إن من أهداف العملية التعليمية، إعداد جيل يستطيع التكيف مع الظروف التي يعيش فيها، ومن أهم المواد التي يجب الاهتمام بها في المدارس، وتسهم في تشكيل هذا الجيل، هي التربية الفنية والموسيقية على وجه الخصوص، وتعد من الأنشطة المدرسية بالغة الأهمية، لإكساب التلاميذ المعرفة الفنية اللازمة في الرسم والموسيقى. فمن خلال الفنون يعبر الفرد عن مشاعره تجاه ذاته والمجتمع والطبيعة.
يحرر الفن الإنسان من مشاعر مكبوتة، ويدفعه إلى مشاركة الآخر سعادته أو معاناته، ويحقق الاستقرار النفسي، أما كبت المشاعر فربما يؤدي إلى عُقد نفسية تضر بصحة الفرد العامة. وبشكل عام، تنمي الفنون الجوانب المعنوية للإنسان، وتحقق التوازن الروحي والمادي في الحياة.
ومن أهم الوظائف التي يقدمها الفن للتلاميذ وتعمل على صقلهم جسدياً وعقلياً ونفسياً وعاطفياً، تنمية الوعي الاجتماعي وتعزيز العمل الجماعي، وإكساب التلميذ القدرة على التفكير السليم، وتصريف الطاقات الزائدة لديه بواسطة التعبير عن الذات بطريقة فنية، وغرس الحس الجمالي، وتنمية الحاسة السمعية والذوق الفني المبني على الفهم والإدراك.
وتلعب الفنون دوراً مهماً ضمن إطار العلاج النفسي والتأهيل، خاصة لأصحاب الهمم، ففن مثل الرقص، على سبيل المثال، يعمل على تحسين الأداء الحركي، كما أن الغناء والأناشيد تحسن مخارج الحروف وتعالج مشاكل النطق لمن لديهم صعوبات في التحدث والتواصل، كما أن العزف يحسن من الأداء الحركي ووظائف الدماغ.
وترجع أهمية الفنون بالنسبة للمجتمعات، إلى أنها وسيلة للترويح عن الذات ووسيلة تسلية ترتقي بالمشاعر وتسمو بها. تمتد جذور التربية الفنية إلى بلاد الإغريق والحضارة الفرعونية، وحضارة بلاد الرافدين، لقدرتها على تهذيب سلوك الأفراد وجدانياً، إضافة إلى القدرة العلاجية وتأثيرها في نفسية الأفراد.
وقد اهتمت تلك الحضارات القديمة بالتربية الموسيقية؛ لأنها استطاعت تخريج أفراد يتمتعون بذائقة فنية راقية. يجب غرس الفنون في نفوس الطلاب، حتى تتراجع السلوكيات الخاطئة، ويختفي العمل العدائي بين التلاميذ، ليتمكنوا من استغلال أوقات فراغهم بصورة إيجابية، فغرس الثقافة الفنية يعمل على تميز المجتمعات ثقافياً وفنياً.
[email protected]
د. نورة المزروعي
تتجلى صور إبداعية وتعبيرية هائلة في فني الرسم والموسيقى، وهذان الفنان الخالدان يلتقيان معاً في عنصر «الإيقاع»، فالموسيقى فن إيقاعي يسري وفق وحدة زمنية، حيث يتلاعب الموسيقي الماهر في درجة الصوت بين الارتفاع والانخفاض وفق تلك الوحدة، أما فن الرسم، فهو فن إيقاعي يسري وفق عامل مكاني، لأنه يتعامل مع الكتلة والفراغ، ونجده جلياً في اللوحة عبر الخطوط والأشكال وفن التعامل مع درجات اللون.
يستطيع الرسام أن يخلق برشته «هارموني» متكامل بين الألوان والأشكال الهندسية، أما المقطوعة الموسيقية المؤلفة والموزعة، فهي تتناغم هارمونياً بالتوازي بين جميع الآلات الموسيقية.
