صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
سالم صالح محمد
أحدث مقالات سالم صالح محمد
27 يونيو 2008
في حب الإمارات.. الأيام القادمة أجمل

هناك مواقف إنسانية متميزة هي وراء الأعمال العظيمة التي تأتي من أناس عظماء لتخدم وتساعد الملايين من الناس المحتاجين لها، والتي تلبي حاجاتهم الضرورية من الغذاء والملبس والمسكن، وتوفي متطلباتهم الضرورية الأخرى في ظل العوز والفقر الذي يعيشه الإنسان هنا أو هناك.

وقد جاءت مكرمة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، حفظه الله، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة لأشقائه في مصر واليمن وسوريا المتمثلة بتقديم العون الغذائي السريع لحل الأزمة الناشئة عن الارتفاع العالمي لأسعار المواد الغذائية، وأثر ذلك على معظم البلدان العربية والإسلامية كلفتة كريمة وعطاء عظيم من ينابيع الخير والكرم لهذا القائد الإنسان تجاه أشقائه ومحبيه في اليمن ومصر وسوريا وغيرها من البلدان العربية والإسلامية.

كما جاءت منحة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ل 46 ألف طالب يمني ببناء مدارس لتؤكد احتضان قادة دولة الإمارات لأعمال الخير والأعمال الانسانية الكبيرة.

وهذا العطاء المتواصل له جذوره الإنسانية والتأريخية والثقافية؛ فالشيخ خليفة بهذه المواقف والأعمال وبهذه الخطى الداخلية والخارجية هو امتداد وتواصل متجدد لذلك النهج وتلك الفلسفة التي أرساها المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، ذلك القائد العربي الجليل، وهو من كان يحب غيره ويؤثرهم على نفسه، فما ذلك ببعيد عن أخلاق الشيخ رحمه الله ولا أبنائه ورجال دولته الذين يسيرون في حبهم وعطائهم على نهج الصالحين، الذين قال الله فيهم في كتابه الكريم: "ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون" (سورة الحشر الآية 9).

فالمسلم رحيم والرحمة خلق من أخلاقه يبذلها ويوصي بها ويدعو إليها مصداقاً لقوله تعالى "ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة * أولئك أصحاب الميمنة" (سورة البلد الآيتان 17 و18).

وعملاً بقول الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم "إنما يرحم الله من عباده الرحماء"، وفي تواصل مواقف المحبة القائمة على محطات راسخة من العلاقات الأخوية الشعبية والرسمية كتبت مرة في "الاتحاد" الغراء بتأريخ 11 مارس/ آذار 1999 تحت عنوان "الإمارات واحة أمان رسمتها ريشة قائد شاعر"، وضمنت المقال في كتابي المعنون "متى يبدأ التعافي العربي؟"، حيث سجلت ذلك الإعجاب والاندهاش والتأييد والمحبة التي تملؤني لهذا البلد، ولهذه التجربة القائمة على النظام الاتحادي، ولتلك القيادة الحكيمة برئاسة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله وطيب ثراه.

وفي كتابي الجديد "الغربة ليست وطناً" ذكرنا وسجلنا الوفاء والتقدير لمن أكرمونا عندما كنا خارج ديارنا، وعلى رأسهم الشيخ زايد بن سلطان والملك فهد بن عبدالعزيز، كما وثقت في هذا الكتاب مقالتي في صحيفة "الخليج" المؤرخة في الأول من مايو/ أيار 2006 بعنوان "الحرية وأوجاع الوطن الكبير"، والتي أوردت فيها مشاهداتي لما يجري في دولة الإمارات العربية المتحدة من تجديد للرؤية وتجديد للحلم والأمل والثقافة، بل في تجديد الحرية التي هي أساس نهضة هذا البلد.

