صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
عاطف الغمري
إعلامي
أحدث مقالات عاطف الغمري
26 مارس 2025
وثيقة إسرائيلية لصناعة الأزمات

شغل تفكيري لسنوات مضت، وثيقة إسرائيلية رسمية، تتضمن أهدافاً لفترة الثمانينات، ثم تأكد فيما بعد أنها تمثل استمرارية للتفكير الإسرائيلي حتى يومنا هذا.
الوثيقة كنت قد حصلت على نسخة منها في فترة عملي بالولايات المتحدة، وحرصت على الاحتفاظ بها، لكنها توارت في زحام الأوراق المكدسة في مكتبتي الخاصة، إلى أن عثرت عليها أثناء إعادة ترتيب المكتبة.
الوثيقة عنوانها «استراتيجية لإسرائيل في الثمانينات» وتتضمن هدفين، الأول: أن تصبح إسرائيل قوة إمبريالية مهيمنة على المنطقة. والثاني: تفتيت المنطقة بأكملها إلى دول صغيرة، بتفكيك جميع الدول العربية، وأن هذا التفتيت هو الذي سيجعل الدول العربية مهيّأة للخضوع للهيمنة الإسرائيلية.
كانت بداية الكشف عن هذه الاستراتيجية، في مقال نشر بمجلة «كيفونيم Kivonim»، الناطقة باسم إدارة الإعلام بالمنظمة الصهيونية العالمية، وتولّى كتابتها الصحفي الإسرائيلي أوديد ييسنون، وكان يعمل قبلها بوزارة الخارجية الإسرائيلية.
ونشرت الوثيقة عام 1882 في بلمونت بولاية ماساشوسيتس، بعد أن سربتها جمعيه خريجي الجامعات من العرب الأمريكيين.
وتقول الوثيقة إن إسرائيل في الثمانينات تتحدث عن الفرصة المتاحة لها لأول مرة منذ حرب 1967، ضمن سلسلة من المواقف الرسمية الإسرائيلية، وبدعم من الولايات المتحدة، من بينها ما حدث فيما بعد تاريخياً وفقاً للمراجعات الإسرائيلية، عندما تحدث الرئيس جورج بوش الابن في كلمة أمام معهد أمريكان انتربرايز، وقال: إن العراق سيكون بعد الحرب مباشرة، والتي بدأت عام 2003، النموذج الملهم لخطة التقسيم الطائفية لدول المنطقة، وأنظمة الحكم فيها.
وحسب تقديرات إسرائيل لفترة الثمانينات، فإن حساباتها كانت تضع على قمة أسباب قلقها، اتجاه ميزان القوى بينها وبين الدول العربية، إمكان أن تشهد هذه الدول عمليات تحديث ونهضة وتقدماً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، يكون من شأنه تعديل ميزان القوى لغير صالح إسرائيل.
كذلك دعت الوثيقة – ضمن مخططها العام - وضع يد إسرائيل على سيناء، وطرد الفلسطينيين من بلادهم، وتفريغ فلسطين كلها من الفلسطينيين.
ثم تذكر الاستراتيجية أن إسرائيل أصبحت تحتاج منذ مطلع الثمانينات إلى نظرة جديدة لمكانتها وأهدافها في الداخل والخارج، وفي إطار هذا التفكير، فإنّ بن غوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل كان قد لجأ عقب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 إلى تعليق خريطة جديدة لإسرائيل على جدران الكنيست، تضم سيناء كجزء من إسرائيل، ولم يردعه سوى تهديد الرئيس الأمريكي آيزنهاور بمعاقبة إسرائيل إذا لم تنسحب من سيناء.
وكان شلومو بن عامي وزير خارجية إسرائيل الأسبق قد ذكر في كتابه «الفخ» أن إسرائيل تسير منذ أواخر السبعينات على ما يُسمّى استراتيجية المراحل بنقل الموقف الفلسطيني من مرحلة أزمة إلى أخرى وصولاً إلى الهدف النهائي بابتلاع كل فلسطين، وهو ما يحدث جانبٌ منه الآن في غزة بخطط إفراغها من سكانها.
وقال إن السلام لم يكن أبداً خياراً إسرائيلياً، لأن السلام يمكن أن يضعف من حالة التأهب المبنية على الشعور الجماعي بخطر الحرب، ومن ثم يتم إقناع الإسرائيليين بأن الحرب هي الضمان لعدم تفكك المجتمع متعدد الانتماءات والمشاعر، والتي تحول دون الصدام والتفكك لسكان دولة في مجتمع أقرب إلى التجمعات القبلية.
وإذا كانت النتائج العسكرية لحرب 73 قد فتحت الطريق في حسابات قادة إسرائيليين إلى الاقتناع بفكرة السلام، وهو ما كان رئيس الوزراء الأسبق يهود باراك قد اعترف به، وقال إن فشل الإسرائيليين في حرب 73 قد أحدث تحولات فكرية، جعلت الكثيرين يقتنعون بأن السلام هو الضمان الوحيد لأمنهم. لكن انقلاباً حدث على هذا المسار بمجيء حزب الليكود إلى الحكم بفوز نتنياهو عام 1996 ليصبح رئيساً للوزراء وكانت تلك بوابة للتراجع عن السلام.
