مفارقات البكاء على الأطلال

05:19 صباحا
قراءة دقيقتين
عبداللطيف الزبيدي

من الحكمة عدم البكاء على الأطلال العربيّة الحديثة، لأن الأمر مخجل، وبنو جلدتنا لا يشعرون . فالذين أسسوا في الجاهلية هذه الطقوس الشعرية، وجعلوها دستوراً لشعراء القرون التالية، كانوا يرسمون بها خلفيّة للإبداع الشعريّ، صارت أشهر نهج، وأبرز واجهة ومدرسة في كل تاريخ الشعر العربيّ بلا منازع، حتى القرن العشرين . وأمام القارئ قرن من التفكير بحثاً عن ظاهرة في أشعار العرب تكون نظيراً أو منافساً . لا مجال حتماً فالوقوف على الأطلال هو الأبرز شكلاً ومضموناً .
لماذا الشأن يستدعي الحياء؟ لأن شعراء الجاهلية كانوا يفعلون ذلك لأسباب وغايات فنيّة رومانسية عاطفية وجدانيّة . جمال وجلال وبهاء وسناء أن ينهض فينيق الحب من الرماد بين الأثافيّ، ويرفرف جناحاه يستقبلان الإلهام بالغزل والنسيب والتشبيب . أمّا الواقفون على الأطلال اليوم، فيبكون بمرارات قاسية لا إبداع فيها ولا منها ولا لها ولا بها ولا عليها . هذه أطلال الحلم والطموح والإرادة . أطلال صروح تنموية حضارية لم يشدها العرب، فكيف أحاق بها الدمار في زلازل الهوية؟
شاعر الجاهلية كانت تدفئ العبرة وجهه، تتحدّر منسابة كأنها خطى الحبيبة: "مرُّ السحابة لا ريثٌ ولا عَجَلُ" . اليوم ليبيا وحدها مليون وسبعمئة ألف كيلومتر مربّع، فأين سيقف الشاعر، وأين سيقول لخليليه: قفا؟ وأهل "مِن الوريد إلى الوريد" لا ينتظرون إلاّ وقفة كهذه، للحكم عليه بجريمة الوثنيّة وعبادة الرماد والأوتاد والأثافيّ وبعر الشويهة والبعير .
الحمد لله، في ديار العرب لا وجود للحلول والتناسخ، وإلاّ لو زارنا أهل الجاهلية ووقفوا على أطلال واقعنا لجُنّ جنونهم . الطبيعة نزّهتنا عن الحلول، فنحن أصحاب مشكلات ومعضلات . وأمّا التناسخ، فهو أننا ننسخ كل القيم العربية الموروثة . بأنفسنا نجبّ ميراثنا الثقافيّ . والطبيعة أنقذتنا من التناسخ، ولكون الضاد تهوى اللعب أعطتنا التماسخ . أقوام تتبادل المسخ والتشويه . لو أطلّ العرب القدامى علينا من العلياء لوقعوا من الذهول قائلين: فسد أهل ذلك الزمان، نحن تخرّ الجبابر ساجدين لرضيعنا، وهؤلاء نصف بلدانهم طار ولا يعرفون الذود عن الحياض .
لزوم ما يلزم: الكارثة هي أن يطلّ القدامى ويعلموا أن تقسيم العراق يقرّره الكنغرس الأمريكي .

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"