ماجد الجوكر*
في أوقات الاستقرار، يقاس أداء المطارات بقدرتها على إدارة العمليات بكفاءة وانسيابية، أما في أوقات التحدّيات، فتتغيّر المعادلة بالكامل ويتحوّل التركيز من إدارة الحركة إلى التعامل مع التعقيد الذي يحيط بها.
نعمل في مطارات دبي في أوضاعٍ استثنائية ضمن بيئة متقلبة لحظةً بلحظة، حيث تداخلت المتغيرات التشغيلية مع معطيات إقليمية تطلّبت أعلى درجات الجاهزية والمرونة والتنسيق. وفي هذا السياق، واستجابةً لتلك الأوضاع، أصبح المطار منظومة حيّة تتكيّف باستمرار مع كل المستجدات، وتعيد ضبط نفسها للحفاظ على استمرارية العمليات وسلامة الضيوف.
ومنذ اللحظــات الأولــى، واصل نموذج مجتمع المطار oneDXB الاضطلاع بدورٍ محوريٍ في توحيد الجهود، حيث يجتمع تحت مظلتـــه مختلــف الشركاء، من الجهات الحكومية إلى شركات الطيران ومزودي الخدمات، ضمن منظومة عمل واحدة تقوم على التنسيق الوثيق والمسؤولية المشتركة. وامتد هذا التكاتف ليشمل آلاف الموظفين عبر مختلف المواقع، الذين عملوا بروحٍ واحدة وهـــدف موحّــد، ضمن ثقافة مؤسسية قائمة على تكامل الأداء وتحمّل المسؤولية الجماعية، بما يضمن انسجام الجهود وتوجيهها نحو تحقيق أهداف مشتركة في مختلف الظروف.
هذه المنظومة لا تعتمد على الثبات، بل على التكيّف، فمسارات الطيران قد تتغير خلال دقائق، وتدفقات المسافرين قد تتوزع بشكل ديناميكي، أما القرارات التشغيلية فيتم اتخاذها آنياً. وفي هذه البيئة، أصبحت الثواني عاملاً حاسماً، حيث أسهمت سرعة اتخاذ القرار في الحفاظ على انسيابية الرحلات والتعامل بكفاءة مع أي تغييرات تشغيلية.
وفي قــلب هــذا المشهــد، عمل مركز مراقبة عمليــات المطار كمنصة موحدة لإدارة العمليات، حيث تم رصد المؤشرات التشغيلية بشكل مستمر إلى جانب تحليل البيانات، وتم اتخاذ قرارات دقيقة وسريعة بالتنسيق مع مختلف الشركاء. ولم يكن التعامل مع التحدّيات بعد وقوعها هو النهج المتّبع، بل جرى استباقها من خلال قراءة مستمرة للمشهد التشغيلي والاستعداد لمختلف السيناريوهات، في إطار عملٍ يعكس مستوى عاليـــاً من التوافـــق بين الفِـــرق وتكامل الأدوار.
أما تجربة المسافرين، فقد حافظت على استقرارها وانسيابيتها إلى حد كبير على الرغم من التحديات، حيث بدت الرحلات اعتيادية من حيث الإجراءات والحركة، في وقت كانت تكثف فيه فـــرق العمـــل جهودهـــا لإعادة توزيع الموارد وتعديل الجداول وإدارة المخاطـــر بشكـــل متواصــــــل لضمـــان استمراريـــــة العمليات، وهنا برزت أهمية إدارة التفاصيل غيـــر المرئيــة التي شكّلــت نتيجة مباشرة لتكامل الجهود وتنسيقها بين مختلف الأطراف.
هذا الأداء استند إلى نهجٍ مرن صُمِّمت من خلاله الأنظمة التشغيلية لتكون قابلة للتكيّف وإعادة التشكيل، بما مكّن الفرق من التعامل مع مختلف المتغيرات دون التأثير في انسيابية العمليات، فاستمرارية العمليات كانت نتيجة عمل دؤوب وتنسيق متكامل تحت مظلة مجتمع المطار oneDXB الذي يتحمّل مسؤولياته بشكل جماعي ويعمل وفق هدف مشترك تطبيقاً لاستراتيجية فعّالة تتيح مرونةً كبيرة لمنظومة العمل.
كما برز خلال تلك الفترة دور العمل الجماعي على جميع المستويات، حيث لم تكن الاستجابة محصورة في اتخاذ القرار، وإنما في مدى انسجام الفرق وتكامل أدوارها وقدرتها على التصرف دون الحاجة إلى تلقي توجهات مباشرة من القيادة، فقد عملت منظومة المطار ككل بروح واحدة، مدفوعة بهدف مشترك يتمثّل في الحفاظ على استمرارية العمليات وتجربة الضيوف، في نموذج يعكس قوة التوافق المؤسسي عندما يتوحد الجميع خلف غاية واحدة.
العنصر البشري كان بلا شك الركيزة الأساسية في هذه المعادلة، حيث تعاملت فرق العمل في مختلف المواقع مع مواقف متغيرة تطلّبت سرعة استجابة ووضوحاً في القرار وثقةً في التنفيذ، وهو الأداء الذي أسهم بشكلٍ ملحوظ في تعزيز ثقة الضيوف والشركاء، كما عكس قدرة المنظومة على العمل بانسجامٍ كامل، حيث يدرك كل فرد دوره ومسؤوليته ضمن إطار مجتمع المطار oneDXB.
لم يقتصر دور مطارات دبي خلال تلك الفترة على نقل المسافرين من نقطة إلى أخرى، بل امتد ليشمل توفير إحساس بالطمأنينة بأن الرحلة ستستمر وفقاً لما هو مخطط، حتى في ظل بيئة معقدة ومتغيرة، وهي ثقة ترسخت من خلال الأداء المتواصل وتكامل فرق العمل والقدرة على الحفاظ على الاستقرار في مختلف الظروف.
لطالما كانت الكثافة التشغيلية نسقاً معتاداً بمطارات دبي، إلا أن ما شهدته هذه الفترة تطلَّب مستوىً أعلى من الاحترافية والمرونة، واستجابة لحظية للمتغيرات، وعلى الرغم من كل ذلك، بقيت أولويتنا واضحة، وهي ضمان تجربة سفر سلسة وآمنة لكل الضيوف، وأن تظل مطارات دبي نقطة عبور موثوقة للعالم، مهما كانت الظروف.
* الرئيس التنفيذي للعمليات في مطارات دبي