سليمان جودة
لو كتب الله لبرنارد شو أن يعيش بيننا إلى اليوم، ولو كان قد سمع كلام أنطونيو غوتيريس، أمين عام منظمة الأمم المتحدة، ثم كلام مدير برنامج المنظمة الإنمائي، لكان قد ضحك ساخراً على طريقته التي اشتهر بها، ولسان حاله يقول: هذا ما قلته في منتصف القرن العشرين، ولكن أحداً لم ينصت لي ولم يسمع.
فما القصة؟.. كان غوتيريس قد ذهب يتحدث في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الأمم المتحدة الخامس للدول الأقل نمواً، وكان قد قال في المؤتمر الذي انعقد في الدوحة من الخامس إلى التاسع من هذا الشهر، إن على الدول المتقدمة الوفاء بتعهداتها بجمع مئة مليار دولار لصالح الدول الفقيرة.
وكان قد قال أيضاً، إن الدول الفقيرة تنتج 4 % فقط من الغازات المسببة لتغيرات المناخ، ولكنها تدفع في المقابل ثمن تغيرات لا تتسبب فيها، ولا في تداعياتها بالتالي على صحة الإنسان، والحيوان، وسلامة النبات.
وما يقوله غوتيريس في هذا الشأن، لا بد أن يظل يقال من هنا إلى يوم انعقاد مؤتمر المناخ المقبل على أرض الإمارات في نوفمبر/تشرين الثاني القادم؛ لأنه لا بديل عن إنجاح هذا المؤتمر، ولا بديل عن أن تفي الدول المتقدمة ذات الصناعات الكبرى بتعهداتها، التي كانت قد تعهّدت بها في دورة المؤتمر المنعقدة في غلاسكو البريطانية في نوفمبر قبل الماضي، ثم في دورته الماضية التي انعقدت في شرم الشيخ في نوفمبر الماضي.
لا بديل عن ذلك؛ لأن هذه الدول المتقدمة، التي تحاول التملص من التعهدات التي قطعتها على نفسها، هي ذاتها الدول التي تسبّبت بشكل أساسي وتتسبّب في الغازات المؤدية إلى تغيرات المناخ غير المسبوقة.
إن إفريقيا على سبيل المثال هي أقل القارات إنتاجاً للغازات المتسببة في تغيرات المناخ الحادة، ومع ذلك، فالقارة السمراء تتحمل من عواقب التغيرات ما لا تتحمله قارة سواها في العالم.
وليست مؤتمرات المناخ المتتالية، سوى محاولة عالمية لتوزيع تكلفة تغيرات المناخ بطريقة عادلة، وبطريقة تضع المتسبب فيها عالمياً أمام مسؤوليته تجاه البشر.
ولم يكن غوتيريس هو وحده الذي حمل لواء هذه الدعوة، ولكن أخيم شتاينر، مدير البرنامج الإنمائي التابع للمنظمة، حملها بالدرجة نفسها، عندما أطلق تحذيراً من أن دولاً فقيرة كثيرة قد تجد صعوبة في دفع ديونها للدول المتقدمة، وأن 20 % من إيرادات 25 دولة من بين 52 دولة من الدول الفقيرة تذهب إلى سداد فوائد أقساط الديون وحدها.
وما نفهمه من هذا كله، أن ما يحدث على مستوى العالم من خلل في ميدان المناخ، يتكرر بصورة مختلفة على مستوى الاقتصاد، وأن ما صدر عن غوتيريس، ثم عن مدير برنامجه الإنمائي، هو صيحة من صيحات التحذير التي لا بد أن تصادف صداها بين المسؤولين عن شؤون الناس.
كان برنارد شو يشتهر بسخريته العالية، وكان يدرك أن السخرية طريقة لاذعة للتعبير عما يتعين التعبير عنه في عالمنا الذي نعيشه، وأن ميزة هذه الطريقة أنها تبقى راسخة في الأذهان.