حتى إن نتنياهو في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قد رفع بين يديه خريطة لإسرائيل كما يتخيلها، تضم كامل الأراضي الفلسطينية ومساحات من أربع دول عربية أخرى، متبنياً مضمون «وثيقة لإسرائيل في الثمانينات».
على امتداد السنوات وبينما إسرائيل تركز في سياساتها على نهج محدد، لا يخرج عن البطش بالفلسطينيين والاستيلاء على أرضهم وحقوقهم منذ النكبة الأولى عام 1947 وما تلاها من مؤامرات وُضعت لها خطط تنفيذية، فإن المصطلحات التي استخدمها مسؤولون إسرائيليون، ومراكزهم السياسية كانت تدور حول معاني البطش بأصحاب الأرض وإحالة حياتهم إلى جحيم، ثم لحق بذلك التوسع العدواني الاستعماري على حساب دول عربية أخرى، تمثل في العدوان واسع النطاق على لبنان، ثم توسيع دائرة العدوان الاستعماري في سوريا.
كل ذلك كان يلخصه مصطلح واحد يحمل عنوان استراتيجية صنع الأزمات لدول المنطقة بأكملها، وهو التعبير الذي يعكس بشكل عام كل ممارسات إسرائيل العدوانية ضد المنطقة العربية بأكملها، والذي لم يتطرق الإسرائيليون إلى النطق به أو استخدامه من قبل، وهو يتكون من ممارسات يمكن بها ملاحقة دول المنطقة بأزمات واحدة وراء أخرى، إلى أن نطق بها مؤخراً خبراء في مراكز بحوث إسرائيلية بنطقهم بمصطلح «صناعة الأزمات»، كاشفاً عن ممارسات كانت تتم تحت مسميات أخرى، بينما الخطط الإسرائيلية لم تتغير منذ بداياتها.

12 مارس 2025
العلاقة المتحولة بين أمريكا وأوروبا

تلاحقت تفسيرات كبار الخبراء في شؤون الدولة الأمريكية، من حيث التاريخ، والمواريث الثقافية، والقيم والتقاليد المستقرة على طول الأزمان، وشملت مناقشة تأثيرات ممارسات دونالد ترامب على هذه المواريث. وجميعهم لا ينتمون إلى فصيل سياسي واحد، بل يتوزعون بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
وفي ختام هذا الجدل قام الخبير الاستراتيجي الأمريكي إريك بردون العضو البارز في الحزب الجمهوري بتلخيص علامات المخاوف والقلق التي سيطرت عليهم بطرح سؤال محدد اتفقوا عليه وهو: هل تحولت العلاقة بين أمريكا وأوروبا من الحليف إلى العدو؟ وجاء السؤال تعبيراً عن توقعات ناتجة عن طريقة ترامب في الحكم وممارسة السياسة.
أشعل هذه المخاوف خطبة نائب ترامب، جي دي فانس أمام مؤتمر قمة ميونخ للأمن في انتقاد حاد للحلفاء، ودفاع عن تيارات اليمين المتطرف في أوروبا، والتي تعد خصوماً للأنظمة التقليدية التي تمثل عموم شعوب هذه الدول، بحيث جاء الخطاب يمثل نوعاً من الانقلاب السياسي المعهود، وفي دفاع مخالف للقيم المشتركة التي جمعت تاريخياً بين أمريكا وأوربا.
هنا علقت مجلة «إيكونوميست» البريطانية بقولها إن ترامب يعمل على تقويض الديمقراطية ليس في الدولة الأمريكية وحدها، بل في كل أوروبا. وهو ما يكشف عن توجهات تُلحق ضرراً بالنظام الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية والذي ترتكز عليه قاعدة النظام الدولي، وهو ما يعنى نهاية مرحلة تاريخية في علاقة الأمن الغربي للأطلسي، وبداية مرحلة تختلف فيها المسيرة الأمريكية عن الأوروبية.
ثم جاءت خطبة «جي دي فانس» مهاجماً قادة أوروبا، بوصفه قراراتهم بالسيئة، ما دعا المشاركين للقول إنه بذلك يتحالف مع اليمين المتطرف.
وسارع بالرد عليه كريستوف هيوسجون رئيس المؤتمر بالقول علينا أن نحذر من أن قاعدة المبادئ المشتركة بيننا كحلفاء لم تعد مشتركة بعد اليوم، مثمناً مواقف المشاركين في المؤتمر الذي عارضوا نائب رئيس أمريكا، والذي جعل الدولة الأمريكية في عهد ترامب تتدخل في أمس الشؤون الداخلية للحلفاء.
وشاركتهم صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية في التعبير عن قلق قادة أوروبا من سلوكيات ترامب، وفي الحال قرر قادة أوروبا عقد قمة لمناقشة موقفهم من تصرفات ترامب الانفرادية، والتي بدأت باستبعاد الحلفاء من التفاوض على حرب أوكرانيا، وما قرره قادة أوروبا من عقد قمة خاصة لمواجهة خطط ترامب.
وتحدث خبراء أوروبيون قريبون من دوائر صنع القرار عن توقع انتهاج أوروبا لسياسات جديدة لحماية مصالحها وفي المقدمة منها اقتصادها.
وهو ما نتج عنه رفع شعار مضاد للنهج الأمريكي بقول «أوروبا أولاً» رداً على مقولة ترامب المتكررة «أمريكا أولاً»، والتي تعني استبعاد الحلفاء من أولوياته.