إن تلاصق وتزامن هذا الاحترام قد جاء منذ وقت مبكر وعبر محطات تأريخية هامة بدأت في منتصف السبعينات عندما قام الشيخ زايد بن سلطان رحمه الله، بزيارته التأريخية إلى صنعاء وعدن، مفتتحاً سد مأرب وحي الشهيد عبدالولي في عدن وغيرها من المنشآت الإماراتية التي قدمتها دولة الإمارات كمساعدة سخية لأشقائهم في اليمن، وعندها تعرفنا إلى الشيخ زايد بن سلطان، رحمه الله، وتعمقت هذه الصلات عندما كنت وزيراً للخارجية، وبعدها عضواً لمجلس الرئاسة في دولة الوحدة، وتواصلت علاقات المحبة والتقدير والاحترام مع أبنائه الشيوخ والمسؤولين ومع هذا البلد الذي عشت فيه سنوات طويلة، ولا زلت أتمتع فيه بإقامة نظامية باعتباره بلدي الثاني، كما هو وطن كل عربي.

إنني إحدى الشخصيات التي شهدت نصف قرن من الأحداث والتطورات العربية كمساهم ومشاهد لأربعة عقود من العلاقات الدافئة بين البلدين القائمة على التضامن الأخوي والتكافؤ المتبادل في المصالح والمواقف المشتركة، وخاصة تجاه حق الإمارات العربية في جزرها الثلاث ودعم دورها البناء الحكيم في السياسة العربية والإقليمية والدولية، والذي هو واجبنا الوطني والقومي تجاه هذا الشعب الشقيق وهذه القيادة الحكيمة.

يقول الشاعر التركي ناظم حكمت: "إن أجمل الأيام يوم لم نعشه بعد"، وفي ظل ما تشهده دولة الإمارات العربية المتحدة من تطورات ايجابية وخاصة في مجال التنمية المتوازنة الهائلة فإن الأيام القادمة ستكون أجمل من الأيام الماضية بين الأشقاء حباً ودفئاً وتضامناً.

وذلك يذكرني أيضاً ببعض ما جاء في القصيدة التي نظمها صديقي الشاعر فضل النقيب مخاطباً الرئيس علي عبدالله صالح في حضور الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه في أبوظبي في عام 1998 عندما قال:

إنا هنا سيدي في دار إخوتنا

أعزة في حمى حر ومؤتمن

في دار زايد حيث العدل قاعدة

والجود صارية والحب كالمزن

حيث الغيوث من الأخلاق ممطرة

قبل الغيوث على الكثبان والدمن

الأرض خضراء لكن قبل خضرتها

كان اخضرار بقلب الشيخ يأسرني

* مستشار رئيس الجمهورية اليمنية

20 يونيو 2008
افتحوا الطريق أمام المرأة

كم سعدت بتلك الدعوة لحضور افتتاح أعمال المؤتمر العام الثاني لاتحاد نساء اليمن المنعقد في الفترة من 16 إلى 17 يونيو/حزيران الجاري، وانعقاد المؤتمر من الناحية التنظيمية والإدارية أمر جميل ومستحب آخذين بعين الاعتبار التعامل مع القوانين المنظمة لهذه الاتحادات والجمعيات الخيرية ومنظمات المجتمع اليمني في الالتزام بعقد الاجتماعات والدورات.. الخ، لهذا نسجل شكرنا الكامل لقيادة الاتحاد النسائي الحالية والقادمة على احترام القوانين والنظام الأساسي للاتحاد.

وكشخص فإنني لا أخفي انحيازي الكامل لشقائق الرجال، ومع زملاء لي دفعنا ثمن ذلك الموقف، ولكنه والحمد لله، يحيط بي من بناتي وبنات إخواني وأهلي ست طبيبات اخصائيات وعشرات من الخريجات من الأولاد والأحفاد وزوجات الأولاد وأنا فخور بهن، وأستمد ذلك من حب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) لفاطمة الزهراء، ومن افتخار الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود بأخته نورا، ومن أروى وبلقيس والعمة نور بنت العفيف وغيرهن من عظيمات النساء.

