أحمد حلمي سيف النصر
القرآن العظيم بأسلوبه البلاغي، وسهولة ألفاظه وعذوبة حروفه، وسمو معانيه، وروعة لغته أثّر في عقول الناس وأفكارهم، وانعكست صورته اللفظية والبلاغية على البلغاء في الشعر والنثر والخطابة، وقد برز ذلك في التغني بحب الرسول، صلى الله عليه وسلم، وما جبل عليه من أخلاقيات عظيمة وإنسانية رحيمة ودعوة حكيمة عادلة.
ومن هذه الصور البلاغية القصيدة العصماء التي أتى بها كعب بن زهير بن أبي سلمى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مسلماً وتائباً عمّا كان منه من هجاء للمسلمين، وقد عرفت تلك القصيدة في تاريخ الأدب العربي ب«البردة» لأن الرسول، عليه الصلاة والسلام، عندما سمعها استحسنها وخلع على كعب بردته لتكون وساماً له على قصيدته التي أصبحت مَعلماً في عيون الشعر العربي القديم والحديث.
يقول مطلع القصيدة:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ مُتيَّمٌ إثرها لم يفد مكبولُ
وما سعاد غداةَ البين إذ رحلوا إلا أغن غضيض الطرف مكحول
نُبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول
إن الرسول لنور يُستضاء به مهند من سيوف الله مسلول
وتنفرد «بانت سعاد» بين فرائد الشعر العربي بما أحدثته من تأثير على مر العصور. وظهر هذا التأثير في حرص عشرات الشعراء، إما على معارضة القصيدة أو الاستفادة من صورها أو ألفاظها حتى تكونت مكتبة شعرية وافرة وثرية بتأثير قصيدة كعب. ومن أشهر قصائد المدائح النبوية التي عارضت «بانت سعاد» «لامية» البوصيري التي يقول مطلعها:
إلى متى أنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
والبوصيري هو الإمام شرف الدين محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي البوصيري، الذي أطلق عليه اسم البوصيري نسبة لمولده في بوصير، وهي من قرى بني سويف بصعيد مصر، وكان مولده في شهر شوال عام 608 هجرية الموافق 1213ميلادية.
اشتهر البوصيري بمدائحه النبوية التي ذاعت شهرتها، وتميزت بروحها العذبة وعاطفتها الصادقة، وروعة معانيها، وجمال تصويرها، ودقة ألفاظها، وحسن سبكها، وبراعة نظمها.
وتعد قصيدته الشهيرة «الكواكب الدرية في مدح خير البرية» والمعروفة باسم «البردة» من عيون الشعر العربي، ومن أروع قصائد المدائح النبوية، ودرة ديوان شعر المديح في الإسلام، الذي جادت به قرائح الشعراء على مر العصور. وأجمع النقاد والشعراء على أنها أفضل المدائح النبوية بعد قصيدة كعب بن زهير الشهيرة «بانت سعاد» ومطلعها من أبرع مطالع القصائد العربية، يقول فيها:
أَمِنْ تذكّر جيرانٍ بذي سلم مزجتَ دمعاً جرى من مقلة بدمْ؟
أم هبت الريحُ من تلقاء كاظمةٍ وأومضَ البرقُ في الظلماء من إِضَمْ؟
فما لعينيك إن قلت اكففا همتا؟ وما لقلبك إن قلت استفق يهمْ؟
وهي قصيدة طويلة تقع في 160 بيتاً، يقول في نهايتها:
يا نفسُ لا تقنطي من زلةٍ عظُمتْ إن الكبائرَ في الغفرانِ كاللمَم
مولاي صلي وسلم دائماً أبداً على حبيبك خير الخلق كلهم
وهذا البيت الأخير يقرأ عند ابتداء وانتهاء كل فصل من فصول هذه القصيدة التي ظلت تلك القصيدة مصدر إلهام للشعراء على مر العصور، يحذون حذوها وينسجون على منوالها، وينهجون نهجها، ومن أبرز معارضات الشعراء عليها قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي «نهج البردة»، التي تقع في 190 بيتاً، ومطلعها:
ريم على القاع بين البانِ والعلمِ أحلَ سفكَ دمي في الأشهر الحرمِ
وعرف أهل مصر، خاصة أهل الإسكندرية التي استقر فيها حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى سنة 697 هجرية عن عمر يناهز التسعين عاماً، قدر البوصيري ناسكاً عابداً مادحاً النبي.