وقد جاء عليه يوم تأمل فيه أحوال العالم من حوله، فتحسس صلعته ومعها لحيته الكثيفة، ثم قال: «ما بين صلعتي ولحيتي، كما بين شمال العالم وجنوبه: غزارة في الإنتاج وسوء في التوزيع».
وما قاله الرجل قبل رحيله منتصف القرن الماضي، لا يزال يصلح للتعبير عما بين شمال العالم وجنوبه من فروق وفجوات، ولكنها فروق وفجوات في قضية مختلفة هذه المرة هي قضية المناخ، التي تواجه غزارة في إنتاج ملوثات الفضاء في شمال العالم، ثم تواجه عدم عدالة في توزيع تكلفة رفع آثار التلويث بين الدول.
ولا يزال العالم في حاجة إلى أن يتحسس صلعته المناخية، ثم لحيته، لعله يصلح ما بينهما من الخلل والفروق غير العادلة.
[email protected]
سليمان جودة
كثيراً ما يتطلع القارئ في منطقتنا إلى الكتابة عن الحرب الروسية الأوكرانية، وكأنها كتابة في شأن خارجي بعيد عنه هنا، وليست في شأن داخلي يخصه ويتصل بقضاياه.
ولكن ما نشرته صحيفة «بيلد» الألمانية الشهيرة قبل أيام، ينفي هذا الظن ويشير إلى أن هذه حرب تمس كل إنسان حيث يعيش على الأرض. وما نشرته الصحيفة كان يتعرض لواردات المانيا من الفحم خلال السنة الماضية، وعلى وجه الدقة خلال النصف الأخير من هذه السنة.
ففي أغسطس (آب) 2022، كانت روسيا قد أوقفت صادراتها من الفحم إلى دول الاتحاد الأوروبي، وكان السبب بالطبع هو هذه الحرب الدائرة حتى اليوم، والتي دخلت عامها الثاني في الرابع والعشرين من الشهر الماضي، وفيها تحظى أوكرانيا بدعم أمريكي أوروبي كامل ومطلق.
ولأن واردات ألمانيا من الفحم كانت تأتي من روسيا، فلقد كان لا بد لها من البحث عن مصدر آخر للواردات، وقد عثرت على هذا المصدر في الولايات المتحدة، التي احتلت المرتبة الثانية في توريد الفحم للألمان، بما يعني أنها الطرف المستفيد من توقف ضخ الفحم الروسي لألمانيا.. ولكن هذه على كل حال قصة أخرى من قصص هذه الحرب التي لا تريد أن تضع أوزارها.
ولأن موسكو أوقفت إمدادات الغاز أيضاً إلى الاتحاد الأوروبي، ولأن ألمانيا كانت أكثر دول الاتحاد اعتماداً على غاز روسيا، ولأنه كان يمثل أربعين في المئة من احتياجاتها، فلقد كان عليها أن تعوض نقص الغاز بالمزيد من الاعتماد على الفحم في توليد الطاقة.
وهذا ما ترصده صحيفة «بيلد» وتقول إن استهلاك البلاد من الفحم قد زاد منذ توقف الفحم الروسي، وإن الزيادة تصل إلى 8 ٪، إذا ما قورن الاستهلاك بالفترة نفسها من السنة السابقة.
فما المعنى في هذا الاستهلاك المتزايد من الفحم، وفي هذه النسبة المشار إليها من الزيادة؟ المعنى أن الطاقة الملوثة للبيئة في ألمانيا قد زادت، وأن العالم الذي يتحدث عن تغيرات في المناخ بسبب ملوثات البيئة، عاجز عن مساعدة نفسه في هذا الأمر، ولو لم يكن عاجزاً لكان قد تفاعل بشكل أكثر إيجابية مع مبادرات وقف الحرب التي جرى طرحها من جانب أكثر من طرف.
