الأقصر.. حارسة الآثار والقصيدة

23:40 مساء
قراءة دقيقتين

محمد عبدالله البريكي

وأنا أقرأ برنامج فعاليات الدورة السابعة من مهرجان الأقصر للشعر العربي الذي ينظمه بيت الشعر في الأقصر، ضمن مبادرة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، تعود بي الذاكرة إلى الدورة السابقة، حيث كنت مع المشاركين، نستمع إلى الشعر، فنرى في النهار آثار «الكرنك والأقصر» قصيدة ناطقة بعبق التاريخ الراسخ الذي تفد إليه الأرواح لتلمس في حجارته براعة لا مثيل لها، مثلما نلمس في المساء براعة ديوان العرب الراسخ في روح العربي، وهو يقيم احتفاله قريباً من النيل الذي لم يبخل على مصر بجريانه، مثلما لم تبخل اللغة العربية بمائها الذي يسيل في القصيدة.

في مهرجان الأقصر للشعر العربي، يتغير نمط الحياة عند الذائقة، فالجلوس بالقرب من الآثار لا يقتصر على النهار؛ بل تجلس الذائقة خاشعة في محراب التجلي، وهي تستمع لمواجد الشعراء وتلويناتهم البلاغية والتصويرية، والليل.. حارس الآثار والقصيدة، يحضر بهدوءٍ ليبث نسيمه في أرواح الحضور، فينتعشون تفاعلاً إيجابياً مع صور الشعراء المبتكرة، وخيالهم الخصب، وتحليقهم في فضاءات الدهشة.

في الدورة السابقة جلستُ مع أصوات شعرية شابة تجدّد دماء القصيدة، وتفيض بعطائها على هذه الأرض. فالشعر لدى هذا الجيل كثير، مثلما الماء في النيل وفير، وما يدهشني في هذه اللقاءات هو ما يجعلني أخرج بحصيلة من الدرر المكنونة التي أدّخرها لفعاليات شعرية تحتفي الشارقة بألقها وجمالها، فحضور هذه الفعاليات حضور إنساني إبداعي، تكبر فيه مساحة الصداقة والعلاقة الإنسانية بالتعرّف إلى الناس، وعقد علاقة مع طيبهم وتعاملهم الأخلاقي الإنساني، مثلما تتسع مساحة اكتشاف الإبداع، ولذلك كتبت عن المدن بمرايا الغمام؛ لأن من يراها من علو وهو يطير إلى إنسانها المبدع، ستتشظى في روحه الكلمات، وتتلون العبارات وتتجمع الورود بعطرها في ديوان القصيدة، وليست الأمسيات الشعرية المقررة في برنامج المهرجان، ولا الندوات الفكرية وحدها ما يشكّل في داخلي الصورة المكتملة.. إنها اللقاءات المستمرة التي أواصل فيها الجلوس مع المبدعين في لقاءات مسائية في أروقة سكن الضيوف، وفي المقاهي التي نشرب فيها شاي القصيدة، فنشعر بحرارتها التي تكاد تتفوق على معطف الشتاء فتُشعرنا بالدفء.

فهذه اللقاءات التي أبتعد فيها عن الفعاليات الرسمية إلى الفضاءات المفتوحة، هي ما يرسّخ العلاقة الإنسانية والإبداعية، وهي الرصيد الحقيقي الذي لا يقدّره إلا المخلص المؤمن بمشروعه الإبداعي، والشارقة تتيح لنا هذه الفرص العظيمة؛ لأن مشروعها الثقافي الذي يرعاه صاحب السمو، حاكم الشارقة، ويتابع تفاصيله وتفاصيل حضوره هو ما يجعلنا نؤمن به إيماناً راسخاً، نبذل في سبيله ما نستطيع من جهد.

فتحية لكل مَن هناك في هذا المهرجان الذي يمثّل في اللحظة الراهنة عبق الشعر وجمالياته المفعمة بحرارة اللقاء.
[email protected]

https://tinyurl.com/crsptkwz

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"