مع محطة انعقاد هذا المؤتمر النسائي في ظل هذه الأوضاع والتطورات يطرح السؤال التالي: ما هي نسبة ما تم تحقيقه من حقوق للمرأة اليمنية منذ قيام الوحدة المباركة حتى الآن في حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية باعتبارها نصف المجتمع الآدمي الإنساني كأم وأخت وزوجة وبنت وباعتبارها الركيزة الأولى للأسرة؟

لقد أعطى اليمن المرأة حقاً دستورياً بعد ذلك النضال الشاق للثورة اليمنية 26 سبتمبر/أيلول و14 أكتوبر/تشرين الأول، واعترفت الجمهورية اليمنية بفضل تحقيق الوحدة اليمنية بحقوق المرأة، ولكن يبقى السؤال: هل تطابقت النصوص مع الواقع؟

ينص الدستور اليمني في المادة 40 على أن: "المواطنين جميعهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة"، وتنص المادة 41 من الدستور نفسه على أن "لكل مواطن حق الإسهام في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية".

نعلم أين نعيش وفي أية علاقات وثقافة تقوم بين الرجل والمرأة وبخاصة في ظل ذلك المناخ الذي تسيطر فيه "الأنانية الذكورية" في تمركزها المطلق حول ذاتها والجانب الانفعالي الوجداني المنغلق على نفسها وفي حب التملك والرغبة في التملك، والذي هو النمط الغالب في الشخصية والسلوك الذكوري في مجتمعاتنا بحكم العلاقة الإقطاعية الرأسمالية التي تحولت إلى علاقة غزو وسيطرة على هذا "المخلوق"، وعلى هذا الحب الذي وهبه الله سبحانه وتعالى بين الرجل والمرأة.

إن حياة المرأة في اليمن لم تشهد أي تقدم كبير، ومازال عمل المرأة في مؤسسات الدولة والسلطات الرئاسية والتنفيذية والقطاع العام والخاص والمختلط يمثل نسبة ضئيلة من أعداد الرجال في المرافق، وما زالت المرأة تعاني الأمية بأرقام مخيبة للآمال، والتحاق الفتيات بالتعليم الأساسي والثانوي لم يتجاوز نسبة ال40%.

وحول عمل المرأة في الأحزاب التي تهتم فقط بالمرأة بشكل موسمي ومرتبط بالمصالح الانتخابية للأحزاب، ورغم أن أعداد نساء هذه الأحزاب تتجاوز ال50%، إلا أنها لم تحظ بأي اهتمام أو تواجد سياسي إلا في خمسة أحزاب من بين 22 حزباً وتكويناً سياسياً تعمل في اليمن.

أما صور وأشكال العنف التي تمارس ضد المرأة في اليمن، فإن البيئة القبلية والعلاقات والتنشئة الاجتماعية والخلافات الأسرية والزواج المبكر ووفاة رب الأسرة والفقر من أهم أسباب العنف الاجتماعي ضد المرأة.

ولا تزال المرأة تعاني العديد من المعوقات المختلفة، كنظرة المجتمع والأسرة وعدم توفر البنية الأساسية ووجود فجوة بين ما تفرضه النصوص القانونية من حقوق المرأة والواقع التطبيقي لها.

من هنا يجب أن نقر أن حقوق المرأة ودورها لا يمكن للاتحاد النسائي أو لحزب أو منظمة أن يحلها، فالمسألة أيتها السيدات وأيها السادة تتطلب من الدولة ومن الأحزاب ومن المجتمع ابتداء من الأسرة الاعتراف بحق المرأة في التعليم والعمل والمشاركة السياسية والاقتصادية والثقافية.

لا أحد ينكر أن اليمن على الأقل في محيطه قد خطا خطوات في هذا المجال قياساً بما كانت عليه المرأة في العهد الإمامي وبوجود وزيرتين في الحكومة، واللتين أتمنى عليهما أن تحققا نقاطاً مهمة لمصلحة حقوق المرأة في اليمن.

وبغض النظر عن سيادة الحجاب، والتي أصبحت مشكلة في تركيا، فإننا بالنسبة لليمن يهمنا أن تكون شقيقاتنا وبناتنا يعكسن في دورهن القادم، سواء كن محجبات أو سافرات ما قاله المثل الصيني "لا يهمني شكل القطة أكانت بيضاء أو سوداء، المهم أن تأكل الفأر".

لا يريد أحد في ظل هذه التحديات بنمو السكان الخرافي وارتفاع أسعار المواد الغذائية الجنوني وقلة الموارد والمساعدات الإنسانية، أن يكون نصف المجتمع كسيحاً وعاطلاً ومنتظراً في البيت يبحث عن لقمة العيش.