يمكن لمشاهد اللوحة الفنية أو المستمع لمقطوعة موسيقية أن يستدل على حالة الرسام والموسيقي من خلال الألوان والمقامات الموسيقية، فمن خلال الألوان المنثورة على اللوحة، نفهم مزاج الرسام، فقد يكون اللون الأصفر في الثياب والوجه المرسوم على سبيل المثال علامة على الكآبة والشحوب، وربما يفهم الموسيقي المتأمل في اللوحة التي يطغى عليها اللون الأصفر بطريقة مزدوجة، قد يفهم ذلك بمعيار مماثل لرمز الرسام، ويقترح ألحاناً وتأليفات موسيقية على مقام الصبا (الحزين)، أو قد يحمل معنى معاكساً، يرمز إلى معاني البهجة والأمل، والانطلاق، كما توحي أشعة الشمس، التي تحمل إيحاءات مقام الرست الذي يشي بالفرح والبهجة، وهذا يتوقف على فهم مزاج كل من الرسام والموسيقي.
والموسيقي قد تستثيره لوحة فنية، وقد يعبر عنها بطريقته الخاصة التي لا تمت بأي مضمون لما يعتمل في ذهن وروح من قام برسم هذه اللوحة، وهذا يعني أن تفسير الأشياء من حولنا، يختلف باختلاف مزاج ووجدان وثقافة سواء المشاهد أو المبدع، فاللحن واللون، إنما هما مكونان تعبيريان لهما صلة بذلك الإيقاع الداخلي الذي ينعكس في اللوحة، كما يترجم نغماً خاصاً لا يشبه غيره، من هنا، نفهم آلية تعامل الموسيقي مع اللون وتحويله إلى نغم صوتي خاص، كما نستوعب حال الرسام أثناء تعامله مع مقطوعة موسيقية، يرغب في تحويلها إلى لوحة فنية، تحمل رموزاً ومعان متباينة، قد تقترب أو تبتعد عن الفكرة أو المضمون الذي أراده سواء الموسيقي أو الرسام.
أغنية «حلم» أو «الأطلال» لسيدة الغناء أم كلثوم، يمكن لرسام أن يغوص في معانيها، ويخرجها من مدلولها «الحزين» وقد يتعامل الرسام مع نص الأغنية بصورة تمثل ذلك الحزن بأشباح تنوح على الفراق، أو ربما يخرج معانيها من مدلولها «الحزين» إلى صورة إيجابية تحمل ألوان البهجة والسعادة، كصورة تمثل عاشقين يحلمان باللقاء.
تمثل العلاقة بين الرسم والموسيقي، علاقة سالبة وموجبة، وهذا يعني أن كلا المجالين قادران على أن يقوما بوظيفة نقدية تجاه الآخر. وهذه المهمة النقدية تعتمد على الرؤية الداخلية للفنان سواء كان رساماً أو موسيقياً، وعلى مزاجهما وطبيعة نظرتهما للحياة، التي تمثل الخبرات الحياتية جزءاً كبيراً منها.
[email protected]
د. نورة صابر المزروعي
كان هناك الكثير من الفنانين في العصور المتباينة، وكانت لهم مكانة مهمة في قصور الخلفاء؛ ومن بينهم صفي الدين عبد المؤمن بن يوسف بن فاخر الأرموي. كان أمهر الخطاطين في زمانه، تولى إدارة المكتبات والمخطوطات القديمة في عهد المستعصم بالله، وكانت لديه مواهب فنية، ولما سمع الخليفة عزفه على آلة العود؛ رفع من شأنه، وأمر بتعينيه رئيساً لمعهد الموسيقى ببغداد، ليصبح نديماً للخليفة. وهذا الاعتراف بمواهبه الفنية؛ شجعه على التأليف، فكتب «كتاب الأدوار» الذي يصنف من أنفس الكتب الموسيقية، وأقدم نسخة من هذا الكتاب محفوظة بمكتبة «نور العثمانية» بإسطنبول.
والكتاب من أهم المصنفات العربية وأوفاها في معرفة النغم والأجناس وتدوينها، أما كتابه الثاني فهو «الرسالة الشرَفيَّة في النسب التأليفية»، ويتناول ظاهرة «الصوت»، وتوجد نسختان منه؛ الأولى محفوظة «بجامعة ييل» بالولايات المتحدة؛ والثانية بمكتبة برلين.
