يحتفظ الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بمكانة رفيعة المستوى، فهو مؤتمن على تطبيق القانون الدولي، ويحاول أن يكون الناطق باسم الضمير الإنساني عندما يخرس كثيرون، بل يمثل فصيلة من السياسيين توشك على الانقراض لتترك المجال لفصائل جديدة تتعمد إفساد النظام الدولي وضرب قواعده وإسقاط منظومة أخلاقه وقيمه.
التزاماً منه برسالته على رأس المنظمة الدولية، أطلق غوتيريش صيحة فزع جديدة، في كلمة وداعية لمجلس حقوق الإنسان بجنيف، عندما حذر من انتشار «شريعة القوّة» التي باتت تتغلب على قوة القانون، بفعل تجاوز أصحاب النفوذ القانون الدولي واستخدام الذكاء الاصطناعي وتقنيات أخرى لمهاجمة حقوق الإنسان.
وبحكم منصبه، لا يستطيع البوح بأكثر من ذلك، ولا يحتاج حتى إلى تسمية أي طرف لأن المدانين بهذه السلوكيات الشائنة يظهر فسادهم في كل مكان، ويتعمدون قمع كل صوت يتجاسر على قول الحقيقة. الشاهد على ما تتعرض له حقوق الإنسان من تجاوزات وانتهاكات، حال المقررة الخاصة للأمم المتحدة بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيز، فهذه السيدة تكالبت عليها حملات سياسية وإعلامية شرسة من أبناء جلدتها الغربيين وقارتها أوروبا، لأنها لم تهادن في فضح ما يتعرض له الفلسطينيون، ولا سيما في قطاع غزة، من جرائم ضد الإنسانية ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية ودعواتها المتكررة إلى مقاطعة إسرائيل وملاحقة كل مجرمي الحرب لديها.
وفي محاولات فجة لإسكات السيدة ألبانيز ودفعها إلى الاستقالة وجهت إليها اتهامات «معاداة السامية»، وهي ذريعة جاهزة ومبتذلة يتم استخدامها بحماسة ضد أي صوت يجرؤ على انتقاد السرديات الإسرائيلية وانتهاكاتها الخطرة لحقوق الإنسان. وما حدث ويحدث في غزة والضفة الغربية من قتل جماعي وتدمير ممنهج واستيلاء على الأراضي واستيطان محموم يدين المجتمع الدولي على صمته وتخاذله في اتخاذ ما يلزم من إجراءات مناسبة لردع قوة الاحتلال الغاشمة. والفاجعة الأخلاقية تتمثل في أن الجريمة لم تعد جريمة في حد ذاتها، بل تعتمد على «من الفاعل؟» و«من الضحية؟»، وعلى هذا الأساس يمكن تصنيفها إما جريمة أو عملاً مشروعاً قد يستوجب التبرير والإشادة والمكافأة أيضاً.
البكاء على أطلال حقوق الإنسان التي درست بفعل الانفلات الواسع للقوة غير المنضبطة ومنطق شريعة الغاب، لم يعد يجدي في إحداث تغيير في هذا الواقع، بالنظر إلى أن الفجوة بين الشعارات النظرية والممارسات العملية قد اتسعت حتى انعدمت الثقة. وبدلاً من أن تكون مبادئ العدالة الدولية والقيم الإنسانية الراسخة خيمة للمستضعفين ودرعاً لهم في أوقات الشدائد، أصبحت أدوات للهيمنة بأيدي القوى المتطرفة. وبهذا المنطق تصبح الغاية من قتل عشرات الآلاف من الأبرياء ومنح الحصانة تحقيق السلام، وتكون استباحة سيادة الدول والتطاول على الحقوق التاريخية للشعوب، تثبيتاً لدعائم الأمن، والاستخفاف بالمنظمات الدولية إعادة بناء لمعايير العلاقات الدولية.
وبالإجمال، هناك توجه إلى التطبيع مع الانقلاب على المنظومة القانونية الإنسانية والمعاهدات الناظمة للعلاقات بين الدول، ليصبح البقاء فيها للأقوى وليس لمن يتحلى بالضمير الإنساني وينتصر لقيم العدالة والتعايش وحب الخير للجميع.
تراجع الاهتمام بحقوق الإنسان واضطهاد من ينادي بها يعكس «ردة عالمية» عن كل المكتسبات التي تحققت بعد الحرب العالمية الثانية. وفي ضوء ذلك يبدو أن العالم بصدد وداع تلك الأدبيات لينتقل إلى مرحلة سوداوية تقوم على استهداف القانون الدولي وتصفية مؤسساته وشيطنة الحقيقة مهما كانت واضحة وصريحة.