ارتفاع أسعار الوقود لا يعني ثورة كهربائية

21:58 مساء
قراءة 3 دقائق

جاستن كلاوانز*
في كل مرة تقفز فيها أسعار البنزين، يتجدد الاعتقاد بأن السيارات الكهربائية على وشك اجتياح السوق، كوسيلة لتوفير المال. ومع تصاعد الحرب في إيران واندفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة إلى ما فوق 4 دولارات للغالون، بل وتجاوزها 5 دولارات في بعض الولايات، يبدو هذا الاعتقاد أكثر إغراءً من أي وقت مضى. غير أن الواقع، كما يراه عدد من الخبراء، أكثر تعقيداً من هذه المعادلة البسيطة.
من الطبيعي أن يبحث المستهلك الأمريكي عن بدائل أقل تكلفة في ظل هذا الارتفاع الحاد في أسعار الوقود. هنا، تبدو السيارات الكهربائية خياراً منطقياً، إذ يفترض كثيرون أن أسعار الكهرباء أقل تقلباً من النفط، وبالتالي أقل عرضة لصدمات الجغرافيا السياسية. وبالفعل، فإن طبيعة سوق النفط، المرتبطة بالنزاعات العالمية، تجعل مالكي السيارات التقليدية أكثر عرضة لتقلبات الأسعار مقارنة بمن يعتمدون على الكهربائية أو الهجينة.
كما أن بلوغ أسعار البنزين في الولايات المتحدة مستويات مرتفعة يُعد، وفق استطلاعات سابقة، نقطة تحول نفسية تدفع غالبية الأمريكيين إلى تغيير سلوكهم الاستهلاكي. في كاليفورنيا، حيث تجاوزت الأسعار 5 دولارات للغالون، باتت السيارات الكهربائية في كثير من الحالات الخيار الأرخص من حيث التشغيل.
على مستوى الحسابات المباشرة، يمكن لمالك سيارة كهربائية توفير ما يصل إلى 2000 دولار سنوياً من تكاليف الوقود، فيما يحقق مالكو السيارات الهجينة وفورات تقارب 1500 دولار. ورغم تراجع بعض الحوافز الفيدرالية، لا تزال ولايات عدة تقدم إعفاءات وحوافز مالية تدعم التحول نحو المركبات الكهربائية.
لكن هذه الصورة الوردية تخفي تعقيدات لا يمكن تجاهلها. فأسعار الكهرباء نفسها ليست بمنأى عن الضغوط، إذ تشهد ارتفاعاً تدريجياً مدفوعاً بزيادة الطلب، لا سيما من مراكز البيانات والتوسع التكنولوجي. كما أن ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي، أحد أهم مصادر توليد الكهرباء، يضيف طبقة جديدة من الضغوط على تكلفة الطاقة.
ورغم أن هذه الزيادات لم تصل بعد إلى وتيرة ارتفاع النفط، فإنها تطرح سؤالاً أساسياً: هل الوفورات المتوقعة من التحول إلى السيارات الكهربائية مستدامة على المدى الطويل؟
إلى جانب ذلك، تبقى التكلفة الأولية للسيارات الكهربائية أعلى من نظيراتها التقليدية، ما يشكل حاجزاً نفسياً ومالياً أمام شريحة واسعة من المستهلكين، خصوصاً في بيئة اقتصادية غير مستقرة.
والأهم، أن قرار التحول لا تحكمه الأسعار وحدها. فاستدامة ارتفاع أسعار الوقود نفسها محل شك، إذ ترتبط إلى حد كبير بتطورات الحرب في إيران. وفي حال تراجعت الأسعار، قد يتلاشى الدافع الاقتصادي سريعاً.
كما أن محدودية البنية التحتية لمحطات الشحن لا تزال تمثل عائقاً حقيقياً أمام انتشار السيارات الكهربائية، خصوصاً خارج المدن الكبرى. يضاف إلى ذلك عامل نفسي بالغ الأهمية، وهو تراجع ثقة المستهلك في ظل تباطؤ اقتصادي عام، ما يدفع كثيرين إلى تأجيل قرارات الشراء الكبيرة.
ورغم هذه التحديات، لا يمكن إنكار أن سوق السيارات الكهربائية في الداخل الأمريكي يواصل التقدم، وإن بوتيرة متفاوتة. فقد سجلت شركات مثل «سوبارو» أفضل مبيعات شهرية لها على الإطلاق في هذا القطاع، فيما أعلنت «تويوتا موتور أمريكا الشمالية»، التي تدير عمليات تويوتا ولكزس في الولايات المتحدة، ارتفاع تسليمات سياراتها الكهربائية في مارس، لتمثل أكثر من نصف إجمالي المبيعات.
في المقابل، صحيح أن ارتفاع أسعار البنزين قد يكون محفزاً مهماً، لكنه غير كاف وحده لإحداث ثورة في سوق السيارات الكهربائية. فالمعادلة تحكمها شبكة معقدة من العوامل: تكلفة الطاقة، السياسات الحكومية، البنية التحتية، وثقة المستهلك.
بعبارة أخرى، الطريق نحو المستقبل الكهربائي ليس مجرد استجابة لصدمة أسعار مؤقتة، بل مسارٌ طويل يتطلب استقراراً اقتصادياً واستثمارات هيكلية عميقة. وحتى يتحقق ذلك، سيبقى التحول تدريجياً... لا اندفاعياً.
* كاتب مقال في «ذا ويك»

عن الكاتب

كاتب مقال في «ذا وييك»

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"