في هذا الإطار راحت ردود أفعال رؤساء دول أوروبا تتوالى، منها ما أعلنه دونالد توسك رئيس وزراء بولندا من وصف مواقف ترامب بالحمقاء، والتي تمثل حرباً تجارية على الحلفاء، وما أعلنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أنه في حالة تعرض أوروبا لهجوم أمريكي في مجال التجارة سيكون على أوروبا أن ترد وتفرض احترامها على الآخرين.
كما أن جاستون ترودو رئيس وزراء كندا أعلن أن بلاده ستفرض رسوماً جمركية عالية على واردات أمريكا من سلع بلاده. وأعلنت كلاويد شينباوم رئيسة المكسيك توقّع فرض إجراءات جمركية وغير جمركية ضد أمريكا، دفاعاً عن مصالح بلادها. كما عبر وزير المالية الياباني كاتسو نوبو كاترو عن قلق عميق من تضرر الاقتصاد العالمي بأكمله من الرسوم الجمركية الجديدة على دول مثل كندا والمكسيك والصين، بمعنى أنه لم يعد يفرق بين الحلفاء والخصوم، مشيراً إلى أن اليابان لا بد أن تتخذ الإجراءات المناسبة.
في نفس الاتجاه وصفت صحيفة «الغارديان» البريطانية قرارات ترامب بالعشوائية، وأنها تشكل خطراً على أمريكا ذاتها، من مظاهرها ارتفاع معدلات التضخم واضطراب حركة الصناعات، وحذر محللون أوروبيون من تطور التدهور في العلاقة إلى اندلاع حرب تجارية بين أمريكا وأوروبا، وهو ما سيؤدي إلى تراجع النمو في أمريكا، ورفع أسعار السلع الاستهلاكية على المدى القصير.
وتوقع المعلقون الأوروبيون أن يلجأ الاتحاد الأوروبي إلى ردود أفعال بما لديه من أسلحة كثيرة، وإذا اضطر لها فلن يكون لديه ما يخسره.
كانت البداية عندما راح ترامب يلاحق الأوروبيين بالضربات التي وصفت بالمواقف العدائية التي لا تفرق بين الأصدقاء والأعداء.
ونتيجة لكل ذلك بدأ الخبراء في أمريكا وأوروبا يتفقون على أن العالم يمر الآن بمرحلة تاريخية من التحالفات الدولية، وتنوع المصالح السياسية والاقتصادية، وبداية لمرحلة جديدة مختلفة من التحالفات الدولية.
إن واقعة خطاب دي فانس ستظل متجذرة في عقول ونفوس حلفاء أمريكا، وستكون لها تداعيات مستمرة التأثير.
ومن ناحية انتهاك ترامب للقواعد الملزمة للحلفاء خاصة الدولة القائدة للتحالف، من حيث إن قيامها بدورها لا يكتمل إلا بمساندة الدول المتحالفة معها، فقد بدأ العلماء المتخصصون في قواعد استمرارية وعمل التحالفات في التحدث عن وجود العديد من المواثيق الدولية والقانونية، منها على سبيل المثال ما عرف ب«Code Of Conduct For Members» وغيره الكثير، وكلها تحدد سلوكيات الأعضاء خاصة ما تلتزم به قيادة التحالف، والنص على أن معيار عدم الخروج على التوافق مع الحلفاء يتم بالموافقة عليه سنوياً.

19 فبراير 2025
ترامب.. وأفكار إسرائيل القديمة

تتابعت في مواقع سياسية في دول الغرب، عبارات تصف اقتراح الرئيس الأمريكي ترامب بتهجير سكان غزة من الفلسطينيين إلى سيناء، بأن ترامب يجلس في مقعد إسرائيل، وينقل عنها حرفياً ما خَطته يدُها لترحيل سكان غزة، وكان الإسرائيليون قد استبقوا ترامب بالترويج لنفس المشروع الذي بدأ يحمل اسمه لاحقاً، وهذه الأفكار هي جزء من مخطط قديم عُرف باسم الترانسفير «Transfer» أي التهجير القسري، والذي تردد في الأدبيات اليهودية القديمة، التي كانت تحلم بالوطن البديل.
وفي نفس المسار المتعدد الحلقات، هناك الوثيقة الإسرائيلية التي تحمل عنوان «استراتيجية إسرائيل للثمانينات»، والتي تسرّبت بعد حرب 1967، وتدعو لوضع يد إسرائيل على سيناء، وطرد الفلسطينيين من بلادهم.
النص الكامل لهذه الاستراتيجية نشر في عام 1982، ضمن مقال كتبه أودين أونين الكاتب بالصحيفة العبرية كيفونيم «Kivonim»، وقد سبق أن كان مسؤولاً بوزارة الخارجية الإسرائيلية، كما أن نفس الصحيفة هي ناطقة بلسان إدارة الإعلام بالمنظمة الصهيونية العالمية، وتتضمّن خططاً لتفتيت الدول العربية، بالإضافة إلى خطط جديدة لتفريغ فلسطين من الفلسطينيين، وتقول هذه الاستراتيجية أيضاً: «إن إسرائيل تحتاج منذ مطلع الثمانينات إلى نظرة جديدة لمكانتها وأهدافها في الداخل والخارج». ثم تقول بالنص: «إن استعادة سيناء بما فيها من موارد، هي أولوية سياسية، وإن اتفاقات كامب ديفيد قد أوقفت استخدام إسرائيل لها كاحتياطي استراتيجي في الاقتصاد والطاقة».