عاصر الأرموي سقوط بغداد عام 656، وقتل الخليفة، وإحراق المكتبات والمدن. وعلى الرغم من الدمار الذي حل ببغداد، فإن الحي الذي سكنه صفي الدين الأرموي نجا من الدمار، وتذكر كتب التاريخ أن الأرموي طلب من أهل الحي جمع ما يساوي خمسين ألف دينار، وتمكن بحنكته أن يتقرب من أمير الجند المنغولي، وقال له: «هذه مراكب الخليفة وهدايا أهالي الحي صارت في حكمك، فإن تصدقت على أهلها بأرواحهم فقال أمير الجند: وهبتهم أرواحهم... فطلب هولاكو الالتقاء به، فقال له: أنت يا مغني ونديم الخليفة، ما أجود ما تعلمت في فن الطرب؟ فقال: أحسن الألحان إذا سمعها الإنسان ينام». فقال هولاكو: فغن لي الساعة حتى أنام، ودندن على عوده حتى نعس هولاكو. فقال له: صدقت يا أرموي، تمن علي، فقال: أتمنى أن أمتلك بستاناً. فتبسم هولاكو وقال: هذا مسكين، فمنحه البستان، وأسندت إليه وزارة الأوقاف بجميع أنحاء العراق، وربط له ضعف ما كان يتقاضاه من الخليفة المستعصم بالله.
وهذه القصة تحمل الكثير من العبر، حول تأثير الفنون على الإنسان، وتأكيد أخلاق الفنان، فكل ما طلبه هذا الفنان الملهم، هو فقط أن يدندن على عوده، ومجرد بستان صغير، وهذا يدل على أخلاقه ورهافة حسه؛ حيث استطاع بحنكته أن يتعامل مع عدوه، وأن يحمي أرواح الحي من فظائع ووحشية المغول.. لقد صدق الرسول الكريم حيث قال: «تهادوا وتحابوا».. وعلى الرغم من الفظائع التي ارتكبها هولاكو في التاريخ الإسلامي، فقد رق قلبه وعطف على الأموري وأهل حيه. ومن العبر أيضاً حنكته في التعامل مع الغزاة، وربما تكفي كلمة عابرة غير مدروسة لتكون سبباً في قتله وهلاك أهل حيه.
[email protected]
إن علاقة الرسام بالأشياء التي يرسمها علاقة تتداخل فيها الذاكرة، وهذا يجعل الرسام يضطلع بمهمة تحمل الكثير من المعاني تتعدى نقل الصورة إلى اللوحه. يحدد المحتوى المطروح في لوحة الرسام هويته واتجاهاته وفلسفته في الحياة، فالرسام ينثر تصوراته وأفكاره ومشاعره في اللوحة المرسومة، التي تلخص مجموعة من الرسائل والمشاعر المكبوتة لديه، والتي يتخلص منها بطريقة إبداعية. يقوم الرسام من خلال عمله بعملية «تفريغ إبداعية» وهي أنجح الوسائل لعلاجه من الضغوط النفسية، حيث يستثمر خبراته المتراكمة، من أمل ورفض وفرح ومعاناة بطريقة فنية. تحقق اللوحة التي تعبر عن الرسام حالة من الراحة النفسية بعد اكتمالها ومشاركة الجمهور في تفسيراتها وتحليلها.
إن تأملات الرسام تعطي الفرصة لتحقيق مزيد من الإبداع، وهذا التأمل يعمل على تعطيل صلته بالواقع، فالواقع في نظر الرسام يتغير تبعاً لرؤيته الخاصة. إن التأمل يساعد على الإبداع، خاصة إذا تزامن ذلك مع توحده مع عالمه الخاص محاولاً التعبير عن حياته في العزلة، وكلما أمعن الرسام في ذاته يزداد انسحاباً من العالم الخارجي، ويزداد إبداعاً لأن الإبدع هو الانصراف من الخارج إلى الداخل، بمعنى آخر تمثل اللوحة المرسومة حالة من تعطيل العقل الواعي لصالح العقل اللاوعي، والتي تشكل رؤية خاصه بهذا الرسام لكي يقدم لاحقاً للجمهور خزائن اللاوعي. وربما يكون ثمن هذا الإبداع اختفاء الرسام عن الساحات العامة ومجالس اللقاء والمناسبات. إن حالة التأمل التي يعيشها الرسام تصل به إلى لذة لا يرتقي إليها الكثيرون.
