لا تَعُدْ إلى الأندلس

رفيف
01:31 صباحا
قراءة دقيقتين

لا تعد كثيراً إلى تلك الصور الأولى التي سكنت في ذاكرتك إلى الأبد . تلك الصور التي هي صور الطفولة، وكنت تراها وحدك، بل، وترسمها وحدك وأنت مازلت في مبتدأ الحياة، ولم تعرف آنذاك، لا المبتدأ ولا الخبر .

لا تعد إلى ذلك المقطع السينمائي الحزين من حياتك، فالحزن، وبعد كل هذه التراجيديات التي جرت وتجري في العالم لم يعد يقيم في القلب والعينين، بل، إنه أشبه بسائح عالمي يتجول بين القبور، ولا يذرف دمعة واحدة . . هذا الحزن الذي اختفى فجأة من الحياة، ومن قلوب البشر . الحزن المهاجر إلى اللامكان . . إلى التيه والغموض والغياب .

لا تعد إلى الدموع . . فإنها لا تدل إلى طريق .

لا تعد إلى الألم . . فإنه لا يأخذك إلى المسرة .

فقط، كن أنت، ولكن لكي تكون أنتَ أنتْ عليك ألا تنسى .

النسيان يأكل الإنسان من داخله، كما تأكل سوسة الخشب تلك الألياف التي منحتها الشجرة للجذع والساق والفروع، ومنها اخترع النجار المتشائم التابوت، واخترع الديكتاتور المريض الهراوة، واخترع الحطّاب اللص النار، لكن الموسيقي المتفائل اخترع عود الموسيقا، والشاعر اخترع الموقد ليكتب القصائد وحيداً لكيلا يرتجف من البرد، والناثر اخترع الورق لكي يسرد روايته بلا دموع تتساقط على ورق الكتابة .

لا تعد إلى الأندلس، فخلفك ومن أمامك أندلسيون جدد . ولا تعرف أنت الآن أي طريق يأخذك إلى غرناطة أو ايثاكه . فقط لا تذرف الدموع . لا تعد إلى البحر، وقد وجدت نفسك على الشاطئ . لا تسقط في البئر وقد عرفت إخوتك واحداً تلو الآخر . لا تعد إلى بطن الحوت . لا تدحرج الصخرة أبداً من أعلى إلى أسفل، ومن أسفل إلى أعلى . لا تكن أبداً سيزيف التعب والبطولة .

لا تعد إلى عشتار .

لا تعد إلى امرأة خاطت فمك بإبرة من النحاس وقالت لك: تكلم . لا تعد إلى الحنين فإنه بئر بلا قاع، وأنت خرجت من البئر لا لتعود إليها، فما من مسافرين قد يعثرون عليك، ويأخذونك إلى عزيز مصر .

فقط . ابق في منزل الكتابة .

بالكتابة فقط تعالج ما أصاب روحك من العناء، وبها، هذه النعمة الربانية تصل إلى أندلسك الموشّحة بأقواس قزح .

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"