وتتوالى نفس الأطماع الإسرائيلية القديمة عبر السنين، وهو ما كشف عنه جاكوب هيرتزوغ، المدير العام لمكتب رئيس الوزراء، بما قاله من أن اثنين من الصحفيين الإسرائيليين هما يوسي ميلمان، المحرر الدبلوماسي لصحيفة «دافار»، ودان رافيف، مراسل شبكة «س. إن. بي. سي»، في لندن، قد كشفا عما دار في اجتماع لمجلس الوزراء الإسرائيلي قبل أسبوعين من انتهاء حرب 1967، من مناقشة حول إعادة توطين الفلسطينيين في غير أرضهم، وأن مناحم بيغين، رئيس الوزراء، أوصى بتدمير مخيمات اللاجئين، وترحيل الفلسطينيين إلى سيناء، وكان أرييل شارون قد أزاح الستار عن هذه الخطة في اجتماع عقد في تل أبيب في نوفمبر/تشرين الثاني 1987.
قبل ذلك وفي عام 1956 رفض بن غوريون الموافقة على خطة لموشي ديان بالاستيلاء على غزة، إلا بعد الخلاص من سكانها، وقال له، لا أريد غزة وبها فلسطينيون.
ويضيف إلى ذلك شلومو بن عامي، وزير خارجية إسرائيل الأسبق، في كتابه «ندوب الحرب وجروح السلام» الصادر عام 2006، أن بن غوريون كانت لديه خطة لطرد الفلسطينيين، وأنه كان ينتظر التوقيت المناسب لتنفيذها.. وأن أفكار بن غوريون تعود إلى الخطط التي وضعتها الحركة الصهيونية منذ أول جولة للحرب في فلسطين.
وكشفت مصادر دراسات إسرائيلية عن أن التفكير في إخلاء غزة من سكانها، يرتبط بهدف آخر يعود إلى مخطط قديم، بالرغبة في السطو على مصادر حقول الغاز والبترول في غزة، وهو ما كانت إسرائيل قد بدأت في الإعداد له قبل سنوات بتعاقدها مع شركة بترول أمريكية، للمشاركة في استغلال هذه الثروات.
ولوحظ أن الإسرائيليين بدأوا التمهيد للترويج لمشروع ترامب، حتى من قبل أن يُعلنه، وقالوا، إن الحكومة تبحث فعلاً في إعادة توطين مليون فلسطيني في إندونيسيا، وفي الحال ردّت إندونيسيا عليها بأن تلك أكاذيب لا علم لها بها.
وهي نفس الأكاذيب التي روّج لها الإسرائيليون عن استعداد دولة ألبانيا لاستضافة 100 ألف لاجئ فلسطيني من غزة كخطوة أولى، وفي الحال ردّ إيدي راما، رئيس وزراء ألبانيا، بقوله، إن تلك أخبار زائفة، وإن بلده تكنّ الاحترام الكامل والتضامن مع أهالي غزة.
وبدأت دول أوروبية حليفة لأمريكا تعلن رفضها لمشروع ترامب، فقد أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية رفضها للتهجير القسري للفلسطينيين، وأنه تصرف مرفوض من وجهة نظرها. وأيضاً أعلن المستشار الألماني أولاف شولتس أن تهجير الفلسطينيين من غزة هو تصرف غير مقبول، وأن عدالة حل القضية الفلسطينية تكون عن طريق حل الدولتين، ولا ينبغي المخاطرة الآن بالأمل في السلام. كما أعلنت الأمم المتحدة أن أرض فلسطين ستبقى أرضاً للفلسطينيين وفقاً للقانون الدولي.
كذلك نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية أن حلفاء ترامب رفضوا اقتراحه، وووصفه بأنه خطة للتطهير العرقي. وهو نفس الوصف الذي أطلقته أيما جراهام هاريسون، الناشطة في مجال حقوق الإنسان، بقولها إن اقتراح ترامب هو بالفعل دعوة للتطهير العرقي المخالف لكافة حقوق الإنسانية، وأن حلفاء أمريكا أنفسهم يصفونه بأنه تصرف خطأ وخطِر وغير مشروع.
إن المراقبين الدوليين على اختلاف انتماءاتهم اتفقوا على أن ترامب ينقل أفكاره عن خطط إسرائيلية قديمة، وهو ما دفع بعضهم إلى استخدام تعبير أن ترامب يجلس في مقعد إسرائيل، ويقرأ ما خطته بيديها من أفكار منافية لكل القوانين الدولية.
ولما كان الأوروبيون أنفسهم يعتقدون بأن ترامب ليست لديه خطة محددة لتنفيذ اقتراحه، وأنه يستلهم أفكاره عن أفكار إسرائيلية قديمة، فإنه سيجد نفسه في مرحلة ما، وقد ورّط نفسه في مشروع إسرائيلي عفّى عليه الزمن.

5 فبراير 2025
هل انتهت عهود أمريكا مع الديمقراطية؟

لا يكاد يمر يوم منذ تولى دونالد ترامب رئاسة أمريكا، إلا وقد عكف خبراء السياسة في أمريكا، والمختصون أساساً بمعنى الديمقراطية، على إعادة طرح الوضع الذي كانت أمريكا تتباهى به من أنها مهد الديمقراطية، وحيث ظلت تخاطب دول العالم وتطالبها بأن تحذو حذوها في الالتزام بالديمقراطية بصفتها سياسة وعقيدة.