الرسام الحقيقي مشغول في إقامة علاقة بين الشيء والشيء، وتأسيس حالة فهم خاصة قد تكون موجودة وقريبة منا، فلا نستطيع التقاطها بحسب محدودية قدرتنا على التجاور، وهذا يعني أننا ندهش كثيراً لهذا السهل الممتنع من الفن الذي يدور حولنا ولم نفطن إليه، وبهذا نصبح قادرين على الانتباه إلى بعض الأمور التي هي جلية أمامنا وانشغلنا عنها، وربما اكتشفنا الكثير من الخفايا التي كانت غير واضحه لنا وللعامة.
إذا درسنا حالة الرسام بيكاسو الذي استقر في باريس، وصور من خلال لوحاته مشاعر الحزن والكآبة التي عكسَت تجربته ومشاعره الداخليه اتجاه الواقع المعاش، فالمعاني والمضامين التي احتوتها لوحاته في غربته تعكس معاناة واقع يعاني الدمار في أوروبا إبان الحرب العالمية الأولى والثانية. اتجهت لوحاته لتصور الوضع الاجتماعي والاقتصادي فركز فيها على الضعفاء والمقهورين من الشعب، وأصبح جزء كبير من لوحاته يعبر عن ذلك الواقع الأليم، ومن ضمن أشهر لوحاته «عازف الجيتار الأعمى»، التي كشفت عن صورة رجل حزين الوجه يرتدي ملابس بالية، يجلسُ في فضاء أزرق قاتم، ويعزفُ على آلة الجيتار باللون الزاهي الذي يمثل الأمل، تُسلّط هذه اللوحة الضوء على المعاناة النفسية والاقتصادية لدى المبدعين.
[email protected]
أدرك الإنسان قيمة الألوان منذ العصور القديمة ووظفها في الأعمال الفنية، والتشكيليّة، والمباني التي كانت بدورها تصوّر الحالة النفسية للإنسان وتُعبّر عن مشاعره، كما استُخدمت كوسيلة للعلاج في الحضارات القديمة: اليونانية والإغريقيّة وبلاد الهند، والصين، ومصر وهذا يفسر لنا موقع اللون في النفس.
شاعت رمزية الألوان عبر الأجيال مّا جعلها تكتسب دلالات رمزيّة تعبر عن الحياة والموت والسعادة والرّحمة. فأسطورة الخوف من سم الأفعى الأصفر واقتران اللدغ بالاصفرار والشحوب المرتبط بالمرض ثم الموت جعل الأصفر رمزاً للمرض والذبول، كما أنه إحدى علامات فصل الخريف التي تشير إلى رحيل الأخضر ثم تساقط الأوراق.
ارتبط الأحمر تاريخياً بمفهوم الأخطارالمقترنة بالجرائم والحروب، وتميز بمفهوم خاص في طقوس الشعوب البدائية، أما أماكن العبادة فشاعت فيها البساطة في الألوان: الأخضر والأزرق والأبيض وابتعدت عن البهرجة والتكلف.
في العصر الحديث احتفلت معاني الألوان تبعاً للحالة النفسية للفرد، بل وأثرت في قراراته تجاه الأشياء، فالشخص قد يعجب بأثاث أو سيارة تتميز بمقاييس ومواصفات ملائمة للاقتناء، ولكن ما يحدد قراره في الشراء هو اللون.
أثبتت الدراسات النفسية أنّ للألوان قدرة في التأثير على خلايا الإنسان؛ فلكل لون موجة ضوئيّة خاصّة لها طول معيّن يختلف من لون إلى آخر، ولكل موجة تأثيرها على الحالة النفسية.
