بعض الناشرين، وربما البعض من المؤلفين أيضاً، يستدرجك بشيء من الخدعة، لكنه الخداع البريء، إلى شراء الكتاب حين يضع على الغلاف تصنيفات نشرية جاهزة، مثلاً: تاريخ، أساطير، أنثروبولوجيا، وإذ بالكتاب يخلو تماماً من أي مادة تاريخية أو أنثروبولوجية أو أسطورية، ومع ذلك، فما من كتاب سواء أكان جيداً أم كان رديئاً إلاّ وفيه شيء من فائدة، حتى لو كانت فائدة مبنية على الخدعة.
قرأت كتاب «عوالم النبات عند البدو» لجيمس ماندفيل الذي أمضى معظم حياته في السعودية موظفاً في شركة الزيت العربية الأمريكية، وإلى جانب عمله، أجرى عبر سنوات مسحاً ميدانياً لخريطة نباتات المنطقة الشرقية في السعودية بشكل خاص، وتحديداً النباتات الرعوية واستخداماتها في صحراء شبه الجزيرة العربية، كما جاء في عنوان فرعي للكتاب، غير أن هذا البحث الميداني النباتي الرعوي لا شأن له من قريب أو بعيد بالبحث الأنثروبولوجي العلمي والمتخصص القائم على مادة فكرية، فلسفية، ومع ذلك، فهناك ما يتصل بنسق الحياة والإنسان في هذا الفضاء الرعوي - الفطري.
أولاً: يقع الباحث في خطأ جغرافي وتاريخي في الوقت نفسه حين يذكر في أكثر من خمسة مواضع في الكتاب وصف «الخليج الفارسي»، وفي هذا خطأ ساطع، ويعرف ماندفيل وكل من عاش في منطقة شبه الجزيرة العربية أن الصحيح هو «الخليج العربي»، وليس «الخليج الفارسي».
في الكتاب ثمة ما يُقرأ، وَيُبنى عليه في الأدب سواء البناء الروائي أو الشعري بشكل خاص، من ذلك مثلاً أن بعض النباتات يسكنها الجن، وهي معلومة تراوح بين الحقيقة والخيال، وفي جميع الأوجه هو مُعتقد شعبي سائد بين البدو في تلك المنطقة.
في الكتاب قصص بدوية ذات صلة بالنبات، مثل نبات الجعدة ذي الرائحة الحلوة، وقد التصقت رائحة الجعدة في دروع أو سيوف بعض رجال البدو الهاربين من أحد الكمائن، لكن الرائحة التي كانت تفوح من دروعهم، دلّت عليهم.
أحد مرشدي جيمس ماندفيل أخبره أنه قبل أن يصبح الكبريت شائعاً، كان عرب الصحراء يشعلون النار من خلال تدوير عصا بين راحتي اليد في ثقب صغير في قطعة من خشب نبات «العَبَل».
يتلقى الباحث معلوماته من مرشدين من البدو رافقوه في رحلة بحثه الميداني في نباتات شبه الجزيرة العربية، ومنها أن الإبل ترعى عادة من شجيرات الحمض، فإذا غُلي ماؤها مع نوع من الفطر مع حجر الشبّة، ينتج عن ذلك الصبغة القرمزية الفاقعة التي تستخدمها النساء البدويات لصباغة الصوف.
الكثير من قصص ومعتقدات ومخيلات بدو الصحراء، أي بدو صحراء، قابلة للتحوير إلى أدب وشعر ورسم وتأمل في المكان الرملي العبقري الذي رغم عزلته تولد منه كل هذه الجماليات والمعتقدات.
[email protected]