وضمن ما توقف عنده المتابعون لما يجرى الآن في أمريكا، تلك الدراسة المتعمقة للمجلة البريطانية الشهيرة «إيكونوميست» التي قالت إن الوضع الحالي في أمريكا بعد أداء ترامب لليمين بصفته رئيساً، هو أن أمريكا في عهده لم تعد ضمن الدول التي تنعم بديمقراطية، حتى لو قورنت بدول تسودها بالفعل ديمقراطية كاملة، مثل كندا واليابان، ومعظم دول أوروبا، لكن أمريكا الآن تعاني تصدعاً ديمقراطياً وهو ما أصيبت به دول مثل إسرائيل.
ثم جاءت انتخابات ترامب، لتطرح سؤالاً ملحاً هو هل في مقدور ترامب أن يصمد أمام رفض داخلي من حشود أمريكية، رافضة لتفكيره، وهو ما يعني أن انتخابه يهبط بمستوى أمريكا بصفتها دولة إلى درك جديد من التراجع وخيبة الأمل.
ويصاحب ذلك سؤال آخر هو، هل تستطيع المؤسسات الأمريكية أن تدعم مقاومة ترامب، للمفاهيم التاريخية، خاصة أنه اتخذ مساراً لم يسبقه إليه أي من الرؤساء الذين سبقوه.
هنا طرحت مؤسسة Project Syndicate سؤالاً فاصلاً: هل تستطيع المؤسسات التقليدية الأمريكية التي اعتادت الحفاظ على التراث التاريخي والسياسي للدولة أن تصمد أمام خروج ترامب عن المألوف.
عندئذ استطلعت المؤسسة آراء خمسة من كبار الخبراء المتخصصين في هذا المجال، وقد أجمعوا كلهم على أن ترامب بدأ رئاسته الثانية بطريقة يصعب معها رؤية أي أمل يبشر بالخير، في وسط الضباب الأسود الذي يحيط بترامب من كل ناحية.
ومن ناحيتها نشرت صحيفة «الغارديان» مقالاً كتبه كاس ميود، تحت عنوان «هل سيدمر ترامب الديمقراطية الأمريكية؟. وأشارت الصحيفة إلى أن ترامب اختار في ثاني خطاب لتنصيبه في انتخابات 2024، أن يتكلم وكأنه دكتاتور وليس بصفته رئيساً.
وعقبت على نفس الخطاب جنيفر ميرسيكا خبيرة النظم الديمقراطية، وقالت إن خطاب ترامب لم يكن مثل أي خطاب رئاسي، وأنه تعمد الابتعاد في جلسة تنصيبه عن الاحتفالات التقليدية التي يتم فيها تأكيد قيمة الديمقراطية بصفته تراثاً أمريكياً، بل إن خطابه كان أقرب ما يكون إلى خطاب إعلان الحرب، ومن ثم، ابتعدت خطبته عن المألوف، حين تباهى بامتلاكه القوة وتمكنه منها بخلاف أي خطاب رئاسي في تاريخ أمريكا، وأنه سعى في فترة رئاسته الثانية قاصداً أن يكون دكتاتوراً، وهو ما ظهر من خطابه الذي لم يكن يتحدث فيه بصفته رئيساً.
في نفس الوقت الذي أظهرت فيه استطلاعات للرأي أن الأمريكيين يعتقدون الآن أن الديمقراطية في أمريكا في خطر، وهو ما أظهره آخر استطلاع للرأي من أن ثلثي الديمقراطيين و80٪ من الجمهوريين يعتقدون أن الحكومة الأمريكية تخدم نفسها والقوى المساندة لها على حساب الأفراد العاديين من الشعب الأمريكي.
وعلقت على ذلك كارولين كامبل أستاذة الاتصالات والصحافة بجامعه تكساس بقولها إن ترامب تجاوز كافه معايير الحاكم التي تقضي بأن الرئيس الجديد لا يمكن أن يكون ديكتاتوراً، أو ملكاً، أو حاكماً مستبداً.
وأضافت أن خطاب ترامب لم يظهر أي دليل على الحنو على الجنس البشري، فقد جاء صادماً للحس الإنساني الطبيعي، ومن حيث إنه لم يعترف بأن هناك حدوداً دستورية لسلطة الرئيس، وهو ما لم يحدث في تاريخ الرؤساء الذين سبقوه.
في نفس الاتجاه تساءلت الكاتبة جين كارول في دراسة لها تحت عنوان: «هل تستطيع الديمقراطية الأمريكية أن تعيش تحت رئاسة غير مسؤولة»، وقالت إن النظام الجديد سوف يقف خارج حدود الأنظمة السليمة والعفيفة.
لكن ارتفعت تساؤلات من المتابعين للمشهد الحالي، تتساءل عما إذا كان ترامب قد انقض على مفهوم الديمقراطية، أم أن هناك من سبقوه للطريق؟
فمثلاً كتبت فانيسا ويلياسوم أستاذة العلوم السياسية تقول إن هناك من الخبراء الذين اتفقوا على أن سلامة جوهر الديمقراطية الأمريكية كانت قد تدهورت، وإن بدايات الهبوط كانت خلال الأربعين سنه الماضية، وإذا استمرت أمريكا في نفس الطريق خلال العامين القادمين، فسوف يتم تجريف المحتوى الديمقراطي في مختلف مؤسسات الدولة.
