سؤال: ما الذي يجعل الثقافة في العالم العربي غير قادرة على لعب دور فعال في الحياة العامة، وفي زمن الأزمات تحديداً؟ الأفضل تفكيك المسائل لتتضح القضايا. نقطة التسليم، الفصل ولو مبدئياً، بين الثقافة العربية والمثقفين العرب. إلصاق المشكلة بالثقافة العربية سيضرم نار الجدل حتى مطلع الفجر.
اتفقنا على حصر المعضلة في الثقافة. أهل هذه المدارات سمعوا بالاستراتيجية الثقافية في بعض المؤسسات، التي ترسم لها خططاً تريد بلوغها في خمسيّة أو عشريّة، ومستبعد أن يروا لهم آفاقاً أبعد، فالشائع في التنميات المتعثرة أن كل وزير جديد يجبُّ ما قبله، فلا تتراكم التجارب عند قوم حقائبهم في نظرهم متعة أيام وتزول. لكنهم لم يروا عياناً في أوساط الآداب والفنون والعلوم الإنسانيّة، شيئاً اسمه الثقافة الاستراتيجية.
ما الذي يحدث عند غياب الثقافة الاستراتيجية؟ السؤال لا بأس به، لكن الأجدر بالطرح: ما الذي حدث منذ نام العرب عن الثقافة كقاعدة استراتيجية؟ ببساطة: الجواب يحتاج إلى مجلدات مكتبة. تأمل أوضاع العالم العربي، منذ مطلع القرن العشرين، لم يسبق للمثقفين العرب أن قادوا تيارات للنهضة العلمية وتطوير التربية والتعليم، بإيجاز، كل ما في التنميات العربية المتعثرة من مظاهر الخلل والعطل والجمود والركود، في جميع الميادين، إنما هو ناجم عن أن العناصر والطاقات والموارد الإيجابية الخلاقة، لم تُسخّر لصنع المحرك الكبير لدفع عجلات العالم العربي.
حجر الأساس فـي صرح الثقافة الاستراتيجية: التاريخ والجغـرافيا والتراث. هي القاعدة التــي سينهض عليها البنيان. كيف يمكن تــجاهل جيولوجيـــا التاريـــخ الحضاري، وبانوراما الحضارات التي قامت على الجغرافيا العربية عبر آلاف السنين، وادّعــاء أن منظومــة قيـمنا الثقافيــة تنبع من التيارات الأدبية والفنية والنقدية الغربية الحديثة، التي هي أوضح مظاهر انحدار الثقافة الغربية، المواكبة لتدهور الحضارة الغربية؟
ماذا بقي أصلاً للغرب غير عربدات الإقصاء والإلــغاء. لا تبحث عن دلائل غياب الثقـــافـــة الاستراتيجية. يكفــي أن تتأمل أن مقاليد القضايا العربيـــة كلهـــا لا يــوجــد خيـــط منها فـــي أيـــدي العرب.
لزوم ما يلزم: النتيجة التراجيكوميدية: لعل المثقفين ينتظرون أن يغيّر الغير التاريخ والجغرافيا والتراث، ليضعوا أسس الثقافة الجديدة.
[email protected]