أقرب الشعراء العرب إلى ثقافة الغناء، بل الأقرب إلى نجوم هذا الغناء الذي نعرف أصالته من خلال أصالة النصوص الشعرية التي يكتبها شعراء مبدعون فعلاً بحيث إن الشعر العربي الفصيح والنبطي (المُغَنَّى» في منطقة الخليج العربي أصبح ظاهرة فنية ثقافية تقوم على الشراكة الإبداعية المتبادلة بين الموسيقى والشعر أو بين الموسيقي والشاعر، أو بين الملحّن والشاعر، وسيكون عارف الخاجة اسماً علماً في هذه الثنائية الفنية الراقية التي يتماثل فيها الأدب مع الغناء.

الرواية

لم يدخل عارف الخاجة تجربة الكتابة الروائية مثلاً، مثلما فعل بعض شعراء جيله من شعراء خليجيين وعرب، لكنه كاتب عمود صحفي ثقافي على درجة عالية من الدقة والمهنية والرقي، وذلك لم يأت من فراغ، فعارف الخاجة من أبرز صحفيي الثقافة في الإمارات والخليج العربي، وفي التسعينات أدار الصفحة الثقافية اليومية في الزميلة (البيان)، وكانت تجربته الصحفية تلك من أنشط مراحل العمل الصحفي الثقافي اليومي في الإمارات حيث صنع صفحة يومية استطاعت استيعاب حوارات وسجالات متبادلة بين بعض الكتّاب الإماراتيين والعرب المقيمين من دون انفعالات أو مشاجرات أو شدّ وجذب مثلما يجري عادة في بعض أحيان المواجهات الأدبية بين الكتّاب العرب، وإن كان عارف الخاجة، وبشيء من الدهاء المهني إذا أردت القول يذكي نار الجدل حول قضية معيّنة، ويغذي بذلك صفحة يومية واحدة كانت قادرة على تحمّل أكثر من صيغة كتابية واحدة، لكن تجربة عارف الخاجة الصحفية اليومية لم تستمر طويلاً، وأياً كان تقييمها، فهي مؤشر على طاقة أخرى عند الخاجة.. الضوء الأكثر صفاءً في ثمانينات القرن العشرين.

صورة قلمية

كلمة لا بد منها في ختام هذه الصورة القلمية التي يستحقها عارف الخاجة وهي تتكثف في هذا التساؤل القطعي والمباشر.. أين عارف الخاجة؟

أين صاحب بيروت وجمرة العقبة، وأين الشاعر الوطني، والشاعر الإنساني وشاعر القلب، وشاعر الأوبريت، وشاعر النشيد، أين الصحفي الثقافي المشاكس، وأين كاتب العمود؟.. أكثر من (أين) واحدة تفرض نفسها على هذه الكتابة الاحتفائية بشاعر القصيدة المسبوكة مثل صفيحة الذهب، وهي أسئلة وتساؤلات في الوقت نفسه، ويأمل المراقب الثقافي بعد ذلك أن يفاجئنا عارف الخاجة على طريقة علي بن المسك التهامي الذي فاجأ قاتليه، وبعيداً عن هذه المقارنة والمقاربة، نرى جمرةً تتوهج من بعيد...

https://tinyurl.com/4tdp84w5

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"