لقد جرى طرح مبادرة من جانب البابا فرنسيس الأول، بابا الڤاتيكان، ثم جرى طرح مبادرة أخرى من جانب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه، ثم جاءت هذه المبادرة الأخيرة من جانب الرئيس الصيني شي جين بينج. وفي المرات الثلاث كان سوء الحظ يحالف كل مبادرة، فكانت تحظى بالقبول لدى طرف من طرفي الحرب، ولا تحظى بالقبول لدى الطرف الآخر.
ولكن ما يهمنا هنا هو أن التلوث البيئي الناتج عن استخدام الفحم في ألمانيا، لن يتوقف عند حدود الأراضي الألمانية، ولكنه سينتشر في أنحاء الأرض، وسيكون لنا نصيب فيه بالطبع، وسيحصل كل واحد منا على حظه من هذا التلوث وهو يتنفس، ثم وهو يعاني تغيرات المناخ على مدى السنة.
فما المعنى مرةً ثانية في هذا كله؟ المعنى أن هذه الحرب التي تدور هناك على الحدود الروسية الأوكرانية، إنما تدور تحت أقدامنا في حقيقة الأمر، وفوق سمائنا وفي فضائنا، ولا أدل على ذلك إلا هذا التزايد الألماني في استهلاك الفحم.
والمفارقة أن ألمانيا كانت تخطط منذ فترة لوقف استخدام الفحم تماماً، وكانت جماعات الخضر داخلها تنشط في هذا الاتجاه، وكان طموحها يصل إلى حد وقف استخدام المفاعلات النووية في توليد الطاقة، وكان الهدف هو العمل على توفير بيئة عالمية نظيفة من الملوثات.
وإذا بالحرب تعيدنا جميعاً إلى المربع واحد، ولذلك، فالدعوة إلى وقفها فرض عين على كل واحد منا في مكانه.
[email protected]
سليمان جودة
البابا فرنسيس الأول، بابا الفاتيكان، هو البابا السادس والستون بعد المئتين للكنيسة الكاثوليكية، وهو في الخامسة والثمانين من العمر، ولا بد أن نمسك الخشب ونحن نتحدث عن عدد سنوات حياته، ولا بد أن نتمنى له حياة مملوءة بكل ما يخفف من آلام هذا العالم.
وعلى الرغم من هذه السن المتقدمة فإن الرجل لا يجد مناسبة ترسخ للتعايش بين الناس في كل مكان، إلا ويبادر إلى حضورها بنفسه متحملاً مشاق السفر، وضارباً المثل للجميع على أن الإنسان لا بديل عن أن يكون إيجابياً في مجتمعه وفي عالمه الذي يعيش فيه.
ولا يزال هو صاحب المبادرة شبه الوحيدة لوقف الحرب الروسية الأوكرانية، ولكن صوت المدَافِع كان أقوى من صوته بكل أسف، فلم تتوقف الحرب التي انقضى عام كامل من عمرها في الرابع والعشرين من هذا الشهر، والتي لم تدع بيتاً في العالم إلا ووصلت بتداعياتها إليه.
ففي الرابع من مثل هذا الشهر في 2019 كان البابا ضيفاً في أبوظبي، وكان معه الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وكان الهدف هو توقيع «وثيقة الأخوة الإنسانية» التي صارت أشهر وثيقة من نوعها، والتي لا تزال تطمح لأن تكون وثيقة حاكمة في حياة الناس، فمبادؤها لا ترغب في شيء سوى أن تسود قيم السلام بين الكافة، وأن تعلو قيم احترام الآخرين على ما عداها من قيم، وأن نؤمن جميعاً بأن المقاصد العليا للأديان هي مقاصد واحدة.
وفي نوفمبر/ تشرين الثاني من السنة الماضية كان مع الإمام الأكبر في البحرين، وكان الرجلان يجددان حديث الوثيقة، ويدفعان في شرايينها المزيد من الدماء، وكان البابا يؤم قداساً حضره ما يزيد على ثلاثين ألفاً من المسيحيين في العاصمة البحرينية المنامة.