إن دعم اتحاد النساء واتحاد العمال والفلاحين والمزارعين والطلبة وكافة المنظمات الجماهيرية يكمن في إعطائها الحرية لتلعب أدوارها الوطنية لمواجهة الدعوات المذهبية والطائفية والانفصالية، شرط أن تتوقف تدخلاتنا الشخصية وتسلطاتنا الآنية.

* مستشار الرئيس اليمني

3 يونيو 2008
الأمل في السماحة

بعض الشعارات والرؤى والأفكار العظيمة لا تأتي من فراغ أو ترف وإنما تأتي من وسط المعاناة الإنسانية والأزمات والكوارث التي تلحق الضرر بالإنسان والبيئة والحياة على هذا الكوكب الأزرق الجميل، رفعها بعض الزعماء والساسة والمفكرين في عالمنا بعد تلك الحروب والكوارث الطبيعية والأزمات الطاحنة التي تعتبر تحديات صعبة أمام الأمم والشعوب.

الشعوب العربية والأمة العربية واحدة من هذه الأمم التي واجهت في العصر الراهن كوارث وأزمات وحروباً جمة تمثل أولها في تلك الحقبة الاستعمارية وما فرضته من استعمار وتقسيم للأوطان ونهب للثروات.

انتهت هذه الحقبة بعد انتصار نضال الشعوب، وجاءت حقبة جديدة بعد الحرب العالمية الثانية وانقسام العالم إلى معسكرين بكل تلك التبعات من جراء الحرب الباردة بين المعسكرين، وما ألحقته من أضرار بالأمة، وإن لعبت التوازنات الدولية والإقليمية ووجود مؤسسات دولية فعالة دورها في تخفيف الأزمات والمعاناة ونتائج الحروب.

كافة الشعوب تخلصت من حقب الاستعمار والاستيطان غير العرب الذين ابتلاهم الاستعمار البريطاني بإيجاد الكيان الصهيوني الذي احتفل الشهر الماضي بسنواته الستين، وهذا الكيان قام على الحرب والعنف والكراهية والحقد والتطرف الذي هو نتاج العقلية المتطرفة للصهيونية العالمية.

المشهد القائم اليوم في المنطقة برمتها لا يختلف من حيث المضمون عن تلك الحقب السابقة، فهو قائم على التدخل العسكري المباشر والتطرف والعنف والإرهاب واللجوء إلى استخدام القوة، ومع الأسف تدعم هذه النزعات والاتجاهات الإدارة الأمريكية الحالية التي تتدخل بشكل مباشر وبجيوشها في أفغانستان والعراق وفلسطين وغيرها من البلدان، يعطيها هذا الحق تلك السياسات المتطرفة لبعض الأوساط المتشددة في إيران وباكستان وغيرها من البلدان والتنظيمات المتطرفة ممن تصدر أفكارها المتعصبة دينياً أو مذهبياً أو قومياً.

ما يخفف من المأساة والمعاناة العميقة ويعطي الأمل هو نضال الشعوب وتضحيات أحرارها وحكمائها ووجود تلك الدساتير المتقدمة والمؤسسات الحية للشعب الأمريكي والشعب البريطاني والفرنسي والألماني وغيرها من الشعوب الأوروبية، القادرة على إسقاط سياسة كهذه متطرفة ومتغطرسة ومغايرة للمبادئ الإنسانية وحقوق الإنسان والتسامح الإنساني.

لذا فالأمر الذي يقع على حكوماتنا وأحزابنا وشعوبنا بعد الصدمات الأخيرة، آخرها الاحتكام إلى السلاح في لبنان، وقبلها ما حصل في غزة بين الأشقاء الفلسطينيين ورفضهم لكافة الجهود التي قام بها أشقاؤهم في المملكة العربية السعودية (اتفاق مكة)، وفي اليمن (اتفاق صنعاء)، والجهود المصرية اليومية، هو العمل الواضح والصريح لرفع شعار التسامح وفرضه كواجب وفلسفة وعمل دائم لضبط التوازن والاعتدال في خطاب الآخرين والتعامل معهم نظرياً وعملياً دون ضرر ولا ضرار، ليكون التسامح الفلسفة القادرة على لجم التطرف والتعصب والعنف والتشدد والقسوة في التعامل اليومي مع بعضنا بعضاً، وفي وقت ما تفرزه تلك الثقافات لتلك الأوساط المتطرفة لهذه الطائفة أو المذهب أو الحزب في الوصول إلى أهداف سياسية أو مصلحية مؤقتة وعلى حساب الروابط والمصالح الوطنية والإنسانية لكل طرف.

