12 نوفمبر 2025
بيني وبين الكتاب حكاية
منذ سنواتي الأولى، كان الكتاب أقرب إليّ من أي شيء آخر. كنت أتعامل معه كما يتعامل البعض مع صديقٍ يعرف أسرارهم ويصغي لهم بصمتٍ جميل. بين صفحاته وجدت نفسي، وتشكلت ملامح فكري وحلمي. كنت أقرأ في الليالي الطويلة تحت ضوء خافت، وأحلم أن يكون لي يوماً ما كتابٌ يحمل اسمي، يقرأه أحدهم، كما كنت أقرأ كتبي الأولى بشغفٍ لا يوصف.
واليوم، حين أقف في معرض الشارقة الدولي للكتاب لأوقِّع إصداراتي الجديدة، أشعر بأن ذلك الطفل الذي كان يقرأ بشغف في غرفته الصغيرة لم يذهب بعيداً، بل كبر معي، وها هو يعيش حلمه. معرض الشارقة بالنسبة لي ليس مجرد فعالية سنوية، بل محطة روحية وعاطفية أعود إليها كل عام بشوقٍ خاص. هناك ألتقي قرّائي، وأشارك في الورش الأدبية والحوارات الثقافية، وأتبادل مع الزملاء الكتّاب والناشرين قصصاً لا تنتهي. هناك أيضاً أجد نفسي من جديد بين رفوف الكتب، أختار عناوين تضيف إلى مكتبتي التي تجاوزت آلاف الكتب، تلك المكتبة التي أُعِدُّها أغلى ما أملك. كل كتاب فيها له حكاية، له لحظة اقتناء، وله أثر في روحي لا يمحى.
في معرض الشارقة، أشعر بأن المدينة كلها تتحول إلى احتفاليةٍ بالحرف، إلى مساحة يتقاطع فيها الأدب والفكر والجمال الإنساني. حين أمشي في أروقته، يلفتني تنوع الحضور؛ الأطفال الذين يكتشفون القراءة للمرة الأولى، والطلاب الذين يبحثون عن مراجع لبحوثهم، والكتّاب الذين يتحدثون بشغف عن تجاربهم. كل ركنٍ هناك ينبض بالحياة، وكل عنوانٍ يشبه وعداً بلقاء جديد بين القارئ والكاتب.
أشتري كتباً أكثر مما أستطيع قراءته في عام كامل، ومع ذلك أعود في العام التالي بنفس الحماس وربما أكبر. فالمعرض بالنسبة لي هو تجديد للعلاقة الأبدية مع الكتاب.
الكتاب بالنسبة لي ليس ترفاً فكرياً، بل هو أسلوب حياة. هو الصديق الذي رافقني في العزلة، والمعلم الذي فتح أمامي أبواب الفهم، والجسر الذي عبرت عليه إلى عوالم لا تنتهي. ومعرض الشارقة هو المكان الذي يذكّرني دائماً أن هذا الشغف لا يموت، وأن هناك من يشاركك حب الكلمة والإيمان بأن الثقافة هي أعظم ما يمكن أن نقدمه لأنفسنا وللعالم.