إنّ الألوان ليست مجرّد موجات واهتزازات ضوئيّة فحسب؛ ولكنها تصل إلى أعماق النفس البشريّة، فمنها ما يعبر عن الراحة والحب والبهجة، ومنها ما يثير مشاعر القلق والاضطراب والحزن، فالأثر الإيجابي أو السّلبي للون له انعاكاسات فسيولوجيّة نفسية، بالإضافة إلى تأثيرها الواضح على الحالة المزاجيّة؛ لذا كان هناك مراعاة واضحة لنفسية الأفراد عند توظيف مفهوم الألوان في المؤسسات التعليمية: المدارس والكليات، والمؤسسات الصحية: المستشفيات والعيادات، وفي الموسسات الحكومية بشكل عام، خاصة مكاتب عمل الموظفين.
ومؤخراً ظهر الكثير من المراكز المُتخصّصة في العلاج بالألوان في الدول الأوروبية، ونتمنى من المسؤولين في مراكزنا الصحية توظيف فكرة العلاج بالألوان لما لها من تأثير إيجابي في حالة المريض.
[email protected]
د. نورة صابر المزروعي
للنجوم أهمية كبرى في حياة الإنسان حيث اعتمد عليها الأجداد للاستدلال على الاتجاهات، اتجاه القبلة تحديداً، كما تستخدم في علم التنجيم الذي يعتمد على مواقع النجوم للكشف عن توقعات وحوادث مستقبلية.
تبدو النجوم حين ننظر إليها من على سطح الكرة الأرضية كأنها صامتة، ثابتة، لكنها ليست كذلك، فقد أثبتت الدراسات بأن النجوم مليئة بالموجات الصوتية التي تجعل النجم نابضاً وفي حركة دائمة. والذي يحفز نبض النجوم وحركتها هي الحرارة، فالنجوم مليئة بالغازات وملتهبة.
رصد العلم الحديث ظاهرة أصوات النجوم وأطلقت عليها وكالة ناسا الأمريكية اسم المطارق الكونية، حيث تمكن فريق تابع لوكالة الفضاء الأمريكية من اكتشاف أنماط منتظمة لنجوم نابضة بوضوح ووصفوها ب «المحيرة».
أشار القرآن الكريم إلى هذه الظاهرة في سورة «الطارق»، قال الله سبحانه وتعالى (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ، إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ...)، وسمى جل وعلا النجم طارقاً، لأنه يظهر ليلاً بعد غياب الشمس، كما شبه سبحانه وتعالى الصوت الذي يصدر من النجوم بالمطرقة، وهي أداة يستخدمها النجار، وما شابهها من أدوات الطرق، وفي هذه الآية الكريمة كأن الله عز وجل يريد أن يعلّم البشرية بأن النجوم عظيمة في خلقتها، دقيقة في عملها، لا تخطئ مسارها، وقد حجبت أسرارها عنا، كذلك، وكَّل الله سبحانه وتعالى ملائكة لتحفظ البشر في كل الأوقات، والملائكة الموكلة بتلك المهمة لا تخطئ في كتابة ما يصدر عن البشر من أقوال وأفعال، نقرأ في قوله تعالى:(إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ).
النجوم هي أحد أعظم أسرار الخالق عز وجل، وتتجلى أهميتها في ذكرها من خلال أكثر من موضع في القرآن الكريم، وربما يتساءل قارئ: لماذا أقسم الله بمواقع النجوم وليس بالنجوم ذاتها في قوله (فَلَا أُقْسِم بِمَوَاقِع النُّجُوم وَإِنَّهُ لَقَسَم لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيم)؟ والجواب في تمعن حركة النجوم وأصواتها ومواقعها، فهي غير واضحة للإنسان بسبب بعدها واستحالة انتقال أصواتها إلينا في الفراغ الذي يفصلنا عنها. وقد أثبتت الدراسات أن الإنسان لا يستطيع أن يرى حقيقة مواقع النجوم، وأن ما نراه في السماء ليلاً مواقع مرت بها النجوم، وليس النجوم ذاتها! ويعتقد بأنّ ذلك بمثابة رحمة إلهية لأنها لو كانت واضحة للناظر، لتسببت في فقد البصر من شدة لهيبها وتوهجها.
إن أسرار خلق النجوم تتكشف تباعاً ومع تقدم علوم الإنسان، وفي كل يوم يكشف علم الفلك عن أسرار جديدة للنجوم التي تعد واحدة من أعظم عجائب خلق الله سبحانه وتعالى في هذا الكون.
[email protected]