التسامح لا يعني الطبطبة على الخدود والمجاملة الآنية، وإنما ليصبح التسامح حقيقة ملموسة في الحياة وبرنامج تتبناه كافة المؤسسات في التعامل القانوني والديني والفكري والثقافي وينعكس في المواثيق والدساتير والقوانين النافذة التي تخلد وتمجد إن الإنسان أخو الإنسان، ومن منطلق قوله تعالى يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها سورة النساء.

يتحدد مفهوم التسامح بتوفر العناصر التالية :

قبول تنوع واختلاف ثقافات عالمنا واحترام هذا التنوع.

التسامح موقف يقوم على الاعتراف بالحقوق العالمية للشخص الإنساني والحريات الأساسية للآخر.

التسامح هو مفتاح حقوق الإنسان والتعددية السياسية والثقافية والديمقراطية.

تطبيق التسامح يعني ضرورة الاعتراف لكل واحد بحقه في حرية اختيار معتقداته، والقبول بأن يتمتع الآخر بالحق نفسه، كما يعني بأن لا أحد يفرض آراءه على الآخرين. (المرجع إعلان المبادئ المتعلقة بالتسامح للمؤتمر العام لليونيسكو 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 1995).

لا يوجد طريق آخر في العالم ولعالمنا العربي غير هذا الطريق، طريق الحوار ونبذ التطرف والعنف والتشدد، واستخدام السلاح والإكراه والإرهاب وفرض حالة الطوارئ المعلنة وغير المعلنة لتعميم الخوف وسلب حرية الناس.

جميعنا صدمنا بما حصل في بيروت وجميعنا فرحنا بالنتائج التي توصل إليها الفرقاء اللبنانيون في الدوحة، لأنهم أخذوا بفلسفة التسامح للوصول إلى صيغة التعايش الوطني والديني والمذهبي، وجميعنا ننتظر بحماس إلى (حماس وفتح) للوصول إلى إعادة اللحمة الفلسطينية وما يحفظ حقوق الشعب الفلسطيني على قاعدة التسامح، وتنتظر الشعوب الإخوة العراقيين والسودانيين والصوماليين والجزائريين واليمنيين والمصريين.. إلخ الأخذ بهذه الفلسفة لحل الصراعات القائمة.

وبصفتي مواطنا من الجزء العزيز على هذه الأمة، فقد تحققت الوحدة اليمنية في إطار هذه الفلسفة وهذا المنهج، وبتلك السماحة والتسامح الوطني والأخلاقي والسياسي بالتنازل والاعتراف ببعضنا البعض.

وجاءت حرب العام 1994 بتداعياتها كطعنة لهذه التوجهات، واستمرار حروب صعدة وظاهرة الإرهاب وغيرها من التحديات الصعبة تتطلب الدعوة في وطني إلى رفع شعار التسامح في هذه المرحلة للولوج إلى الحوار ورفع سقف الحوار والتشديد عليه ليصبح نافذة الأمل المطلوب وسط التشدد والعنف والاحتكام إلى السلاح الذي سيوصل الأمور إلى التدهور، وانسداد آفاق الحلول التي تتطلبها الحياة المشتركة لكل الناس بغض النظر عن الانتماء المذهبي أو الطائفي أو المناطقي أو الحزبي.

إنني أرفع صوتي مع من قال ارفعوا شعار التسامح فهو أوكسجين الحياة مثلما التعصب هو ثاني أوكسيد الكربون، فلقد سبقتنا شعوب ارتبطت أساساً بصراعات داخلية بين قوى اجتماعية وصراعات دينية أبرزها ما شهدته أوروبا في القرن السادس عشر بين الكاثوليك والبروتستانت حيث انتهى الصراع إلى التسامح، وانتشر هذا المفهوم في القرن التاسع عشر ليشمل مجالات الفكر وحرية التعبير وليتضمن جوانب اجتماعية وثقافية بالغة الغنى والتنوع.