والذين رأوه يذهب في تلك الرحلة على كرسي متحرك، لا بد أنهم قد أكبروا فيه الذهاب، ولا بد أنهم قد رفعوا له شارة التحية في كل مكان.
أما مناسبة هذه السطور عن بابا الفاتيكان، فهي أنه استقبل وفداً شعبياً خليجياً منتصف الأسبوع المنقضي، وأنه راح على مسمع من أعضاء الوفد يجدّد الحديث عن مبادرته لوقف الحرب الروسية الأوكرانية، فقال ما معناه إنه لا يجوز أن يقف المرء متفرّجاً على الحروب، وأن على كل محبي السلام في عالمنا ألا يقفوا متفرجين، وأن يكونوا بالمرصاد للذين يغذون نار الحرب بين الشعوب.
ومما كان يقوله سعد باشا زغلول، زعيم حزب الوفد المصري في مطلع القرن العشرين، أنه يعجبه الصدق في القول، والإخلاص في العمل، وأن تقوم المحبة بين الناس مقام القانون.
ولن تجد فرقاً كبيراً بين ما كان زعيم الوفد يدعو إليه في وقته، وبين ما دعا إليه البابا في لقائه مع الوفد الخليجي الزائر، على الرغم من أن قرناً كاملاً يفصل بين ما قيل في بدايات قرن مضى، وبين ما يقال هذه الأيام في العقد الثالث من هذا القرن، ولكن المعنى أن الداعين إلى المحبة بين الأمم يجب ألا ييأسوا، وألا يتوقفوا عن بث التفاؤل في نفوس الناس، وأن يواصلوا زراعة الأمل في كل الأوقات.
وإذا دلّت «وثيقة الأخوة الإنسانية» على شيء، فهذا الشيء هو أن زراعة الأمل طويلة الأمد بطبيعتها، ولكنها تأتي بحصادها وإن طال الزمن.
[email protected]
سليمان جودة
الخبر الذي أذاعه جهاز التعبئة العامة والإحصاء في القاهرة يوم 13 من هذا الشهر، لا بد أنه استوقف كثيرين أمام شيء لم يتوقعوه.
كان الخبر يقول نقلاً عن مصادر دولية للإحصاء، إن عدد الذين يستمعون إلى الإذاعة حول العالم وصل في العام الماضي إلى ثلاثة مليارات و41 مليون مستمع، وأن الزيادة في هذا العدد من المستمعين مقارنة مع عدد مستمعي 2021 تصل إلى 24 مليوناً.
وكانت المناسبة التي دفعت الجهاز إلى إذاعة هذا النبأ، أن يوم 13 فبراير/ شباط من كل سنة يوافق يوم الإذاعة العالمي، وأن خبراً كهذا، سيسعد محبي الراديو بالتأكيد.
ونحن نعرف أن عدد سكان العالم وصل في نوفمبر/ تشرين الثاني من السنة الماضية إلى ثمانية مليارات نسمة، وأن معنى هذا الخبر الذي أعلنه جهاز الإحصاء، أن ما يقرب من ثلث أهل الأرض يستمعون إلى الإذاعة ويحبونها، وهذا لا بد أنه نبأ سار على أكثر من مستوى.
هو سار لأن كثيرين كانوا يتصورون إلى ما قبل إذاعة هذا الخبر، أن الإذاعة لم يعد لها أي جمهور، وأن التلفزيون في مرحلة تالية لظهورها قد استولى على جمهورها، وأن جهاز الموبايل في مرحلة حالية، قد استولى على ما تبقى من الجمهور، وأن مستمع الراديو صار كالغريب في بلاد غريبة، وأن الذين يستمعون إليه أصبحوا قليلين إلى حد لا نكاد معه نذكرهم ولا نتوقف عندهم.
