البراميل

02:12 صباحا
قراءة دقيقتين
ليس تأديباً ولا عقاباً ولا انتصاراً نبيلاً ما فعله الطيار الأمريكي الذي ضرب ناغازاكي وهيروشيما بالبراميل النووية في الحرب العالمية الثانية، ثم هل يمكن لعاقل أن تدخل دماغه فكرة تأديب المدن؟ وما الذي تقترفه مدينة لكي يتم تأديبها ببراميل نووية؟ والمدن ليست حيوانات مفترسة مطلوب ترويضها إلى أن تصبح ركاماً فوق ركام .
لا هو شجاع ولا هو بطل من أسقط براميل الديناميت على "الجرنيكا" . بيكاسو أكثر شجاعة وأكثر بطولة منه واسمه بقي في التاريخ مجرد أنه رسم لوحة تصور بشاعة حرب القوي فيها من يستخدم الطيران في السماء، أما على وجه الأرض فالأكثر قوة هو من يحفر قبره في التراب بالدموع . . نقطة وراء نقطة تحفر قبراً، أما المحارب القوي في السماء فلا مكان له لا في السماء، ولا في الأرض .
هل نكتب قصيدة نحن الآن، أم نتكلم عن المدن التي تتساقط عليها أمطار البراميل في الحروب القديمة، حروب المنتصرين بلا نبل ولا فروسية حتى إن كانوا يحاربون أعداءهم، ومن حق الإنسان أن يحارب عدوه .
تمدد جيش هتلر تحت الصقيع إلى أن وصل مشارف موسكو، وفي اللحظة التي رأى فيها أحد القادة العسكريين، بمرارة، الهزيمة كان يتطلع إلى سقف غرفته، فلم ير برميلاً واحداً لا في المخيلة العسكرية، ولا على أرض الحرب . ما كان منه إلا أن تذكر "دوستويفسكي"، وطلب من الدعاية آنذاك التي هي اليوم الإعلام، أن يدافع الروس فقط عن قبر الرجل الذي كتب روايات تبشر بالحرية، وفعلاً لم يصل الألمان إلى قبر "دوستويفسكي" .
أسوأ ما في الحروب أن ترمي المدنيين بالنار وأنت محكوم إلى القوة، والقوة لها معنى لا أخلاقي مستتر وهو الانتصار بأي أسلوب وبأية أداة . جرى ذلك في حروب أوروبا وروسيا وانجلترا وأمريكا . جرى ذلك في الطرف الغربي والشمالي من الأرض، فيما كانت الحكمة تتجمّل وتتطهر في أقصى الشرق، وكان شعر "الهايكو" ينمو على أطراف الشبابيك في اليابان، وكانت الفلسفة الإنسانية الفقيرة تتغذى على الملح في حقول "غاندي" .
تلاميذ "كونفوشيوس"، وأتباع "إيسوب"، وتلاميذ "المهاتما" ورؤوس أزهار اللوتس لا تعرف البراميل إلا إذا كانت مملوءة بالماء . . للإنسان المسكين الذي يجففه الظمأ .

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"