وسبق أن نشرت قيادات مسؤولة بوزارة الخارجية في فترة رئاسة جو بايدن، خروجاً على ما تلزمه به القوانين الأمريكية، التي تلزم الرئيس بعدم تزويد دولة صديقة أو حليفة بالسلاح، إذا كانت تستخدمه في انتهاك لما تنص عليه القوانين الأمريكية. وكانت هذه القيادات تقصد دولة إسرائيل، بما كشفت عنه من معلومات، وقالت فيما نشرته وقتها في الصحف الأمريكية، إن بايدن رفض مشورة الإدارة المختصة بوزارة الخارجية، وأنه قرر الاستمرار في تزويد إسرائيل بالسلاح، حتى ولو كانت تنتهك قوانين أمريكا ذاتها.
المشهد الآن في أمريكا يبين أن ما يجري هناك يتناقض تماماً مع التعريف التاريخي الأمريكي لمعنى الديمقراطية، وحيث كانت الديمقراطية ترتبط بضمانات للحريات الفردية وحقوق الإنسان. وأن تكون الانتخابات تنافسية، بما يتيح للشعب أن تكون له في أجواء هذه الديمقراطية، سلطات مباشرة وفعالة ليقرر وفقاً لها، ما يصدر من قوانين، وما يتخذ من سياسات في أجواء ديمقراطية تمثيلية.

22 يناير 2025
إسرائيل.. والتأثيرات النفسية للاحتلال

الدراسات السياسية الدولية للشخصية الإسرائيلية بناء على عمليات القتل الجماعى لجميع السكان بما فيهم السيدات والأطفال، بدأت تحرك بحوث علماء النفس، بعيداً عن الاعتبارات والقواعد السياسية وفي تشخيص علمي للشخصية الإسرائيلية.
إحدى أبرز المؤسسات الدولية اهتماماً بهذا الجانب هي التي تعرف في بريطانيا بأكاديمية أوكسفورد Oxford Academy والمختصة بالطب النفسى، واهتمامها بما توصلت إليه من أن الشخصية الإسرائيلية تحركها دوافع نتجت عن إصابتها بالمرض النفسي، والذي ظهر بشكل لافت للانتباه في عيون المختصين عالمياً بهذه السلوكيات، والتي كان لنتنياهو دور كبير في إظهارها على هذا النحو، وهو ما يعكس تصرف حكومة نتنياهو مع الدول الأخرى، بمفاجآت للجميع في المسائل المتصلة بالسياسة والحرب بما يخالف معايير العلاقات الدولية والقوانين التي تحكمها.
حملت دراسة أكاديمية أوكسفورد عنوان «النتائج السيكولوجية الناتجة عن احتلال الأراضي الفلسطينية وانعكاساته سيكولوجياً على المجتمع الإسرائيلي».
وتهتم الدراسة بالخوض في تأثيرات الاحتلال على التفكير والسلوك، والمدفوع بحالة الصحة النفسية التي تنشر الاعتقاد بأولوية ممارسة العنف بحق الفلسطينيين، وأن الاحتلال في حد ذاته تسبب في تعريض أفراد المجتمع الإسرائيلي من جميع الأعمار لصدمات انعكست عليهم بالانجرار إلى تصرفات وسياسات كان رد الفعل هو الناتج لها. ثم إن الاحتلال يدفع المحتل بالضرورة نحو ممارسة العنف ضد الفلسطينيين، ويقود إلى قمع الخاضعين تحت الاحتلال، فالمحتل تتملكه باستمرار مخاوف من رد فعل الفلسطينيين على سلوكه العدواني، وهو ما أدى إلى نشوء أنماط جديدة من السلوك العدواني داخل المجتمع الإسرائيلي، بل إنه أفرز عداوات داخل دولة الاحتلال بين إسرائيليين وبعضهم بعضاً، كما أن نتنياهو حرص على إيجاد مناخ من الحروب، من شأنه – حسب اعتقاده بأنه سيوقف العداوات الداخلية، بين الإسرائيليين وبعضهم بعضاً، واستشهد المحللون بما أعلنته شبكات إسرائيلية بأن نسبة المصابين نفسياً بلغت 72%، كما توقعت صحيفة «إسرائيل هيوم» ارتفاع أعداد المعاقين نفسياً.
هنا تبرز مقولة مؤرخين إسرائيليين من أن حكومات دولة إسرائيل تفضل أجواء الحرب على فرص السلام، فقد أقامت فلسفة وجودها على وجود «العدو»، والذي يضمن لها – حسب رؤيتها – كبت الصراع الداخلي بين الإسرائيليين وبعضهم بعضاً، ولسان حالها يقول «لو لم يوجد العدو لأوجدناه».
وكشفت كثير من الدراسات أن الإسرائيلي يحمل هذه الظواهر والسلوكيات في أعماق فكره وفهمه للأمور حتى من قبل هجرتهم إلى فلسطين، وحين كانوا في أوروبا يعيشون في حارة اليهود «غيتو»، ثم ما أضافت إلى مشاعرهم مذابح الهولوكوست، ما خلق لديهم رد فعل مَرضيّاً بالانتقام من طرف لا دخل له فيما جرى لهم، وكانت النتيجة المُرضية أنهم صبّوا كل آيات الانتقام على الفلسطينيين، وكأنهم يطفئون سطوة سلوكيات هتلر على مشاعرهم.