وهو سار على مستوى آخر، لأن كل محب للإذاعة من حقه أن يستشعر منذ اليوم، أو بالأدق منذ قرأنا هذا الخبر، أنه كمستمع للراديو لا يشكل أقلية كما كان يتصور، وأنه لا يفعل شيئاً غريباً من نوعه، إذا ما أنصت إلى ما تقدمه الإذاعة عبر أثيرها كما كان يتخيل.
والخبر سار على مستوى ثالث؛ لأن الراديو إذا كان يغذي خيال مستمعيه كما نعلم، فالخبر الذي يتحدث عن أعداد المستمعين يقول لنا، إن الخيال لا يزال له مكان، في ما تقدمه وسائل الإعلام المسموعة، وأن المادة المذاعة لها من يستمع إليها وينتظرها؛ بل ويسعى إليها، ويحرص على الانصات لما تقوله، ويجد فيها ما يرضيه، ويعجبه، ويعوضه عن كل ما عداها.
وليس سراً، أن جانباً كبيراً من جمهور الإذاعة كان يرسم صورة في ذهنه لنجوم الراديو، سواء كانوا من المذيعين، أو المخرجين، أو الممثلين، وكانت هذه الصورة مثالية الملامح في الأغلب، ولم يكن صاحب هذه الصورة من المستمعين يحب أن يرى النجم الإذاعي رأي العين، وإنما يسمعه فقط، لأنه كان يحب أن يحتفظ بالصورة كما رسمها، ولم يكن يحب أن يطرأ عليها ما يخدشها أو ما يغيّرها.
وما هو غريب حقاً، أن نكون في عصر يتميز بأنه عصر الصورة، ثم يكون في هذا العصر نفسه هذا العدد الهائل من المستمعين، الذين لا تبعدهم الصورة عمّا يحبون، والذين يفضلون أن يظل كل واحد فيهم غارقاً في خياله وهو يستمع إلى ما يشده ويفيد عقله ووجدانه.
كان الدكتور ثروت عكاشة، وزير الثقافة الأشهر في مصر، قد وضع كتاباً عنوانه «العين تسمع والأذن ترى» وكان يعكس الأمر في السمع والرؤية كما ترى، وسوف لا تجد أفضل من عنوان كتابه في التعبير عن بُعد من أبعاد هذا الرقم المذاع عن أعداد المستمعين.. فكل واحد منهم يفضل في غالب الأمر أن يرى بأُذنه، لا بعينيه، مع ما في ذلك بالطبع من مزايا لا يعرفها إلا محب الراديو.
الذين يستمعون إلى الراديو في أعلى حالاتهم المعنوية هذه الأيام، أما السبب فهو أن الشهادة في حقهم جاءت بالرقم الذي لا يُكذب ولا يتجمل.
[email protected]
سليمان جودة
ليس سراً أن القمة العالمية للحكومات، التي يطلقها، صباح الغد، صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، كانت منذ دورتها الأولى تنشغل بالمستقبل، وتتمسك به، ولا تفكر إلا فيه.
وليس أدل على ذلك إلا أنها في دورة من دوراتها القريبة، كانت تتحدث عن الفيروسات، وعمّا يمكن أن ترتبه في حياة البشر من تحديات، إذا ما فاجأتهم على ظهر الكوكب ذات يوم.. حدث هذا بالفعل في دورة لم تكن بعيدة عن زمن فيروس كورونا، إلا بما هو مقدار رمية حجر، فلما دارت الأيام دورتها أطل كورونا علينا، ففعل بحياتنا ما لم نكن نتخيله أو حتى نتوقعه، لكن القمة من جانبها كانت قد ألمحت إلى ظلال المسألة من بعيد، وكانت قد نبّهت، لعلنا نأخذ حذرنا ونحن نتحرك على الأرض.
وفي الدورة الخامسة التي كانت قد انعقدت في مثل هذا الشهر من عام 2017، كان محمد القرقاوي، وزير شؤون مجلس الوزراء، رئيس قمة الحكومات، قد أدار حواراً مع الملياردير الأمريكي إيلون ماسك، الذي كان وقتها يترأس شركتي تسلا وسبيس إكس.
