بين الشاعر والثائر خيط رفيع.. في داخل الشاعر ثائر من نوع خاص. الأرجح أنه ثائر هادئ بلا شعارات تريد أن تقلب العالم رأساً على عقب، وفي داخل الثائر شاعر من نوع خاص أيضاً.. شاعر يحب الدرّاجات النارية.
قطع «إرنستو تشي غيفارا» مسافة 4500 كيلومتر على درّاجة نارية جاب فيها الأرجنتين، وعاش لحظات مع أناس في دواخلهم أرواح الشعراء مثل الهنود الحمر، وفي العام 1967 أسرته القوات البوليفية وأعدمته وهو في التاسعة والثلاثين من عمره وأخفت رفاته، لكن في العام 1997 تم تحديد مكان قبره في بوليفيا ليعود رفاتاً إلى كوبا، وله اليوم نصب تذكاري في مدينة «سانتا كلارا».. هذا شيء من سيرة الثائر.
اندلعت الحرب الأهلية في إسبانيا في العام 1936، وألقي القبض على الشاعر «فريدريكو غارثيا لوركا»، وأعدمه بالرصاص من كانوا يسمون «الثوار القوميون» وهو في الثامنة والثلاثين من عمره، ولم يعرف مكان قبره وتقول سيرته إن دمه سال على تلال غرناطة، ذهب إلى أمريكا لكنه لم يحبها، وتجوالاته كانت بين غرناطة ومدريد.
لم يتجول «لوركا» على درّاجة، و«غيفارا» لم يكتب الشعر، ولكن انظر إلى العمر ورمزيته.. أعدم «غيفارا» وهو في التاسعة والثلاثين، وأعدم «لوركا» وهو في الثامنة والثلاثين. وإذا كان من متشابهات أخرى بين الاثنين فهي في الوسامة.. الاثنان أقرب إلى التشابه في روحية الوجه والقوة الجمالية في العينين، لكن أين التشابه الأعمق من هذا بين الشاعر والثائر؟؟
ملأ غيفارا العالم بصورته الثقافية السياسية الهادئة. لم يُذكر عن صاحب الدرّاجة إن كان له شركة أو عقار أو رصيد في بنك يُشبع «نصف رام الله» على سبيل المثال كمدينة في هذا العالم، أو صنعاء أو ما يُذكر على بالك من مدن وقرى شبيهة بتلك الأرياف النائمة تحت الغيوم في أمريكا اللاتينية وامتدادات الأمازون. الرجل كان قبعة في صورته المتداولة، وسيجار كوبي، وأنف مرتفع.
زمن سياسي رومانسي تماماً واقعي تماماً.. وانتهى، كما انتهى زمن لوركا الأندلسي العاشق الكبير لأغاني وألوان ثياب وعربات الغجر. مزج بين المسرح والشعر والعزف، وهو نفسه شاعر غجري مع الاحتفاظ بعدم التشرّد.
سياسياً.. انتهى نموذج غيفارا.. والثوريون أو بعض الثوريين (الفدائيين) تحوّلوا إلى تجار وباعة كلام وشعارات.
ثقافياً.. انتهى أيضاً نموذج لوركا، وَمَنْ كانوا يُسمون شعراء الطليعة والحرية والإنسانية سقطوا مع أول هزة غربال طائفية مذهبية. البعض التحق بظل الطاغية، والبعض ما زال يعلك لبان الأيديولوجيات الحمراء ويكذب على نفسه، ويكذب على الشعر.
عاش غيفارا ولوركا القليل من العمر، لكنهما تركا الكثير من الأعمار.. أعمار الشعر، وأعمار الحقيقة.
في الكثير من نماذج اليوم التي تدّعي «الثورجية» الفاشلة، والشعر الفاشل.. على أي تراث تُشير، وأية ذاكرة تحمل..
لا شيء.. لا شيء.
يوسف أبو لوز