24 مارس 2026
حين يعلّمنا مرضى السرطان معنى القوة
في الوعي العام، ما زال مرض السرطان يُختزل في صور الألم والضعف، وكأن الإنسان في هذه التجربة يفقد حضوره لصالح المرض. هذه الصورة، رغم انتشارها تظلم الحقيقة أكثر مما تشرحها، فكل من عايش هذه التجربة عن قرب، يدرك أن ما يحدث داخلها ليس انكساراً فقط، بل تحوّل عميق يكشف عن طبقات من القوة لا تظهر في الظروف العادية.
مرضى السرطان لا يعيشون تجربة صحية فحسب، بل يخوضون رحلة إنسانية تعيد تعريف مفاهيم راسخة في المجتمع؛ مثل الصبر، والشجاعة، والأمل، وهنا الصبر ليس انتظاراً سلبياً، بل قدرة واعية على الاستمرار رغم القلق وعدم اليقين، والشجاعة لا تظهر في لحظة استثنائية، بل تتجلى يومياً في مواجهة تفاصيل صغيرة لكنها مرهقة: جلسة علاج، خبر طبي، أو حتى صباح جديد يبدأ بإرادة الاستمرار.
هذا ما يفسّر لماذا ينظر علم النفس الحديث إلى هذه التجربة بوصفها مساحة لتكوّن ما يُعرف بـ«المرونة النفسية»؛ وهي قدرة الإنسان على التكيّف مع الأزمات دون أن يفقد توازنه الداخلي. هذه المرونة لا تُدرَّس في الكتب بقدر ما تُعاش في واقع المرضى، الذين يطوّرون مع الوقت مهارات داخلية تمكّنهم من إعادة ترتيب حياتهم، والتعامل مع الخوف، والمضي قدماً رغم كل شيء.
ولعل أكثر ما يلفت في هذه التجربة هو حضور الأمل، لا بوصفه فكرة مثالية، بل كطاقة عملية تساعد على الاستمرار، فالأمل، كما تؤكد دراسات علم النفس الإيجابي، ليس مجرد شعور عابر، بل عنصر أساسي في التكيّف مع المرض والالتزام بالعلاج، ولهذا يتحول كثير من المرضى، دون قصد، إلى مصدر دعم حقيقي لغيرهم؛ سواء داخل أسرهم أو في محيطهم، فينقلون تجربة إنسانية تُلهم وتُطمئن في آن واحد.
هذه الصورة، التي تتكشف لمن يقترب من المرضى، تفرض على المجتمع مراجعة الطريقة التي ينظر بها إليهم، فالمريض ليس فقط متلقياً للدعم، بل شريك في إنتاج معنى مختلف للحياة، ومعلم في الصبر والمثابرة، وصاحب تجربة إنسانية تستحق أن تُروى كما هي، بعمقها وتعقيدها، لا باختزالها في الألم.
حين نغيّر هذه النظرة، لا نمنح المرضى فقط مساحة أوسع من الكرامة والاعتراف، بل نمنح أنفسنا فرصة للتعلّم، إذ تذكرنا قصصهم بقيمة الوقت، وأهمية العلاقات، وقدرة الإنسان على التكيّف مع أقسى الظروف.