هل أنت من أساتذة اللغة، الذين يتصوّرون أن الطالب سيمتلك مقاليد لغتنا الجميلة، بمجرّد الإحاطة بمسائل من قبيل: نائب الفاعل له سبعة وجوه مختلفة، وأن «ما» تلعب اثني عشر دوراً، وأن «لو» لها أربعة عشر استعمالاً؟
الإلمام الموسوعي مرام عظيم، لكن قضايا الإحساس بجمال العربية عالم مختلف تماماً، مثلما الفارق لا حدود له بين فروسية أبي الطيب، في ساحات الإبداع بالكلمة، وتبحّر أبي الفتح بن جنّي في علوم العربية، وهو صديق المتنبي، الذي كان يقول: «اسألوا ابن جني عن شعري، فإنه أعلم به مني».
يقيناً، لا يرقى أيّ أديب عربي في تاريخ أدبنا إلى ذُرى علم أبي العلاء بأسرار اللغة، ولكن إبداع رائعتي الخيال المجنّح: «رسالة الغفران» و«رسالة الصاهل والشاحج»، ليس مردّه إلى بحر علوم اللغة، الذي في أحشائه الدرّ كامن، وإنما إلى وادي عبقر اختراعاته الأسلوبية، وإبداعات خياله، التي لا تأفل نجوم مفاجآتها.
نصيحة لوجه عشق العربية: ليس عيباً أن ينضب نهر الخيال التربوي، ولكن أمانة تدريس الأجيال تفرض على أهل الإحساس بالمسؤولية هدم أوهام المستحيل. هل تظنون أن مهمّتكم أعسر من سعي علماء الفيزياء إلى البحث عن نظرية فيزياء جديدة، عندما أيقنوا أن النظريات الحالية وصلت إلى طريق مسدود؟ الإعلاميون لا يدّعون منافسة علماء اللغة والتربويّين، لكن، صارحوا الشعوب بأنكم حاولتم، واعرضوا على الناس جهودكم.
قياساً: عليكم بالاقتداء بالمعاهد الموسيقية، فلكي يكتسب الطالب مهارات العزف على البيانو، يقضي خمس سنوات في التدرج عبر مراحل تبدأ من الدروس التمهيدية للمبتدئين، كوضعية الجلوس، ترقيم الأصابع، تعلم المفاتيح، السولفيج، وانتهاء بتسلّق الجبال إلى قمم موتزارت، شوبان، فرانز لِيسْت، رحمانينوف...
من الابتدائية إلى الثانويّة العامّة يمرّ الدارس بمئات النصوص: اكتُب على طريقة المنفلوطي، نعيمة، المازني، طه حسين، أحمد أمين، مارون عبود، جبران، وتتدرج الأساليب: ابن المقفع، عبد الحميد الكاتب، الجاحظ، ابن العميد، بديع الزمان، الحريري (لمَ لا؟)، التوحيدي، لسان الدين بن الخطيب، الرافعي... حدائق، فيها الورد والياسمين والشقائق. إذا تمرّن الدارس كتابياً، من الابتدائية إلى نهاية الجامعة، على خمسين أو ستين أسلوباً، فإنه يكون قد عاش الإبداع، بالحسّ واللمس والنّفَس. قيل للشاعر: «لا تتحدّث عن المطر، أمْطِر». جرّبوا فلن تخرّبوا.
لزوم ما يلزم: النتيجة الحرمانية: حرام أن تتكلّس مواهب العرب بشرح النصوص وقشور الإعراب، قرابة عقدين. فرص الإبداع متى غدُها؟