بخلاف الدراسة العلمية لأكاديمية أوكسفورد، أخذت تظهر مراكز دولية بعضها في أمريكا، والبعض داخل إسرائيل نفسها، تركز على الجانب النفسى في السياسة الإسرائيلية.
فمثلاً نشر مركز أبحاث السلام في الولايات المتحدة دراسة بدأت بالقول بأن فترة وجود الاحتلال الأجنبي لدولة أخرى، تترتب عليها تداعيات نفسية قوية، وكان عنوان الدراسة «التداعيات السيكولوجية الاجتماعية للاحتلال الإسرائيلي لأراضي الفلسطينيين».
وهناك كتاب صدر بعنوان «الحالة النفسية في إسرائيل» نشرته دار روتيلبرغ تأليف ريبيكا كاجوبي، وهي رئيسة برنامج الطب النفسى في تل أبيب، وقد عملت وقتها بوزارة الصحة الإسرائيلية، وكانت مسؤولة عن الدراسات النفسية بجامعة تل أبيب، تقول المؤلفة إن إسرائيل دولة صغيرة في الشرق الأوسط، وإن غالبية سكانها من المهاجرين من أوروبا، والتي بدأت هجرتهم من قبل الحرب العالمية الثانية، وكان جزء كبير منهم من الناجين من الهولوكوست، وما أعقبها من هجرات من شمال إفريقيا، وجنوب أمريكا، ثم من إثيوبيا وروسيا، والنتيجة هي تجمع خليط من سكان متعددي التفكير والنزعات النفسية للعيش معاً في دولة واحدة، بحيث تشكلت منهم دولة تضم خليطاً من السكان متعددي النشأة والتفكير، والماضي المؤثر على كل منهم، وهو ما ظهر في توترات ونزاعات مستمرة فيما بينهم، كان قادة الدولة يطفئون نيرانها بالحروب المستمرة من حرب إلى أخرى.
في نفس المسار نُشرت دراسة بعنوان «عواقب النتائج السيكولوجية على المجتمع الإسرائيلي نتيجة احتلال الأراضي الفلسطينية» وتبحث الدراسة في تأثيرات الاحتلال على التفكير والسلوك الأخلاقي، والصحة النفسية والعنف في المجتمع الإسرائيلي، وأن الاحتلال تسبب في تعريض الإسرائيليين من كل الأعمار لصدمات نفسية، مما خلق رد فعل عصبيّ المزاج بين الإسرائيليين، دفعهم إلى العنف سواء فيما بين طوائف منهم أو بين الجنود والمستوطنين نحو الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، ويزيد من دوافع ممارسة العنف للذين تحت الاحتلال، في نفس الوقت الذي تتمكن منهم مخاوف من رد فعل الخاضعين للاحتلال على سلوكهم العدواني، وهنا يستخدم المحتل آليات دفاعية شرسة تتضمن تبريرات لسلوكه.
وبدا أن هذه الجهات العلمية على تعددها قد رسمت بنفس الخطوط، ظاهرة مخيفة تتحرك في الشرق الأوسط.
وقالت أيضاً إن هناك دراسات لعلماء وباحثين إسرائيليين تبرهن على أن المجتمع الإسرائيلي، مصاب بأمراض نفسية استحوذت على تفكيرهم جميعاً، ودفعتهم للتطرف الذي شاهده العالم في ممارستهم للإبادة الجماعية في غزة.

3 يناير 2025
الشرع.. والتزام الهدوء مع إسرائيل

توقفت طويلاً بالتأمل لما يعنيه قول أحمد الشرع «حاكم» سوريا الجديد، من أنه ليس مهتماً بالدخول في حرب، أو أي نزاعات جديدة، ولا ينوي أن يحارب على الرغم من هجمات إسرائيل التدميرية، والتي لا تتوقف على سوريا. إن أحداً لم يطالبه بالحرب، لكن وضعه الجديد مسؤولاً عن دولة وشعب، كان يقتضي إعادة ترتيب أوضاع المؤسسات العسكرية وتجهيزها، لتكون مستعدة للرد دفاعاً عن الدولة التي ألقيت عليه مسؤولية حكمها وإدارتها، وإلا فما معنى دور رئيس الدولة إذا لم يكن كذلك، في ظروف تتعرض فيها سوريا وبشكل يومي لهجمات إسرائيلية تدميرية، ولكافه قدراتها العسكرية؟ وكل هذا يُظهر عدم نية استعادة الأراضي المحتلة، ووصل حال الغرور الإسرائيلي إلى إصدار بيان، يدعو فيه سكان خمس بلدات سورية بملازمة منازلهم حتى إشعار آخر.