في ذلك الوقت كان الحديث مع ماسك عن تنبؤات المستقبل كما يراها، وكان يتحدث عن مساحة أوسع تحتلها السيارات ذاتية القيادة في مستقبل العالم، وكان يرى أن الذكاء الاصطناعي سوف يكون له دور أكبر في دنيا الناس، وكان يتوقع أن يحدث ذلك خلال عقد من الزمان لا أكثر في الأغلب، أي في مسافة زمنية يصل سقف مداها إلى عام 2027.
ولو أنت جربت أن تتطلع إلى حال أهل الأرض عند أول هذا العقد الذي تحدث عنه ماسك، ثم حالهم عند آخره، فسوف تكتشف أن حديث الوزير القرقاوي مع صاحب الشركتين، كان حديثاً يقرأ ما هو قادم، ويتحسب للتعامل معه، أكثر مما كان بالطبع ينظر إلى الماضي، إلا بمقدار ما يفيدنا هذا الماضي في الذهاب إلى المستقبل.
وإذا ضممت حديث القمة عن الفيروسات، إلى حديث الرجلين عن التنبؤات في مقبل الأيام، فسوف يتبين لك أن هذه قمة أولها المستقبل بكل معانيه وآخرها أيضاً، وأنها معنية به وبقضاياه أكثر مما هي معنية بشيء آخر، وأنها تحتشد من أجل هذا الهدف قبل كل دورة جديدة، فلا تذهب إليها إلا وهي متأهبة ومستعدة.
وليست قمة هذه السنة خروجاً على هذه القاعدة طبعاً؛ بل هي حلقة تنضم إلى حلقات، وهي خطوة أخرى في اتجاه المستقبل تضاف إلى خطوات.
ولا بد أن الحديث عن الابتكار في محور من محاور قمة هذا العام، هو من قبيل الانشغال بالمستقبل الذي يذهب إليه الناس بوتيرة متسارعة، والذي لا يترك فرصة أمام أحد لالتقاط الأنفاس.. وهذا في الحقيقة ما يجعل قراءة المستقبل عملية صعبة للغاية في ظل هذا الإيقاع المتسارع، لكن القمة وضعت لنفسها هدفاً حددته منذ لحظة إطلاقها، ولا تستطيع أن تحيد عنه، ولا أن تنحرف في اتجاه آخر سواه.
ومن بين السطور المنشورة عن جدول أعمال القمة المرتقبة، نقرأ أن الحوار القديم بين الوزير القرقاوي وماسك سوف يتجدد في إحدى قاعاتها، وسوف يواصل ما جرت قراءته من قبل، وسوف يبني على ما تم بناؤه في الدورة الخامسة.
وهذه مفاجأة من مفاجآت القمة التي لا تتوقف عن إطلاق المفاجآت، لأن الدنيا في هذه الدورة الجديدة للقمة، ليست هي الدنيا التي دار فيها الحوار السابق، ولا حتى ماسك هو ماسك، الذي تجاوز رئاسة الشركتين إلى امتلاك منصة تويتر بكل ما لها من تأثير في شتى الأنحاء.
وليس لتجدد الحوار بينهما من معنى، سوى أن قمة الحكومات العالمية تجدد عقدها مع المستقبل، بقدر ما تجدد عهدها أمام الحكومات، وبقدر ما تجدد الثقة مع الجمهور.
[email protected]
اختار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب مدرسة ثانوية في ولاية نيو هامبشير، ليعلن منها إطلاق حملته الانتخابية الجديدة.
والقصد من وراء الحملة الانتخابية التي أطلقها الرجل في 28 يناير الماضي، هو أن يخوض السباق الرئاسي نحو البيت الأبيض في العام المقبل، وليس سراً أن الانتخابات ستنعقد يوم الثلاثاء الأول من نوفمبر2024، وأن الرئيس الأمريكي جو بايدن قال: إنه يدرس إمكانية خوضه السباق من عدمه، وأنه سوف يعلن قراره في اللحظة التي يراها مناسبة.
