في عالمنا العربيّ لا تعني بساطة المسائل، القدرة على حلها . أحياناً تكون المسألة سهلة وحلّها بسيطاً، ولكن المشكلة هي: كيف يتفق العرب على ضرورة الحل، وعلى حل واحد للجميع؟ مسألة شكسبيرية .
أعرض هنا نموذجين يلازماننا يوميّاً على مرّ السنين، والناس عن الحلّ معرضون، رغم أهميّة الكتابة والقراءة السليمتين للحروف والأرقام، ويقع التقصير بلا شك على المرجعيّة اللغويّة في هذه الأمة، والأسوأ من المشكلة هو الاستهانة بعدم الحل .
في مخارج أصواتنا العربية وحروف أبجديتنا، كل ما نحتاج إليه في القراءة والكتابة في نطاق الضاد، ولكننا نجد معضلة في نطق الأسماء الأجنبية ورسمها . وهذه تشمل أعلام الناس والبلدان والأدوية والمأكولات وغيرها . وعندما يكون الاسم غير مألوف لدينا نقع في الخلط، إلى أن يصبح الاسم مألوفاً ونعرف الحقيقة، في حين أن الصحافة الفرنسية مثلاً، تستعير من اللغة الألمانية بعض المصوّتات التي تساعد القارئ على نطق الأسماء الجرمانية على نحو سليم .
في العالم العربيّ نرى اجتهادات إبداعية عجيبة مشرقاً ومغرباً، فحرف G يرسم غيناً وجيماً، وفي تونس قافاً بثلاث نقاط، وفي المغرب كافاً فوقها ثلاث نقاط . كيف يعجز العرب بعلمائهم ومجامعهم اللغوية عن حل لهذه المسألة التي لو كانت سياسية لأوكلنا أمرها إلى يوم الدين؟
مسألة الحروف هذه لا تحتاج إلى غير مجمع لغويّ يتفق فيه علماء اللغة العرب على الحل الجيد، ويُعمّم على وسائل الإعلام ودور النشر ووزارات التعليم وغيرها، ولكن كيف؟
للأعداد قصّة مختلفة، فالمسألة هنا لها علاقة بالمنطق، فنحن الأمة الوحيدة التي لا تحترم الترتيب السليم في قراءة الأرقام والنطق بها . شعوب العالم، ومنها قدماؤنا، لا نحن، تختار أحد أمرين: إما الانتقال من الكبير إلى المتوسط إلى الصغير، وإما العكس . فإما مئة وثلاثون وثمانية، وإما ثمانية وثلاثون ومئة . نحن ننتقل من المئات إلى الآحاد ثم العشرات، فعلى عاتق من تقع مسؤولية هذا الانحراف في المنطق؟
حل هاتين المسألتين لا يكلّف الكثير، ولا يقاس على ما تكبّده الأتراك عندما انتقلوا من الحروف العربية إلى اللاتينية، إذ كلّفهم ذلك إعادة طباعة مكتبة بطمّ طميمها، ولم يكونوا في حاجة إلى الانتقال لولا عنجهية أتاترك . أما نحن ففي حاجة ماسة إلى لمسات بسيطة، ولكنها ذات أهمية، لعل علماءنا تعتريهم صحوة طارئة .