إن التسامح هو قبول الآخر على علاته وعلى اختلافه والاعتراف بحقوقه في الوحدة والحرية والسعادة، فالإنسان ليس شريراً بطبعه، وإنما هو شرير عندما تقتضي الحاجة إلى الشر والعنف والغلبة والقهر أمور ترتبط بالشروط الاجتماعية لوجود الإنسان.

أخذ الزعيم (غاندي)، محرر الهند بهذه الفلسفة منطلقاً من عقيدة بوذا (رفض العنف والتواضع في احترام الآخر والتحرر في نقد الذات ورفض الجهل)، وأصبحت فلسفة القارة الهندية المتعايشة، كما أن الزعيم نيلسون مانديلا قد أخذ بها بعد الانتصار التأريخي على العنصرية ونظام الأبارتيد في جنوب إفريقيا، حيث قال عبارته المدوية نعم للصفح، لا للنسيان، وأصبحت فلسفة التسامح فلسفة القارة الإفريقية.

إن أوضاعنا العربية بكل هذه الصدمات والأحداث المتدهورة ينبغي أن لا توقف مسيرة الإصلاحات السياسية والاقتصادية والثقافية وتعزيز مساحة الحركة كمنظومة مترابطة متكاملة هي الكفيلة بتعزيز الولاء للأوطان وللقضايا الكبرى، والتي هي أساس ومرجع العلاقات بين الناس وليس الانتماء الطائفي أو المذهبي أو المناطقي الذي سيكون عندها من العادات الماضية الغريبة التي سيتذكرها المواطن باستغراب، كما أن احتكاك المجتمعات ببعضها البعض وتشابك المصالح فيما بينها جعل من التسامح والتعايش والاتصال والحوار المفتوح ضرورات لتحقيق مصالح المجتمعات جميعاً.

إن الأمة العربية والإسلامية بزعمائها وقادتها وحكمائها وعلمائها وشعوبها وموقعها الجغرافي، وبما تمتلكه من مقومات حضارية وثقافية ومادية قادرة على إعادة دورها وتأثيرها بين الشعوب كنتم خير أمة أخرجت للناس، متى ما عدلت والتزمت وأخذت بما سار عليه الخلفاء الراشدون، حيث قال العادل رضي الله عنه عمر بن الخطاب: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.

وقال الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حول أهمية التسامح واحترام حرية وعقائد الآخرين كونوا أصدقاء الحقيقة قبل أن تكونوا أصدقاء العقيدة.

إننا نكتب هذا ونوجهه لمن بيده الحل والعقد كدعوة صادقة وصرخة استغاثة في لحظات تأريخية كهذه وصل فيها التدخل الخارجي إلى أوسع النطاق تحت مبرر مساعدتنا في علاج أمراضنا المزمنة، ولتساعد هذه الدعوة للبحث عن حلول وتسويات سلمية تبعد شبح العنف والعدوان والتسلط، لأن العنف لا يأتي من فراغ وليس هو حالة مجانية في المجتمع الانساني، بل يأتي نتيجة لغياب التفاهم والعدالة الاجتماعية في أكثر الأحيان، إنها دعوة عاجلة أيضاً لعلها تصل، وما ربك عنها ببعيد.

* مستشار الرئيس اليمني

العطاء الكريم

تلك اللفتة الكريمة لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة التي منح بها أشقاءه في اليمن مكرمة ليست جديدة منه بإهداء نصف مليون طن من القمح، ومثلها مليون طن لأشقائه المصريين وقبلها وقبلها لأشقائه العرب، القادمة من ينابيع الخير والعطاء والوفاء تستحق الإشادة والشكر والتقدير لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان وشعب الإمارات الشقيق، ونتمنى على حكومتنا تنظيم وإيصال هذه المساعدات الأخوية الكريمة إلى المحتاجين من الفقراء والمعوزين، الذين طحنهم غلاء الأسعار، وإلى سكان المناطق التي تشهد جفافاً وقلة وشح المياه منذ سنوات.