ولا شيء تقريباً يمنع ترشح بايدن سوى سنه المتقدمة، فهو قد احتفل قبل أسابيع بعيد ميلاده ال80، لكن هذه السن لا تمنعه من التفكير في خوض السباق.
وفي الفترة الأخيرة كان الخصوم السياسيون للرئيس بايدن، قد نشطوا في نشر ما يدل على أن لياقته البدنية وغير البدنية لم تعد كما كانت، وكنا قد تابعنا مقاطع من فيديوهات على مواقع التواصل، وهو يظهر في مظهر الضعف، كما أنه وقع في عدد من زلات اللسان فاتخذها الخصوم دليلاً على تراجع اللياقة، وكذلك كان قد سقط من فوق دراجة كان يقودها، ولم يعبأ بهذا كله، ومضى يقول إنه يفكر في الترشح مرةً ثانية، خصوصاً أن الدستور يمنحه ولايةً ثانية وأخيرة.
وإذا كانت السن المتقدمة هي تقريباً العقبة الوحيدة في طريق بايدن نحو البيت الأبيض، فهذه عقبة يمكن تجاوزها والقفز فوقها عند اللزوم، لأن الكثير من السياسيين حول العالم حكموا بلادهم في مثل هذه السن؛ بل وفي سن متقدمة عليها. وإذا شئنا مثالاً معاصراً لنا، فسنجده في مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا، الذي عاد إلى حكم بلاده بعد أن تجاوز التسعين.
لكن المشكلات في طريق ترامب في المقابل كثيرة ومتنوعة، وفي المقدمة منها ما يواجهه حالياً من ملاحقات قضائية، تريد أن تثبت أنه كان له دور مباشر في التحريض على اقتحام مبنى الكونغرس، فالاقتحام الذي وقع في السادس من يناير/ كانون الثاني 2020 كان بلا نظير في التاريخ الأمريكي كله، والذين شاركوا في الاقتحام كانوا من بين أنصاره، وهو كان ولا يزال يعتقد أن الفوز في السباق الذي جاء ببايدن إلى الحكم كان من نصيبه هو، لولا أن «شيئاً ما» في تقديره قد حدث في الانتخابات.
وعلى الرغم من أن التحقيقات في مشهد الاقتحام لا تزال جارية، فإن شعبيته فيما يبدو للمتابعين لم تعد كما عرفناها، وكانت انتخابات التجديد النصفي في الكونغرس نوفمبر الماضي، هي المؤشر الذي أظهر أن اسمه يتراجع في بورصة الأسماء المرشحة لخوض السباق.
فالحزب الجمهوري الذي ترشح ترامب تحت مظلته في السابق، ويريد الترشح تحت مظلته أيضاً في اللاحق، لم يفلح في حصد أغلب المقاعد في مجلس الشيوخ، وحصدها بشق الأنفس في مجلس النواب، وحقق أغلبية فيه بفارق بسيط مع الديمقراطيين. وجاء الانطلاق المتواضع للحملة الانتخابية، من حيث المكان الذي انطلقت منه، ومن حيث العدد الذي حضر، ليضاف مؤشراً جديداً إلى المؤشر القديم، وليقول إن الناخب في الساحة السياسية الأمريكية هو البطل، وأن الرهان لا يكون إلا عليه.
وإذا كان مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي السابق، قد طرح مذكراته، مؤخراً، فمن الواضح أنه يتحسس مكانه في السباق إلى البيت الأبيض، وكذلك يفعل مايك بنس، الذي كان نائباً للرئيس ترامب، ومن هذا كله نفهم أن بورصة الأسماء في هذا السباق تنتعش، وستنتعش أكثر من هنا إلى آخر السنة.
[email protected]