وفي سياق الحرب الإسرائيلية اليومية، ما أعلنته إسرائيل ذاتها، من أنها نفذت أكبر عمليه قصف جوي على سوريا في تاريخ إسرائيل، وأنها بدأت ب 500 غاره جوية في كل أنحاء سوريا، وتدمير أعداد كبيرة من الطائرات والقواعد العسكرية وأنظمة الدفاع الجوى، كما ركزت على تدمير الأسطول البحري، ومخازن الصواريخ، وأنها قصفت مركزاً للبحوث العلمية في دمشق، بعد أن وصلت طائراتها إلى محيط العاصمة دمشق، وإنها في خلال أقل من خمس ساعات استهدفت 61 موقعاً عسكرياً سورياً. والغريب أن النظام الجديد في دمشق، قرر طرد المقاومة الفلسطينية من الأراضي السورية، وإقفال مكاتبها، ووجّه إنذاراً إلى جميع فصائل المقاومة بتسليم أسلحتها، والانسحاب من البلاد. أضف إلى ذلك ما أعلنته الحكومة الجديدة، أنها ستبدأ بإلغاء التجنيد الإجباري، وهو ما يعني تصفية القوات المسلحة السورية. في نفس الوقت الذي بدأت فيه إقامة طقوس يهودية، تمهيداً لإقامة المستوطنات اليهودية على مقربة من دمشق. وهذا يظهر نية صريحة لعدم التفكير حالياً، أو حتى مستقبلاً في استعادة الأراضي المحتلة.
المفارقة هنا، أن الذين وصلوا إلى الحكم في سوريا، هم بلا خبرة سياسية لإدارة الدولة، وليسوا رجال دولة بالمعنى السياسي، فلقد أمضوا سنوات حياتهم ضمن منظمات متطرفة، معادية أصلاً لمعنى الدولة الوطنية.
ويظل متخفياً وراء ستار الأحداث، الدور الأمريكي، حيث إن مسؤولاً إسرائيلياً رفيع المستوى، قال صراحة: إن بلاده أبلغت واشنطن مسبقاً، بعملياتها للسيطرة على مواقع داخل سوريا، ويتماشى ذلك مع اللهجة الأمريكية المتغيرة من وصف «هيئة تحرير الشام» (جبهة النصرة سابقاً)، التي كان يتزعمها أبو محمد الجولاني، بأنها جبهة إرهابية، إلى درجه أنها سبق أن رصدت 10 ملايين دولار لمن يدلها على مكانه، ثم عدلت عن موقفها كلية بعد دعمه في الوصول إلى حكم سوريا، لتحسين صورته ووصفه بالرجل المعتدل.
الوضع في سوريا يتجه نحو التأزم والخطورة، ولا مفر من خلق حالة وأوضاع، تقود الدولة السورية نحو وضع تؤدي فيه القوى الوطنية على اختلافها دورها المطلوب. وهنا كان مهمّاً الطرح الذي صدر عن لجنة الاتصال الوزارية العربية، بشأن سوريا، والذي انعقد بمدينة العقبة الأردنية، وتضمن دعم عملية انتقال سلمية سياسية سوريّة، عبر انتخابات حرة ونزيهة، تشرف عليها الأمم المتحدة، باعتبار أن المرحلة الحالية تستوجب حواراً وطنياً شاملاً. وكان من المهم ما أعلنه مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا غير بيدرسون، في لقائه مع وزير الخارجية الأمريكي، من تأييد الأمم المتحدة لعملية سياسية شاملة وموثوق بها، لتشكيل الحكومة المقبلة.
وما دام حكام سوريا الجدد اختاروا حالة السكون، إزاء الدمار الكلي واليومي للمؤسسات العسكرية السورية وجيشها، وتركوا للإسرائيليين أن يفعلوا ما هم فاعلون، مع إيضاح منهم بأنهم ليسوا مهتمين بحرب أو عداء مع إسرائيل، فإن الأوضاع تقتضي أن يمسك بزمام الموقف الراهن سوريون، يعرفون كيف يمكنهم تقوية مؤسسات الدولة العسكرية، بما يردع العدوان الإسرائيلي اليومي.
من ناحية أخرى، فعلى الأراضي السورية من أيام بشار الأسد، توجد خمس قوات مسلحة، وكلها أجنبيه كان بينها صراعات حادة، ولا يزال الموقف الأمريكي يكشف يوماً بعد يوم عن دور أمريكا في دفع «هيئة تحرير الشام» للقيام بما قامت به، إذ إن أمريكا كانت تحرك الأحداث من وراء الستار، وهو ما كشفت عنه صحيفة «التلغراف» البريطانية بأن القوات الأمريكية الموجودة في سوريا أبلغت بريطانيا قبل التغيير في سوريا بعده أسابيع بما سيحدث، وأن كل الأمور في سوريا ستتغير. في نفس الوقت كشف الرئيس المنتخب دونالد ترامب، عن أنه لا شان لنا بما يحدث في سوريا، في الوقت الذي كان يرى فيه إسرائيل وهي تقوم بغارات جوية مستمرة على الدولة السورية.
يبقى أن ما حدث في سوريا الآن، يعيد للأذهان الخطط المعروفة سابقاً ب«الفوضى الخلاقه» كما يسمونها، لتفتيت الأوضاع المستقرة في منطقه الشرق الأوسط، وهو ما سبق أن نشرته جريدة القوات المسلحة الأمريكية. وفي ظل التدخلات الأجنبية، عادت أمريكا تمارس دورها بشكل لا يخفى على أحد، وهي مرتبطة بدعم وجود إسرائيل في الشرق الأوسط.
أما وقد ظهر ما يشير إلى دور أمريكا في دعم «هيئة تحرير الشام»، وتطلب من الشرع تحسين علاقته بإسرائيل، فهذا يعني أن إسرائيل كان لها دور مساند لأمريكا في إجراء التغييرات في سوريا.