سقط لبنان المجرور عنوة إلى ساحة الحرب، من حسابات أطرافها عند التفاوض على الهدنة وبعد إقراراها، وليس ذلك بجديد.
تطلّب الأمر كثيراً من الوقت لحسم إن كان لبنان جزءاً من اتفاق الهدنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من أخرى، وغرق البلد المنكوب في كل وقت بمعظم ساساته، في جدل لم ينته حتى الآن، خاصة أن الاستهداف الإسرائيلي له متواصل، بينما توقفت المواجهة مع إيران مؤقتاً وبدأت مرحلة التفاوض في إسلام آباد.
الاختلاف حول ما إذا كان اتفاق التهدئة يشمل لبنان من عدمه إحدى صور الأسى والسخرية التي تلازم واقعه على الدوام، إذ غرق في تضارب الأقوال حول اختلاف لغات بنود الهدنة، لكنه، في المحصلة، لم يسلم ووجد نفسه أمام توحش التوغل الإسرائيلي، لا في جنوب لبنان، حيث الميدان الرئيسي لمعظم المواجهات، إنما توسع الأمر حتى بلغ قلب بيروت وأوقع من اللبنانيين، بغير تمييز، ما أوقع من قتلى ومصابين، وراكم خسائر البنية التحتية والواقع الاقتصادي القاسي.
لبنان، مرة أخرى، ضحية أكثر من طرف، أولهم دولة غائبة عجزت عن فرض كلمتها أمام «حزب الله» واستمرار وكالته لإيران وحمل سلاحها، حتى في وجه اللبنانيين الذين يجبرون في كل مواجهة على اقتسام ويلات هذا الارتباط، لكنهم يحرمون من أي نصر مدّعى.
أما إيران، فلم تقف كثيراً عند ضياع لبنان في ترجمة اتفاق الهدنة، واستراحت لجعله بنداً في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة في باكستان، بينما مجزرته الجديدة تبلغ مدى قاسياً وتصل إلى نقاط جغرافية لم تصلها من قبل في السنوات الأخيرة.
وكانت إسرائيل أول من روّج خروج لبنان من دائرة الهدنة، وأصرّ مكتب رئيس وزرائها، بنيامين نتنياهو، صباح اليوم التالي للاتفاق على أن يفرض واقع استباحة الساحة اللبنانية التي تجاوزت هنا جغرافية مواجهته التقليدية مع «حزب الله» في الجنوب وشقّت طرقها إلى ما بعد، بإنذار مسبق وبغيره.
تساوى الطرفان الإيراني والإسرائيلي في اعتبار لبنان بنداً في المفاوضات، بغض النظر عن الخسائر الشاملة، فالمهم تطويعه على مائدة المحادثات، ليخدم رغبة كل طرف.
ستقبل إيران، في أي اتفاق نهائي، فصل ساحة لبنان عن وكالاتها السياسية والعسكرية بعد أن استثمرتها فيما يدمر، وستتركه يواجه وحده جراحه القديمة والجديدة التي أحدثتها إسرائيل بعد أن استبقت مفاوضات إسلام آباد بفرض واقع جديد في الجبهة اللبنانية شارك فيه الطرف الأمريكي بجزء من الجدل حول بنود الهدنة.
ضغط نتنياهو ليبقى لبنان وحيداً، وتغاضى الطرف الأمريكي إرضاء للحليف الشريك في مواجهة إيران، بل إنه أكد أن لبنان ليس جزءاً من الهدنة. وعندما تحسّب الطرف الأمريكي لخطورة ذلك على المفاوضات المرتقبة مع إيران، طلب تخفيف العمليات الإسرائيلية في لبنان ليبقى في مأساته الطويلة محل إجماع، بينما يختلف حوله المتحاربون في أوقات الاستراحة.