من الطبيعي أن ينحصر كل مجال التفكير، بكل مديات اتساعه وتشعبه، في محور أساسي، هو الأوضاع العربية الراهنة . نحن في مرحلة وجودية حاسمة: مئات الملايين من البشر العرب، ضحايا خدع ضحك من الذقون وابتزاز واستهزاء حضاري، والأخطر امتحان عسير نتائجه فاشلة في مواد الهوية والقدرة على الحياة . كل الأشياء الأخرى تصبح لا محل لها من الإعراب الآن، كمن يظهر بأرقى ما لدى "الهوت كوتور" وسط خرائب تحيط بها الوحوش من كل جانب .
السؤال: هل في هذه الأمة من يدري حقاً ما الذي سيكون غداً؟ ببساطة: الناس إذاً خارج دائرة الإرادة والمقاليد . وبالتالي فإن الساحة خلو من الأفكار الرائدة وبدائلها المتعددة واحدة واحدة، لأن التخطيط جيداً يقتضي ما يسمى الخطة باء، وجيم ودال . . إلخ . وهذا يعني أنه مرّت على الناس فترات طويلة، لم يفكروا فيها في شؤون حياتهم حاضراً ومستقبلاً .
الواقع الحقيقي المرعب، هو أنه منذ عقود طويلة، لم يعرف العالم العربي مفكرين في المقدمة ينيرون المسالك الجماعية . لقد ظللنا طوال التاريخ الحديث في سياسة القطيع في مسلك واحد، ومجموعة من الكلاب بأمر الراعي تعيد إلى المجموعة أي انبتات، أو ثغاء خارج القطيع .
ذلك لم يكن محسوساً في حقب سادت فيها نسبياً رتابة هادئة نسبياً، عدا هزات متقطعة في الزمان والمكان . الجديد الآن خطر وجودي جدي، لا يزال في ليله الداجي هزيع علّ فيه ما يدغدغ الفجر فيبتسم . حلم الأخطار الداهمة هو دفع الناس إلى الكفر بكل ما هو جماعي مشترك وحدوي، قد يعيد المياه إلى مجاريها وعلى نحو أفضل، أو أن تبتكر حلولاً عبقرية لم تخطر للأخطار على بال .
حلم الأخطار هو أن يقول العربي في نفسه: هي هذه الشعوب العربية، التي كنا نؤمل فيها خيراً؟ لقد ثبت بالبرهان أنهم أهش من البسكويت . ما أكثر الذين ما إن تنفرط حبات السيادة الترابية، حتى ينقلبوا إلى لصوص نهب وسلب بلا قلب . إذاً لقد والله خدعنا المنظرون، وإلا فهل هؤلاء أهل لأمانة الأوطان؟ في هذه الحال من اليأس يقع الناس فريسة لما هو أنكى: الاستنجاد بمن خطط لهذا الاستعباد .
لزوم ما يلزم: قال الشاعر عن الذئب: "ينام بإحدى مقلتيه ويتقي المنايا بأخرى فهو يقظان هاجعُ" . في هذه على الأمة الاقتداء بالذئب، لا الانقياد للذئاب .
عبداللطيف الزبيدي
[email protected]